قراءة في جمالية الانهيار الرمزي في قصيدة "احتمالات" للشاعرة السورية: روعة سنوبر..!! سعيد محتال
من الاحتمال المتعدد إلى نقطة الصفر:
قراءة في جمالية الانهيار الرمزي في قصيدة "احتمالات" للشاعرة السورية:
روعة سنوبر
سعيد محتال*
المقدمة
لا تولد قصيدة حقيقية من فراغ، بل تنبثق من تلك اللحظة الهشّة التي تتصدّع فيها الذات أمام الآخر كيفما كان، فتلجأ إلى اللغة لا لتصف ما تشعر به، بل لتجعل القارئ يشعر بما يعجز عنه الوصف. وقصيدة "احتمالات" ليست استثناء من هذه القاعدة، بل هي تجلٍّ صريح له.
منذ البداية يستوقف القارئ في هذا النص شيءٌ غريب: أنه يبدأ بصيغة الجمع "احتمالات" ويتقلص شيئاً فشيئاً حتى ينتهي بـ"احتمال وحيد". هذه الحركة التراجعية من التعدد إلى الوحدة، ومن الوحدة إلى حافة الصفر، ليست مجرد بنية فكرية مفروضة على النص، بل هي النبض الذي يسري في عروق كل صورة وكل استعارة وكل مفردة. فالقصيدة لا تروي انهياراً، بل تُعيد تمثيله أمام القارئ في الزمن الحيّ للقراءة
تتكئ القصيدة على منظومة بلاغية متشابكة، تتجلى في تشخيص يحوّل الجسد إلى مشهد، وطباق يجعل الضدين يتراصّان دون أن يتصالحا، واستعارات تحمل في قلبها مفارقات موجعة كـ"ضوء الغياب" و"الجناح الممزق" الذي لا ينقصه ريش بل يعوزه قلب. ويُضاف إلى ذلك ذلك الصمت البليغ الذي ينتهي إليه النص في سطره الأخير، تاركاً الاحتمال الوحيد بلا اسم ولا ملامح، كأنه يدعو القارئ إلى أن يُكمل هو ما لم تقله القصيدة.
تسعى هذه القراءة إلى الكشف عن الطبقات الجمالية في هذا النص:
كيف تعمل صوره وبنيته ومعجمه معاً على تجسيد فكرة الانهيار التدريجي، وكيف يتحوّل الفراغ والغياب من موضوع للقصيدة إلى أداة من أدواتها الفنية الأكثر تأثيراً.
أولاً: البنية الكلية - هندسة الانهيار
لا تسير قصيدة "احتمالات" على خط أفقي مستوٍ، بل تنزلق في منحدر مدروس يبدأ من الاتساع وينتهي عند الانغلاق. وهذا الانحدار ليس عاطفياً فحسب، بل هو بنائي في جوهره، يتجلى في تراجع المعجم من الحركة إلى الشلل، ومن الاشتعال إلى الرماد، ومن التحليق إلى المقصلة.
ويمكن تقسيم القصيدة وفق هذه الحركة إلى ثلاث مراحل متتالية:
المرحلة الأولى
مرحلة الاشتعال والسعي:
تبدأ هذه المرحلة بخطوات "مشتعلة" تبحث عن "رائحة الحريق"، وهي صورة توحي بذات متحركة لا تزال تملك رغبةً في الإدراك. غير أن هذا الاشتعال يصطدم بـ"الطريق الذي اختفى"، فتتحول الرغبة إلى ارتباك، والحركة إلى تردد.
المرحلة الثانية
مرحلة اكتشاف الخلل الداخلي:
حيث تتحول القصيدة من سؤال الطريق إلى سؤال الذات حين يُدرك الصوت الشعري أن "الخلل في القلب لا في الجناح". وهذا الاكتشاف هو نقطة التحول الكبرى في النص، لأنه يُغلق باب التبرير ويجعل الذات مواجِهة لعطبها الداخلي دون وسيط.
المرحلة الثالثة
مرحلة التصفير والانتهاء:
تتراكم الخسارات "خيبةً فوق خيبة"، وتخضع الأفكار للمقصلة، وينتهي النص بتقلّص الاحتمالات إلى ما يقارب الصفر. غير أن النص يُبقي على بصيص واحد في ختامه، مُعلَّق بلا تسمية، مفتوح على كل تأويل.
ثانياً: التشخيص - حين تنفصل الذات عن نفسها.
يُوظّف النص التشخيص بكثافة لافتة، إذ تتحول كل مكونات الذات الخطوات، الجناحان، العينان، القلب، الأفكار إلى كيانات منفصلة تتصرف باستقلالية عن صاحبها. فالخطوات "ترتعد ارتباكاً"، والجناحان "يُحثّان على التحليق"، والأفكار "تضع رأسها تحت المقصلة".
هذا التشخيص ليس زخرفاً بلاغياً، بل هو الكاشف الأعمق عن الحالة النفسية التي يرصدها النص: حالة الاغتراب عن الذات، حين لا تعود الذات مالكةً لأجزائها، بل متفرجةً عليها. وهو ما يُفسّر سبب اختيار الشاعرة ضمير المخاطَب "أنت" بدلاً من المتكلم "أنا"، فكأن الصوت الشعري يراقب ذاته من الخارج، مُحاولة استيعاب ما لا يستوعبه.
ثالثاً: الطباق والمفارقة - الأضداد التي لا تلتقي.
يقوم النص على جدل متواصل بين ضدين لا يتصالحان: الضوء والغياب، الاشتعال والرماد، البداية والنهاية، الامتلاء والفراغ. ولعل وأبرز تجلياته يمكن تلحيصها في الآتي:
"عيناك القاتمتان تمتصّان ضوء الغياب"
تبدو مفارقة مركّبة تمنح الغيابَ ضوءاً، والظلامَ قدرةً على الامتصاص. فالعين لا تستقبل نوراً حقيقياً، بل تتغذى على نور مصدره العدم ذاته، وهذه الصورة تكثّف حالة الذات التي باتت تستمد وجودها من فقدانها.
"مبتدئاً بوعيك الأول، منتهياً بزوالك الأخير" طباق صريح بين البداية والنهاية، يُدرج الذات ضمن قوس وجودي كامل، من أول لحظة وعي إلى آخر لحظة حضور. وهذا الاستحضار لكامل المسافة الوجودية في سطر واحد يجعل الخسارة المُعبَّر عنها خسارةً كليّة لا جزئية.
"الجناح الممزق / الخلل في القلب"
طباق ضمني بين الأداة والمحرّك. إذ المألوف أن يُعزى العجز عن التحليق إلى الجناح، لكن النص يقلب هذا المتوقع ليجعل العجز داخلياً وجوهرياً لا شكلياً وعَرَضياً.
رابعاً: المعجم -الحقل الدلالي للانهيار.
لو تأملنا المفردات التي اختارتها الشاعرة بعواية فائقة لوجدنا أنها تنتمي إلى حقلين دلاليين يسيران جنباً إلى جنب:
أ- حقل النار والاحتراق:
إن كلمات الاشتعال، الحريق، البراكين، الرماد، البوتقة ما هي إلا صور تُوحي بطاقة هائلة تتآكل من الداخل دون أن تُنتج نوراً.
ب- حقل الانكسار والانتهاء:
الممزق، الهزائم، الخيبة، الخسارات، الخامل، المقصلة، الزوال، دلالات تتصاعد في القسوة حتى تبلغ ذروتها في "المقصلة" التي تقطع الرأس عن الجسد، والماضي عن الحاضر.
هذا التصاعد المعجمي لا يصف الانهيار وصفاً خارجياً، بل يُعيد بناءه في اللغة ذاتها، فتشعر وأنت تقرأ أنك لا تُحلّل نصاً بل تشهد انهياراً يجري أمامك في الزمن الحيّ.
خامساً: المقصلة - الصورة المفصلية
تبرز في الثلث الأخير من القصيدة صورة المقصلة كأشد الصور حضوراً ووطأةً:
" تحت المقصلة تضع أفكارُك رأسها
تفصل ماضيك عنك "
تجمع هذه الصورة الشعرية بين مستويين: المستوى الجسدي (الإعدام والقطع)، والمستوى الزمني (فصل الماضي عن الحاضر). غير أن الأمر الأكثر دلالة هو أن الأفكار هي التي تضع رأسها طوعاً، لا قسراً. فالذات لا تُقاوم هذا القطع، بل تنخرط فيه، ولربما تطلبه. وهذا ما يجعل صورة المقصلة هنا أكثر تعقيداً من مجرد رمز للعنف، إذ تنطوي على قبول هادئ بالانتهاء، وهو ما يتناغم مع حالة "القلب الخامل الذي لا اكتراث له" في الأسطر السابقة.
وينتهي النص بسطرين يتكثف فيهما كل ما سبق:
"لتعود صفراً...
إلا من احتمالٍ وحيد..."
البلاغة هنا في ما لا يُقال. فالنص يُوصل القارئ إلى حافة الصفر ثم يُبقي على بصيص لم يُسمِّه ولم يصفه، تاركاً إياه معلقاً في فضاء التأويل. وهذا الاحتمال الوحيد المجهول الهوية هو أخطر لحظة في النص، لأنه يتحول بحسب كل قارئ إلى الأمل، أو الموت، وقد يكون الشعر نفسه. والقصيدة لا تحسم في الأمر بل تتركه مفتوحا، قابلا للتأويلات المتعددة، لأن الحسم ضد طبيعتها.
هذا الصمت الختامي يتجاوب مع "الدهشة الصامتة" التي تسبقه مباشرةً، ليتحول الصمت إلى بنية موازية للكلام، وأكثر فاعليةً منه في الإيقاع النهائي للنص.
خلاصة القول
تبقى قصيدة "احتمالات" في نهاية المطاف نموذجا ناضجا لما يمكن تسميته "جماليات الانهيار الرمزي"، حين لا يكتفي النص بالحديث عن الانهيار بل يُعيد تمثيله بنيوياً وجمالياً في كل مستوياته المعجمية والبلاغية والإيقاعية.
تبدأ القصيدة باحتمالاتٍ مفتوحة وفضاء متسع، ثم تضيق وتتقلص وتنكمش بصبر هندسي حتى تبلغ الصفر، ثم تُبقي على بقية واحدة مجهولة المصير.
وتلك البقية هي الاحتمال الوحيد الذي يقاوم التصفير، الذي يجعل هذا النص شعرا حقيقيا، لا مرثيةً للعدم. إذ في المسافة بين الصفر وذلك الاحتمال الوحيد تكمن الحياة كلها، صغيرةً هشّة معلّقة، لكنها لا تزال هناك.
سعيد محتال
المغرب
احتمالات...
روعة سنوبر
تغصُّ شوارعك القصيَّةُ بالمسافات،
وكأنك امتدادُ لظلٍّ لا ينتهي.
خطواتُك المشتعلةُ ترتعد ارتباكاً
تبحث عن رائحة الحريق،
لكن الطريق اختفى..
تحثّ جناحيك الممزقين على التحليق
محاولا تضميد جراحك
وأنت تدرك أن الخلل في قلبك
لا في جناحيك..
عيناك القاتمتان
تمتصان ضوءَ الغياب،
وغيابك يُشرِّع أبوابَ الاحتمالات
على ضوءِك الغائب في بوتقته...
حيثّ ترتمي هزائمُك.
خيبةٌ فوق خيبةٍ،
تتكدَّس الخسارات.
قلبُك الخاملُ لا اكتراثَ له ببراكين
الأرض المحشوةِ بالرماد.
تحت المقصلة تضعُ أفكارُك رأسَها،
تفصل ماضيك عنك.
مبتدئاً بوعيك الأول،
منتهباً بزوالك الأخير.
أمام دهشتك الصامتة
تتقلص الاحتمالات،
لتعود صفراً...
إلا من احتمالٍ وحيد.. .
* كاتب وناقد مغربي.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الإيحاء في أدب القصة السودانية..!! انس بابكر محمد
قراءة للقصيدة الحزينة *رقصات فوق غبش القبر* للأستاذة الشاعرة: *نجاة رجاح..طه عبد الرحمن!!
الرئاسة القبلية بين الجينات الوراثية والفعل الأخلاقي...!!عبدالكريم العفيدلي
عَودٌ على روايات الكاتبة: مهى قباني قراءة: جدوى عبود ..!!
حين يخون الواقع نفسه... هل الأدب يبحث عن الحقيقة أم عن المعنى ..!! حسين مطر
قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ «الساكن الآخر» للقاصِّ المبدعِ "عدنان لفته السماوي"..!! ليلى صليبي
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...