جدلية العقل والنقل بين الفلسفة والدين!!

جدلية العقل والنقل بين الفلسفة والدين!!
باسم قاسم

جدلية العقل والنقل بين الفلسفة والدين!!

باسم قاسم*

في بداية حديثي يجب أن أشير إلى نقطة مهمة وهي أن هذا المقال لا يبحث في الجدل التقليدي الدائر في ماهية العقل وصفاته الميتافيزيقية بل هو يبحث عن وجوب أن يكون الإنسان العاقل هو القائد الحقيقي للمجتمع بعيداً عن خلاف الفلسفة والدين وربما هنا وجب علينا أن نعطي تفسيراً للعقل كما يراه بعض العلماء وهو واحد من كثير فالعقل البشري هو منظومة معقدة من القدرات الإدراكية التي تشمل الوعي والذاكرة والتفكير ولهذا العقل يجب أن يكون هو القائد والموجه للإنسان وذلك ليتسنى له أي الإنسان وهو العالم الواعي والمدرك قيادة المجتمع كونه المصدر الوحيد للتفريق بين ما هو صواب وما هو خطأ كما يجب أن يكون العقل هو المصدر الوحيد للتشريع وذلك لتنظيم الحياة العامة للشعوب وتخليصها من عشوائية التوجيه الغيبي أو العاطفي .

السؤال الجوهري الذي يحدد أعمال العقل دون سواه هو( كيف وليس من )أي يجب أن يكون هذا أساساً ومنطلقاً للإنسان لفهم الظواهر والموجودات عبر معرفة الماهية والآلية الكامنة وراء صيرورتها وليس من أوجدها وإذا ما اعتمدنا هذا المبدأ أساساً للتفكير فسوف تتفتح أمامنا آفاق واسعة للفهم ومعرفة كيفية وجود الأشياء والتحكم في مصيرنا الحضاري وبهذا سوف نتخلص من موروث أصبح مقدساً عبر تقادم الزمن يفرضه جاهل ويطبل له القطيع الذي استمرأ التبعية الفكرية والكسل العقلي .

وهنا يأتي دور العلم عبر العلماء والفلاسفة والمفكرين كبديل لقيادة المجتمع وهي النقلة النوعية التي اختبرتها البشرية في أنصع تجاربها الحديثة فلو تتبعنا مسار الفلسفة الغربية لوجدنا أنها مهدت لوجود المجتمع الحديث وكيان الدولة بوصفه جزءاً من نهج العقل الخالص حيث خاضت الفلسفة معركة شرسة لنزع القداسة عن السلطة وتحويلها إلى عقد مدني أرضي فالفكر الفلسفي بدءاً من الكوجيتو الديكارتي الذي جعل الوعي البشري هو نقطة الارتكاز واليقين ووصولاً إلى فلسفة التنوير مع إيمانويل كانط لم يكن مجرد ترف فكري بل كان إعادة هيكلة شاملة للمجتمع وقد عرّف كانط التنوير بأنه خروج الإنسان من حالة القصور التي تسبب فيها لنفسه بسبب عدم اعتماده على عقله دون توجيه من الآخرين وهذا هو المحرك الفعلي الذي نقل الإنسان من رعية تخضع للحق الإلهي للحكام أو لرجال الدين إلى مواطن يملك سيادة كاملة ويصوغ قوانينه بنفسه .

إن كيان الدولة الحديثة كما صاغه فلاسفة العقد الاجتماعي مثل هوبز ولوك وروسو هو نتاج خالص لتطبيق سؤال كيف على بنية المجتمع كيف يمكن للأفراد العيش في سلام وحماية ملكيتهم وحرياتهم وليس من الذي يملك تفويضاً سماوياً لحكمهم فالعقل هنا اشتغل كأداة تشريعية وتنظيمية لإنشاء الدولة الميكانيكية التي تدار بالمؤسسات والقوانين الوضعية القابلة للتعديل والمراجعة بدلاً من الدولة الثيوقراطية الجامدة .

يجب أن نناقش ماهية العقل ليس كجوهر ثابت أو كيان مجرد بل كفاعلية نقدية وديناميكية مستمرة فالعقل في جوهره الأكاديمي والعملي هو حركة نقدية لا تتوقف عن مساءلة السائد وهو الوعي الذاتي الذي يتطور بالاصطدام بالواقع والتجربة والعقل هنا هو العقلانية النقدية التي ترفض الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة وتعمل على تفكيك البنى المعرفية القديمة لإعادة بنائها على أسس منطقية ومادية تلبي حاجات الإنسان المتغيرة فالعقل ينمو بنقد ذاته وتصحيح مساراته ولا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة بل يبحث عنها باستمرار عبر منهجية علمية صارمة .

إن التحول نحو دولة العقل يعني الانتقال بالتشريع من خانة النصوص الجامدة إلى خانة المصلحة البشرية المادية والملموسة حيث يصبح القانون انعكاساً لحاجة المجتمع الحالية وليس صدى لقرون مضت وهذا بالتأكيد يحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل لتهيئة الشعوب نفسياً وفكرياً عبر إظهار الحقائق التي تعزز النظرية والحجة من خلال نتائج مادية ملموسة بعد التجربة والاختبار. 

 

*كاتب عراقي.


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

تابعونا


جارٍ التحميل...