قراءة عميقة للناقد طه عبد الرحمن لنص:*من حكايا النزف* للشاعرة: نجاة رجاح..!!

قراءة عميقة للناقد طه عبد الرحمن لنص:*من حكايا النزف* للشاعرة: نجاة رجاح..!!

قراءة عميقة للناقد طه عبد الرحمن لنص:"من حكايا النزف" للشاعرة: نجاة رجاح ..!!

 

طه عبد الرحمن*

 

ها هو النزفُ يتخذُ لغةً، لا ليكتبَ نفسَه ألمًا عابرًا، بل ليكونَ الحكايةَ كلَّها؛ حكايةَ الجسدِ حين يصيرُ شاهدًا، والروحِ حين تصيرُ راويةً. وفي البدءِ كانت الخطى تتعثّر، لا لأن الطريقَ وعِرة، بل لأن الزمانَ نفسَه يترنّحُ تحت وطأةِ الفقد، وكأن للأبدِ طعمًا، طعمَ الردى المريرِ الذي يتسرّبُ إلى الروحِ قبل الجسد، فيجعلُ من كلِّ رشفةِ هواءٍ تذكارًا، ومن كلِّ دقةِ قلبٍ استباقًا للموت.

الموتُ هنا ليس ذلك الضيفَ الثقيلَ الذي يطرقُ الأبوابَ في منتصفِ الليل، بل هو ساكنٌ قديم، يسابقُنا في الشوارعِ، يسبقُنا إلى البيوت، يقطعُ علينا لذةَ الوداع، يسلبُنا حقَّ الكلمةِ الأخيرة. وكأن الحياةَ تدارُ بمنطقِ الاختطافِ الصامت، فلا متسعَ للوصايا، ولا وقتَ للعناق. إنها فاجعةُ السقوطِ في منتصفِ الطريق، لا في نهايتِه، فاجعةُ الأشجارِ الوارفةِ وهي تُقتلَعُ من جذورِها قبل أنْ يحينَ موسمُ الذبول.

وفي سرديةِ النزفِ هذه، تتحوّلُ الطبيعةُ إلى مشهدٍ جنائزيٍّ بديع، حيث الجميزةُ لا تظلّلُ بل تؤبّن، وحيث الإيقاعاتُ الصوفيةُ لا تنشدُ وصلًا بل تودّع، كأنّ للشجرِ مآذنَه، وللحجرِ مزاميرَه، وكلُّ ما حولنا يلبسُ السوادَ في طقسٍ من الفراقِ المتواصل. ما أدهى الموتَ حين يتسرّبُ إلى الحقول، فلا يبقي على سنبلةٍ قائمة، ويحوّلُ حياتَنا إلى مجرّدِ شهقة، إلى بقايا هواءٍ محموم، نتقاسَمُها نحن الأحياءُ المؤقتين، نتقاسَمُ الفراقَ الذي لم يَعُدْ حدثًا عابرًا، بل صارَ هو الحالةَ الوحيدةَ الباقية.

النزفُ هنا ليس مجازًا، بل هو الحبرُ الذي كُتبت به الجغرافيا كلُّها، إنه النزيفُ الذي يصيرُ شقيقًا للفراق، والفراقُ الذي يلدُ الاشتياق، والاشتياقُ الذي يحيلُ النواميسَ الكونيةَ إلى ذكرى تالفة. وحين يأتي الطوافُ الأخير، لا تعودُ المدائنُ كما كانت، بل تنأى، كأنّ الحجرَ يرفضُ أن يشهدَ كلَّ هذا العبث، وتنأى العصافير، فلا غناءَ يليقُ بمسرحِ الفجيعة، ويبتعدُ الفضاءُ، كأن السماءَ تضيقُ بكلِّ هذا الألمِ الممتدّ.

ثمّةَ عباءاتٌ تُركت على الأرصفةِ كدليلِ غياب، لا كدليلِ حضور، وثمةَ دمٌ يفيضُ في الدهاليزِ، لا ليُروى، بل ليروي حكايتَه الصامتة. وفي هذه المتاهةِ من الغياب، تتأرجحُ الغيماتُ فوق الفصولِ بلا مطر، فلا شيءَ يُغسل، ولا شيءَ يُنسى. الماضي وحده هو الذي يشدّنا من أكمامِنا، يعيدُنا قسرًا إلى لحظاتِ العشقِ التي كنّا نظنّها حصينةً، فإذا بنا نرحلُ في غيبوبةِ الذاكرة، نبحثُ عن سندياناتٍ قديمةٍ كتبنا عليها أسماءَنا ذاتَ أصيلٍ خريفي، يومَ كنّا نعتقدُ أن الحفرَ في اللحاءِ يخلّد، وأن الخريفَ مجرّدُ موسمٍ عابر.

لكن النزفَ يعلّمُنا أن الخلودَ وهمٌ، وأن الأسماءَ التي ننقشُها يأكلُها اللحاءُ كما يأكلُ الزمنُ أصحابَها. إنها الحكايةُ المكتملةُ في نقصانِها، البليغةُ في صمتِها، التي تجعلُ من الألمِ نصًّا مفتوحًا على كلِّ التأويلات، ومن الجرحِ شهادةً على أننا، رغم كلِّ شيء، كنّا هنا، نبضنا، أحببنا، وكتبنا على الشجرِ ما لا يمحوه حتى النزفُ الأخير.

طه عبد الرحمن/أديب وناقد/الجليل/فلسطيني.

تتعثر خطى الزمان

وللردى طعم مرير..

يستبقنا الموت..

دون وداع 

دون كلمة أخيرهْ..!

نسقط في منتصف الطريق

تسقط أشجارنا

الوارفة الظليلهْ

وتهيئ لنا

الجُمَّيْزَةُ ثابوتا

وإيقاعات جنائزية..

صوفيهْ..!

يجتاح الموت حقولنا

تصبح حياتنا

مجرد شهقهْ..

نتقاسم الفراق..

والنزيف

والإشتياق..

وكل النواميس..

كان الطواف الأخير..!

تنأى المدائن 

والعصافير تنأى

والفضاء بعيد..!

تنتشر رائحة الفجيعهْ

والعباءات فوق الأرصفة

تركناها..!

والدم يفيض في الدهاليز

تتأرجح الغيمات 

فوق الفصول

وتداعيات الماضي

تشدنا للحظات العشق

فنرحل في غيبوبة

نبحث عن سنديانات

قديمهْ..

كتبنا أسماءنا

 على لحائها

ذات أصيل خريفي..!!

 

*أديب وناقد فلسطيني.

 


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

تابعونا


جارٍ التحميل...