الرئاسة القبلية بين الجينات الوراثية والفعل الأخلاقي...!!عبدالكريم العفيدلي

الرئاسة القبلية بين الجينات الوراثية والفعل الأخلاقي...!!عبدالكريم العفيدلي

 

الرئاسة القبلية بين الجينات الوراثية والفعل الأخلاقي...!!

 

عبدالكريم العفيدلي*

 

 

 

 

 

ليست الرئاسة القبلية مجرّد موقعٍ اجتماعي يُشغل، بل هي صورة مكثّفة لتاريخ الجماعة ووعيها بذاتها. فهي في ظاهرها امتدادٌ للنسب، وفي جوهرها امتحانٌ للأخلاق. ومن هنا ينشأ السؤال القديم المتجدّد: هل يُولد الشيخ شيخاً بحكم الدم، أم يصير كذلك بما يقدّمه من فعلٍ وقيمة؟

من الناحية التاريخية، ارتبطت الزعامة القبلية غالباً ببيوتٍ بعينها، اكتسبت عبر الزمن مكانتها من خلال تراكم رمزي طويل: مواقف في الحروب، أدوار في الصلح، حضور في لحظات الشدة. هذا التراكم تحوّل إلى ما يشبه “رأسمال معنوي” ينتقل عبر الأجيال، فيمنح أبناء هذه البيوت أفضلية واضحة في تولّي القيادة. لكن هذه الأفضلية لم تكن يوماً تفويضاً مطلقاً، بل كانت أقرب إلى ترشيحٍ أوليٍّ يحتاج إلى تثبيتٍ مستمر.

فالقبيلة، رغم احترامها للنسب، لم تكن غافلة عن ميزان الكفاءة. إذ سرعان ما تفقد الثقة بمن لا ينهض بمسؤولياته، مهما علا نسبه. وهنا يتبدّى أن ما يُسمّى مجازاً بـ“الجينات الوراثية” ليس سوى إطارٍ يمنح البداية، لا شرعية الاستمرار. فالدم يفتح الباب، لكن الأخلاق هي التي تُبقيه مفتوحاً.

في المقابل، يمثّل الفعل الأخلاقي جوهر الشرعية الحقيقية. فالشيخ في المخيال القبلي ليس سلطة قهر، بل مرجعية عدل. إنه الذي يُرجع الحقوق إلى أهلها، ويوازن بين المصالح، ويصون السلم الأهلي، ويقدّم نفسه قبل غيره عند الشدائد. لذلك، فإن مكانته تُبنى بقدر ما ينجح في تجسيد هذه القيم في سلوكه اليومي، لا في خطابه فحسب.

وتاريخ القبائل حافل بأمثلة تؤكد هذه الحقيقة: أبناء شيوخٍ أُقصوا لأنهم لم يرتقوا إلى مستوى المسؤولية، ورجالٌ برزوا من خارج الدوائر التقليدية لأنهم امتلكوا ما يكفي من الحكمة والشجاعة والعدل. وهذا ما يكشف أن الرئاسة القبلية، في عمقها، ليست نظاماً جامداً، بل كيانٌ مرن يخضع لتوازن دقيق بين الإرث والاستحقاق.

غير أن هذا التوازن يختلّ أحياناً ، خاصة في سياقات التحول السياسي أو تدخل الدولة في البنية القبلية. ففي مثل هذه الحالات، قد تُفرض زعامات تستند إلى النسب وحده، أو إلى دعم خارجي، دون أن تملك الرصيد الأخلاقي الكافي. وهنا تبدأ الفجوة بين “الشيخ الرسمي” و“الشيخ الحقيقي” في وعي الناس، فتضعف الشرعية، ويتآكل الدور.

في العصر الحديث، لم تعد الرئاسة القبلية معزولة عن منظومات أوسع من السلطة. فقد صار الشيخ، في كثير من الأحيان، جزءاً من شبكة سياسية أو إدارية، ما يضعه أمام اختبارٍ مضاعف: هل يظل وفيّاً لقيم القبيلة، أم ينخرط في حسابات المصالح؟ وهل يستطيع أن يوازن بين الانتماء التقليدي ومتطلبات الواقع الجديد؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بإقصاء أحد البعدين لصالح الآخر، بل بإعادة صياغة العلاقة بينهما. فالنسب، بما يحمله من تاريخ ورمزية، يظل عنصراً مهماً في منح القيادة جذورها، لكنه يحتاج إلى أن يُدعّم بالفعل الأخلاقي الذي يمنحها معناها. وبدون هذا التلازم، تتحول الرئاسة إلى لقبٍ فارغ، أو إلى سلطةٍ بلا روح.

خلاصة القول إن الرئاسة القبلية ليست وراثةً صِرفة، ولا استحقاقاً فردياً خالصاً، بل هي جدلٌ دائم بين ما يُورث وما يُكتسب. فمن جمع بين شرف الأصل وصدق الفعل، ثبتت له الزعامة في القلوب قبل المجالس. أما من اكتفى بأحدهما، فسيبقى ناقص الشرعية، مهما طال به الزمن.

 

* كاتب وشاعر  سوري/ الرقة.

 

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

عَودٌ على روايات الكاتبة: مهى قباني قراءة: جدوى عبود ..!!

عَودٌ على روايات الكاتبة: مهى قباني قراءة: جدوى عبود ..!!
الثقافة والأدب

قراءة للقصيدة الحزينة *رقصات فوق غبش القبر* للأستاذة الشاعرة: *نجاة رجاح..طه عبد الرحمن!!

قراءة للقصيدة الحزينة *رقصات فوق غبش القبر* للأستاذة الشاعرة: *نجاة رجاح..طه عبد الرحمن!!
الثقافة والأدب

حين يخون الواقع نفسه... هل الأدب يبحث عن الحقيقة أم عن المعنى ..!! حسين مطر

حين يخون الواقع نفسه... هل الأدب يبحث عن الحقيقة أم عن المعنى ..!! حسين مطر
الثقافة والأدب

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ «الساكن الآخر» للقاصِّ المبدعِ "عدنان لفته السماوي"..!! ليلى صليبي

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ «الساكن الآخر» للقاصِّ المبدعِ "عدنان لفته السماوي"..!! ليلى صليبي
الثقافة والأدب

قراءة عميقة للناقد طه عبد الرحمن لنص:*من حكايا النزف* للشاعرة: نجاة رجاح..!!

قراءة عميقة للناقد طه عبد الرحمن لنص:*من حكايا النزف* للشاعرة: نجاة رجاح..!!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

تابعونا


جارٍ التحميل...