الرئاسة القبلية بين الجينات الوراثية والفعل الأخلاقي...!!عبدالكريم العفيدلي

٢٠٢٦٠٧١٦_١٤٥٩٠٦.jpg

 

الرئاسة القبلية بين الجينات الوراثية والفعل الأخلاقي...!!

 

عبدالكريم العفيدلي*

 

 

 

 

 

ليست الرئاسة القبلية مجرّد موقعٍ اجتماعي يُشغل، بل هي صورة مكثّفة لتاريخ الجماعة ووعيها بذاتها. فهي في ظاهرها امتدادٌ للنسب، وفي جوهرها امتحانٌ للأخلاق. ومن هنا ينشأ السؤال القديم المتجدّد: هل يُولد الشيخ شيخاً بحكم الدم، أم يصير كذلك بما يقدّمه من فعلٍ وقيمة؟

من الناحية التاريخية، ارتبطت الزعامة القبلية غالباً ببيوتٍ بعينها، اكتسبت عبر الزمن مكانتها من خلال تراكم رمزي طويل: مواقف في الحروب، أدوار في الصلح، حضور في لحظات الشدة. هذا التراكم تحوّل إلى ما يشبه “رأسمال معنوي” ينتقل عبر الأجيال، فيمنح أبناء هذه البيوت أفضلية واضحة في تولّي القيادة. لكن هذه الأفضلية لم تكن يوماً تفويضاً مطلقاً، بل كانت أقرب إلى ترشيحٍ أوليٍّ يحتاج إلى تثبيتٍ مستمر.

فالقبيلة، رغم احترامها للنسب، لم تكن غافلة عن ميزان الكفاءة. إذ سرعان ما تفقد الثقة بمن لا ينهض بمسؤولياته، مهما علا نسبه. وهنا يتبدّى أن ما يُسمّى مجازاً بـ“الجينات الوراثية” ليس سوى إطارٍ يمنح البداية، لا شرعية الاستمرار. فالدم يفتح الباب، لكن الأخلاق هي التي تُبقيه مفتوحاً.

في المقابل، يمثّل الفعل الأخلاقي جوهر الشرعية الحقيقية. فالشيخ في المخيال القبلي ليس سلطة قهر، بل مرجعية عدل. إنه الذي يُرجع الحقوق إلى أهلها، ويوازن بين المصالح، ويصون السلم الأهلي، ويقدّم نفسه قبل غيره عند الشدائد. لذلك، فإن مكانته تُبنى بقدر ما ينجح في تجسيد هذه القيم في سلوكه اليومي، لا في خطابه فحسب.

وتاريخ القبائل حافل بأمثلة تؤكد هذه الحقيقة: أبناء شيوخٍ أُقصوا لأنهم لم يرتقوا إلى مستوى المسؤولية، ورجالٌ برزوا من خارج الدوائر التقليدية لأنهم امتلكوا ما يكفي من الحكمة والشجاعة والعدل. وهذا ما يكشف أن الرئاسة القبلية، في عمقها، ليست نظاماً جامداً، بل كيانٌ مرن يخضع لتوازن دقيق بين الإرث والاستحقاق.

غير أن هذا التوازن يختلّ أحياناً ، خاصة في سياقات التحول السياسي أو تدخل الدولة في البنية القبلية. ففي مثل هذه الحالات، قد تُفرض زعامات تستند إلى النسب وحده، أو إلى دعم خارجي، دون أن تملك الرصيد الأخلاقي الكافي. وهنا تبدأ الفجوة بين “الشيخ الرسمي” و“الشيخ الحقيقي” في وعي الناس، فتضعف الشرعية، ويتآكل الدور.

في العصر الحديث، لم تعد الرئاسة القبلية معزولة عن منظومات أوسع من السلطة. فقد صار الشيخ، في كثير من الأحيان، جزءاً من شبكة سياسية أو إدارية، ما يضعه أمام اختبارٍ مضاعف: هل يظل وفيّاً لقيم القبيلة، أم ينخرط في حسابات المصالح؟ وهل يستطيع أن يوازن بين الانتماء التقليدي ومتطلبات الواقع الجديد؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بإقصاء أحد البعدين لصالح الآخر، بل بإعادة صياغة العلاقة بينهما. فالنسب، بما يحمله من تاريخ ورمزية، يظل عنصراً مهماً في منح القيادة جذورها، لكنه يحتاج إلى أن يُدعّم بالفعل الأخلاقي الذي يمنحها معناها. وبدون هذا التلازم، تتحول الرئاسة إلى لقبٍ فارغ، أو إلى سلطةٍ بلا روح.

خلاصة القول إن الرئاسة القبلية ليست وراثةً صِرفة، ولا استحقاقاً فردياً خالصاً، بل هي جدلٌ دائم بين ما يُورث وما يُكتسب. فمن جمع بين شرف الأصل وصدق الفعل، ثبتت له الزعامة في القلوب قبل المجالس. أما من اكتفى بأحدهما، فسيبقى ناقص الشرعية، مهما طال به الزمن.

 

* كاتب وشاعر  سوري/ الرقة.

 

 

 

تعليقات


الاكثر شهرة
مدينتي

مدينتي روعة سنوبر*   مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه  مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...

بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر

"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!!   روعة سنوبر*   في...

المشهد الأخير..!! روعة سنوبر

المشهد الأخير..!!   روعة سنوبر*     لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...

"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!

  "شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!   فن ومدن*   في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...

تابعونا


جارٍ التحميل...