قراءة للقصيدة الحزينة *رقصات فوق غبش القبر* للأستاذة الشاعرة: *نجاة رجاح..طه عبد الرحمن!!

قراءة للقصيدة الحزينة  *رقصات فوق غبش القبر*  للأستاذة الشاعرة: *نجاة رجاح..طه عبد الرحمن!!

قراءة للقصيدة الحزينة *رقصات فوق غبش القبر* للأستاذة الشاعرة: نجاة رجاح!!

 

طه عبد الرحمن*

 

 

 

 

حين يَفيضُ النايُ على قبرِ الماء

سلامٌ عليكِ أيتها القصيدةُ التي لم تُكتَب، بل انبجستْ من خاصرةِ الوجعِ انبجاسَ الينبوعِ من صدرِ الصخر. سلامٌ على هذا النصِّ الذي لا يُقرأُ بالعينِ بل بالروح، ولا يُدرَكُ بالعقلِ بل بتلك الجارحةِ السرّيةِ التي لا تُوجَدُ في تشريحِ الجسد، وإنما في تشريحِ الفقد. إنها الشاعرةُ نجاة رجاح، تقفُ على حافةِ القبرِ لا لترثي، بل لتَخلقَ من الموتِ لغةً جديدة، وتصوغَ من الغيابِ حضوراً أبدياً، وتُقيمَ من الملحِ كفناً يليقُ بالشهداء.

"سلاماً لمن كان له المِلحُ كفناً" ــ في هذا الاستهلالِ المُعجِز، لا تَفتتحُ الشاعرةُ مرثيةً، بل تُؤسِّسُ لعقيدةٍ شعريةٍ كاملة. إنها تُعلنُ أنَّ الموتَ هنا ليس فناءً، بل هو تطهيرٌ بالملح، ذلك العنصرُ الكونيُّ الذي يَحفظُ من الفساد، ويَصرخُ بالحياةِ في وجه العدم. الملحُ الذي يَجرحُ الجرحَ فيُطهِّره، الملحُ الذي يَمنحُ الطعمَ للأشياء، ها هو ذا يَصيرُ كفناً، فيا للانقلابِ الشعريِّ العظيم! الكفنُ عادةً قطنٌ أبيض، ساذج، صامت، لكنْ حين يكونُ المِلحُ كفناً، فإنَّ الموتَ يَصيرُ فعلاً مُقاوِماً للتحلّل، ويَصيرُ الجسدُ الغريقُ أيقونةً خالدةً لا يَمَسُّها النسيان.

ثم يتجلّى السؤالُ الأوّل، سؤالُ الفاجعةِ الكونيّة: "تُرى لِمَن يَنشرُ الفجرُ خيوطَه/ والمُتونُ أَضحَتْ ليالينا حِدادًا..؟!" ــ إنهُ ليس سؤالاً بلاغياً، بل هو شقُّ الوجودِ بنصلِ الحيرة. الفجرُ هنا يَصيرُ كائناً تائهاً، يَبحثُ عن مُستحِقٍّ لنورِه في زمنٍ لم يَعُدْ يَستحِقُّ النور. والمُتونُ، تلك الأعمدةُ الفقريّةُ للعمران، تَتحوّلُ إلى ليالٍ حالكة، وكأنَّ موتَ "حسن" قَلبَ مقاييسَ الكون، فصارَ النهارُ حداداً، وصارَ الصبحُ مأتمَ ضوء.

وفي لحظةِ الانهيارِ اللغويّ، تقولُ الشاعرةُ ما لا يُقال: "سَحَقَتْ كلماتُنا/ فَتَكَتْ بأحلامِنا/ فَصارتْ رِحلَتُنا نحوَ الصمتِ/ والدَّمار..!" ــ تأمّلْ كم هوَ بليغٌ هذا الاعتراف. إنها الشاعرةُ، صاحبةُ اللغةِ وسيّدةُ القول، تعترفُ هنا بهزيمةِ الكلمات. لكنْ، في اعترافِها هذا انتصارٌ مُذهِل، لأنها تَستخدمُ الكلماتِ نفسَها لتُخبرَنا عن عجزِ الكلمات. هذا هو التناقضُ الخلّاق، حيثُ تَصيرُ اللغةُ شاهدةً على انهيارِ اللغة، وحيثُ تَنحتُ الشاعرةُ صمتَها بالكلمات. إنها "رحلةٌ نحوَ الصمت" ولكنْ عبرَ ضجيجِ الشعر، و"نحو الدمار" ولكنْ عبرَ بناءٍ معماريٍّ من الاستعارات.

ثم ينفجرُ الإيقاع: "نارٌ/ نارٌ/ نار.!!" ــ ثلاثُ نارٍ، لا نارٌ واحدة. النارُ الأولَى حريقُ الفقد، والثانيةُ حريقُ الذاكرة، والثالثةُ حريقُ الكتابةِ نفسِها. وعلامةُ التعجّبِ المزدوجةُ (..!!) لا تَنتمي إلى الترقيم، بل إلى لغةِ الجسد، إلى شهقةِ البكاء، إلى اللحظةِ التي يَخذلُ فيها الكلامُ فيُستَعاضُ عنه بالصراخ. إنها النارُ التي تَلتهمُ اللغةَ وتُعيدُها إلى عنصرِها الأوّل: إلى الصوتِ الصافي، إلى التَوجُّعِ الخام، إلى ما قبلَ الأبجدية.

وحينَ تَنتقلُ الشاعرةُ إلى الطبيعة، لا تَجعلُها مرآةً لحُزنِها، بل تَجعلُها شريكةً في التمرّد: "كبرتِ الظلمات/ واعترى الرَّمادُ العيون.. / ها الخُزامى تتنسمُ الغضب.. / ها شقائقُ النُّعمان تُغتصب.." ــ تأمّلْ هذه الجملةَ الأخيرةَ تحديداً. شقائقُ النعمان، تلك الزهرةُ التي تَحمِلُ اسمَ الدمِ في تسميتِها (شقائق النعمان سُمّيتْ لشدّةِ حُمرتِها كالدم)، ها هي ذي تُغتَصَب. الاغتصابُ هنا ليس فِعلَ إنسان، بل هو فِعلُ الموتِ الذي يَغتصبُ الحياةَ من أجملِ تجلّياتِها. وفي هذا الاستعارَةِ تكمنُ قسوةُ الفقد، إنهُ ليس سرقةً للحياة، بل هو انتهاكٌ للجمال، تدنيسٌ للمقدّس، اغتصابٌ للزهرةِ التي ترمزُ إلى الدمِ نفسِه، دمِ الشهيد.

ثمّ يأتي السطرُ المُدهِش: "وها مَوتُكَ يَغتالُ تاريخَ التمرّد...!" ــ هنا يَتحوّلُ الموتُ من فِعلٍ بيولوجيّ إلى جريمةٍ سياسيةٍ ووجودية. "حسن" في هذا النصِّ ليس مُجرّدَ أخ، بل هو رمزٌ للتمرّد، وتاريخُه هو تاريخُ الرفض. موتُه إذَن يَغتالُ هذا التاريخ، يَغتالُ الفكرة، يَغتالُ الأمل. إنهُ موتٌ يَقتلُ ما هو أكبر من الجسد، يَقتلُ المعنى.

ثمّ تَنفتحُ الشاعرةُ على طقسِ الكتابةِ كفعلِ مقاومة: "تُرى لمن ينشر الفجر خيوطه/ والمتون أضحت ليالينا حدادًا...؟!" لقد عاد السؤالُ، أو لنقُل إنَّ القصيدةَ كلَّها صارتْ سؤالاً واحداً لا يتوقّف. وفي هذا الأفقِ المأساويّ، تَصيرُ الشاعرةُ كاهنةً تَتلقّى أدواتِ طقسِها: "والأساطيرُ تُهديني/ الدَّمَ والقِرطاس/ كي أكتبَ صَمتَكَ الرَّهيب/ لأُعلِنَ جُرحَكَ على ثَغرِ البحر.." ــ الأساطيرُ هي التي تُهدي، لا البشر. الأساطيرُ هي التي تَمنحُ الشرعيّةَ لهذه الكتابة، لأنَّ ما حَدثَ لا يَنتمي إلى العاديّ، بل إلى الأسطوريّ. والدمُ والقرطاسُ هما حِبرُ الكتابةِ ومادّتُها، والكتابةُ هنا لا تَهدفُ إلى البوح، بل إلى "إعلانِ الجرح". إنهُ إعلانٌ رسميّ، بيانٌ يُقرأُ على "ثغر البحر"، البحرِ الذي اغتالَه، وكأنَّ الشاعرةَ تَجبُرُ كرامتَه بأن تجعلَ البحرَ نفسَه هو المنبرَ الذي يُعلِنُ جرحَه.

ثمّ يأتي ذلك المقطعُ الذي يَرقُصُ حقاً "فوق غبش القبر"، المقطعُ الذي يَمتزجُ فيه الخيالُ بالحقيقة، والموتُ بالحياة، والغائبُ بالحاضر، في واحدةٍ من أبدعِ ما أنتجَ الشعرُ العربيُّ المعاصر: "ها أنت اليومَ ترتدي/ مِعطفَ المطر/ وتَضعُ فوقَ رأسِكَ غمامة...! / ها أنت تَقفُ على قبرِك/ شاهداً وشهيداً.. / وتكتشفُ اللوحَ المحفوظ.. / تُوغِلُ في الليالي/ لتَصِلَ إلى مَدارِ النهارات.. / وبَدءِ البدايات.. / تُعانِقُ الهواء.. / وتُقبِّلُ وجهَ الماء...!"

هنا، في هذا المشهد، يَنتصرُ الخيالُ الشعريُّ على الموتِ انتصاراً كاملاً. الميتُ يَنهض، لا كشبح، بل ككائنٍ أسطوريٍّ يَرتدي المطرَ وليس الصوف، ويَضعُ الغمامةَ تاجاً. إنها صورةُ التجلّي، حيثُ يَنتقلُ "حسن" من طورِ الفناءِ إلى طورِ البقاءِ 

قراءة: طه عبد الرحمن/فلسطين

 

*رقصات فوق غبش القبر*

 

"سلاما لمن كان له الملح كفنا"

*أخي:حسن رجاح*

 

تُرى لمن ينشر الفجر خيوطه

والمُتون أضحت ليالينا

حدادًا..؟!

سحقت كلماتنا

فتكت بأحلامنا

فصارت رحلتُنا نحو الصمت

والدمار..!

نارٌ

نارٌ

نار.!!

كبرت الظلمات

واعترى الرماد العيون..

ها الخزامى تتنسم الغضب..

ها شقائق النعمان تُغتصب..

وها موتك يغتال تاريخ التمرد..!

قلاع مدينتك تشهد الفجيعة

والأساطير تهديني

 الدم والقرطاس

كي أكتب صمتك الرهيب

لأُعلن جرحك على ثغر البحر..

لِأُعَرِّشَ الحزن فوق الضفاف..

لِأُشَيِّدَ صرحك على الحصون..!

..يُّها الراحل نحو الشمس 

وأنت تسكن دموعنا

ياضياء غمر مهجة الصباح

ياغريبا،يانازحا،يامفارقا،

كان المنفى له إيواء..!

ياشهيدا أضاء كفنه كل القبور..

ياإلهي،متى كان اللقاء وداعا..؟!

في زمن التغريب هذا،

ضاعت رسائل الأحبة 

وضاع الأمل في مدن الجليد..

كان منفاك ذاك الجرح..

ذاك النعش..

وكنتَ الزهر يا *حسن*..

تفوح عطرا،

في المنفى وفي الوطن..!

وها قد أخلدت إلى النوم الأبدي

ها أنت اليوم ترتدي 

معطف المطر

وتضع فوق رأسك غمامة..!

ها أنت تقف على قبرك

شاهدا وشهيدا..

وتكتشف اللوح المحفوظ..

توغل في الليالي

لتصل إلى مدار النهارات..

وبدء البدايات..

تعانق الهواء..

وتُقبِّل وجه الماء..!

وأنا أنزف في رحيلك..

كتبتُ في عيونك شعرًا

وقلتَ:"أحسنت شاعرتي"

وها أنا ذي أكتبه

 على شاهدة قبرك

فماذا تقول يا *حسن*..؟

وأنا المتفصِّدةُ حزنا عليك

وأنت صخري..

خنساؤك تصهل في الصواعق..

تتوه في البراري،

بين الصخر والرماد..!

لها مع البحر حكاية غرقك..

ومع اللُّجَّة زنبقةُ حصاد..!

هي ذي خنساؤك يا *حسن*..

سيدة الأناشيد الجنائزيهْ..!

فياسماء اشهدي،

كم موجة خنقت أنفاس *أخي*

وكم طحلبا دثَّر جسده العاري..؟

فكيف أبكيك

وأنت المُسربل بالإبتسام..؟

كيف أرثيك

وأنت تحتضن البحر

 الذي اغتالك..؟

وقبرك محفور في جسدي..

وعرسك يُقام كل ليلة

 في دمي..

أيقونةٌ من قرنفل وزعتر،

أنت داخلي..

صفصافةٌ وارفةٌ،

أنت في قلبي..

فنم ترعاك الآيات البينات،

وأنا أتلوها كل ليلة من أجلك..!

 

بقلمي: نجاة رجاح/المغرب

 

 

* كاتب وناقد فلسطيني.

 

 

 

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

عَودٌ على روايات الكاتبة: مهى قباني قراءة: جدوى عبود ..!!

عَودٌ على روايات الكاتبة: مهى قباني قراءة: جدوى عبود ..!!
الثقافة والأدب

الرئاسة القبلية بين الجينات الوراثية والفعل الأخلاقي...!!عبدالكريم العفيدلي

الرئاسة القبلية بين الجينات الوراثية والفعل الأخلاقي...!!عبدالكريم العفيدلي
الثقافة والأدب

حين يخون الواقع نفسه... هل الأدب يبحث عن الحقيقة أم عن المعنى ..!! حسين مطر

حين يخون الواقع نفسه... هل الأدب يبحث عن الحقيقة أم عن المعنى ..!! حسين مطر
الثقافة والأدب

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ «الساكن الآخر» للقاصِّ المبدعِ "عدنان لفته السماوي"..!! ليلى صليبي

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ «الساكن الآخر» للقاصِّ المبدعِ "عدنان لفته السماوي"..!! ليلى صليبي
الثقافة والأدب

قراءة عميقة للناقد طه عبد الرحمن لنص:*من حكايا النزف* للشاعرة: نجاة رجاح..!!

قراءة عميقة للناقد طه عبد الرحمن لنص:*من حكايا النزف* للشاعرة: نجاة رجاح..!!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

تابعونا


جارٍ التحميل...