دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!!

 

د. تمام كيلاني*

 


حوار في الحرية... وشهادة للتاريخ
دمشق – نيسان 2026

في قلب دمشق، عاصمة الياسمين التي عادت تبتسم، جمعني لقاء استثنائي بنخبة من صناع الكلمة: الأستاذة الإعلامية روعة سنوبر، والأستاذ الإعلامي والروائي عمر جمعة، والأستاذ الإعلامي عمر سعيد.

كان لقاءً من زمن آخر... زمن كنا نحلم به ولا نجرؤ على تصديقه. جلسنا نتكلم بكل صراحة وانفتاح، بلا همس، بلا خوف، بلا رقيب.

أولًا: سوريا اليوم... معنى أن تكون حرًا

قلت لهم بقلب يملؤه الامتنان: سوريا اليوم بعد التحرير أصبحت حرة.

هذه ليست شعارًا. هذه حقيقة أعيشها كل يوم:

1. تدخل المطار بلا خوف ,لا يرتجف قلبك عند الحاجز. لا يرتفع ضغطك الشرياني عندما يطلب منك الهوية. الحواجز اليوم قليلة، وأصحابها مهذبون. قلت لأحدهم مازحًا: "أفزعتني" فاعتذر وقال: "حقك علي يا عم". أين كنا نسمع هذا قبل سنوات؟
2. تتكلم بكل حرية,تنتقد، تقترح، تعترض، وتعود لبيتك آمنًا. انتهى زمن "الحيطان لها آذان". انتهى زمن الاعتقال على كلمة.
3. تصلي في مسجد مشفى حكومي ومدير المشفى يقف في الصف قبل الأخير,تستخرج جواز سفر بيوم واحد دون رشوة. ترى شوارع تُوسع ومخالفات تُزال.

ولى عهد الظلم والظلام والطغيان إلى الأبد.

ثانيًا: الذاكرة التي لا تموت... جرائم النظام لا تسقط بالتقادم

لكن الحرية الحقيقية تعني أيضًا أن نتكلم عن الجرح. أن نفتح الدفاتر السوداء التي أُجبرنا على إغلاقها ستة عقود.

تحدثنا طويلًا، وبمرارة، عن جرائم النظام السابق. عن القهر، عن السجون، عن الإعدامات الميدانية، عن شعب كامل سُرق صوته وحلمه.

وطلب مني الزملاء الثلاثة، بإلحاح الأخ لأخيه، أن أكتب: اكتب يا دكتور. اكتب ذكرياتك عن أحداث حماة الأليمة عام 1982. وثّق للتاريخ. فالأجيال القادمة يجب أن تعرف.

ثالثًا: شهادة للتاريخ... حماة 1982 وحي الكيلانية الذبيح

نعم، سأكتب. لأن السكوت عن المجزرة خيانة للشهداء. ولأن الذاكرة أمانة.

في شباط 1982، كنت شاهدًا على الفاجعة. رأيت مدينة تُباد. رأيت حيًا أثريًا عمره أكثر من 800 عام يُسوى بالأرض.

حي الكيلانية... ذاكرة عمرها ثمانية قرون*

حي الكيلانية ليس مجرد حجارة. هو ذاكرة مدينة. هو أزقة ضيقة تفوح منها رائحة التاريخ. هو بيوت عربية بباحاتها الدمشقية، بليوانها وياسمينها. هي الزاوية الكيلانيه وحي الكيلانيه باهله ومساجده وحماماته وقصوره التي تشبه قصر الحمراء في الأندلس

في ذلك الشباط الأسود، دخلت دبابات الحقد إلى الكيلانية. لم تفرق بين شيخ وطفل، بين بيت ومسجد. هدموا الحي الأثري فوق رؤوس ساكنيه، قُصفت المآذن، ودُمرت القباب، وسُرقت المخطوطات.

أكثر من 40 ألف شهيد ، سقطوا في حماة خلال 27 يومًا. أرقام تقشعر لها الأبدان. عوائل أُبيدت بالكامل. أطفال دُفنوا تحت الأنقاض. نساء تم التنكيل بهن. مدينة عوقبت لأنها قالت "لا" للظلم.

النظام البائد لم يدمر البشر فقط. دمر الحجر، دمر الذاكرة، دمر هوية مدينة، أرادوا محو حماة من الجغرافيا والتاريخ. لكن حماة باقية. والكيلانية ستُبعث من تحت الركام، كما تُبعث سوريا اليوم.

رابعًا: لماذا نكتب الآن؟ دور الإعلام في التوثيق والبناء

اتفقنا في لقائنا أن دور الإعلام والمثقفين في سوريا الجديدة ذو شقين:

1. التوثيق : أن نكتب ما حدث. أن نفتح الأرشيف. أن نُسمع صوت الضحايا الذين كممت أفواههم. جرائم 1982، وسجن تدمر، ومجازر الساحل، والكيماوي. هذا دين في أعناقنا. "فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره".

2. البناء: أن لا نسجن أنفسنا في الماضي. أن نستخدم هذه الذاكرة الموجعة لنبني مستقبلًا لا تتكرر فيه المأساة. إعلام لا يُزيف، وقضاء عادل، ودولة قانون تحمي الجميع.

قالت أ. روعة سنوبر: مهمتنا اليوم مزدوجة: أن نكون ذاكرة الوطن، وأن نكون بوصلة مستقبله.

وأضاف الروائي عمر جمعة: على الرواية السورية أن تكتب الخراب، لكن عليها أيضًا أن تكتب الأمل. أن توثق الكيلانية التي هُدمت، وتتخيل الكيلانية التي ستُبنى".

خاتمة: من الألم نولد من جديد

خرجت من اللقاء وأنا أحمل أمانتين: أمانة الكلمة، وأمانة الذاكرة.

سأكتب عن حماة. سأكتب عن الكيلانية. سأكتب لأربعين ألف روح صعدت إلى السماء تشكو ظلم الطغاة. سأكتب حتى لا يُقال للأجيال القادمة "لم نكن نعلم".

وسأكتب أيضًا عن دمشق اليوم. عن الحرية التي ندفع ثمنها عملًا وصبرًا. عن مطار تدخله مرفوع الرأس. عن شاب على حاجز يعتذر لك.

سوريا حرة. والحر لا ينسى، لكنه يسامح ليبني.

هذا عهد قطعناه في قلب دمشق: أن نكون شهودًا على العصر، وشركاء في صناعة المستقبل.

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

حي الكيلانية: ذاكرة حماة المذبوحة!! د. تمام كيلاني

حي الكيلانية: ذاكرة حماة المذبوحة!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

اجتماع تحضيري لمؤتمر اتحاد الأطباء والصيادلة السوريين الثالث والثلاثين! روعة سنوبر

اجتماع تحضيري لمؤتمر اتحاد الأطباء والصيادلة السوريين الثالث والثلاثين! روعة سنوبر
بوابة دمشق

شهادة من دمشق: سوريا تتنفس... ببطء ولكن بحرية!! د. تمام كيلاني

شهادة من دمشق: سوريا تتنفس... ببطء ولكن بحرية!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الدكتور حسان نجار… طبيب الأمة وضميرها الحي!! د. تمام كيلاني

الدكتور حسان نجار… طبيب الأمة وضميرها الحي!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

مشفى المواساة الجامعي بدمشق: 80 عامًا من العطاء... ونداء لإعادة الإعمار بعد التحرير* د. تمام كيلاني

مشفى المواساة الجامعي بدمشق: 80 عامًا من العطاء... ونداء لإعادة الإعمار بعد التحرير* د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! د قاسم عبد العزيز الدوسري

هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! د قاسم عبد العزيز الدوسري
بوابة دمشق

افتتاح مدرسة "عبد الله بن مسعود" في قسطون وسط فرحة غامرة من الطلاب والأهالي!! روعة سنوبر

افتتاح مدرسة "عبد الله بن مسعود" في قسطون وسط فرحة غامرة من الطلاب والأهالي!! روعة سنوبر


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

تابعونا


جارٍ التحميل...