قراءة لقصيدة – مراسم الفقد – للأستاذ الشاعر طاهر ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لقصيدة – مراسم الفقد – للأستاذ الشاعر طاهر ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لقصيدة – مراسم الفقد – للأستاذ الشاعر طاهر ..!!

 

طه عبد الرحمن*

 

 

بلاغة الحضور في مملكة الغياب: قراءة في استيطيقا الفقد.

لعلَّ الموتَ في أعمقِ تجلِّياتِه ليسَ ذاك الغيابَ الذي نراه، بل هو ذلك الحضورُ الذي لا نستطيعُ أن نمسكَ به، حضورٌ يشبهُ الماءَ كلَّما قبضتَ عليه تسرَّبَ من بينَ أصابعِك، لكنَّه يبقى هناك، في راحتكَ، باردًا، حيًّا، يُذكِّركَ أنَّ الشيءَ لا يزولُ، بل يتغيّرُ مَقامُه في الوجود. وهذا تمامًا ما صنعتَهُ، أيها الشاعر، في "مراسم الفقد"، إذ لم تكتبْ عن الموت، بل كتبْتَ من داخل الموت، من تلك المسافةِ الحرجةِ التي لا يعبرُها إلا من صارَ الفقدُ فيه عضوًا خامسًا، أو حاسّةً سادسةً لا تُدركُ إلا ما لا يُرى.

حين نقول "مراسم"، فإننا نستدعي طقسًا، والطقسُ في جوهرِه استدعاءٌ للغائب، محاولةٌ لترويضِ الأبديِّ بالمؤقَّت، للامساكِ بالمطلقِ عبرَ الرمز. لكنَّ المفارقةَ الكبرى في نصِّك أنَّ المراسمَ تتحولُ من طقسٍ جماعيٍّ إلى منسكٍ فرديّ، من صلاةِ جماعةٍ إلى خلوةِ ناسك، كأنَّ الفقدَ لمّا تعمَّقَ صارَ دينًا خاصًّا، له محرابُه وكهنوتُه وضحاياه. "أُقيمُ مراسمَ الفقدِ وحدي" ـ في هذا السطرِ وحدَه إعلانٌ لاهوتيٌّ خطير، أنَّ الألمَ الأعظمَ لا يُشارَك، وأنَّ الوجعَ الحقيقيَّ بلا شهود، إنه سرُّ الاعترافِ الأخير بين الإنسانِ وفنائِه.

ثمّ إنَّ "معاقرةَ الوجع" استعارةٌ تنهضُ من أصلٍ حسّيٍّ عنيف، فالعُقرُ في اللغةِ أصلُ الدوامِ واللزوم، تقولُ العربُ "عاقرَ الخمرَ" أي لازَمَها، لكنَّ الخمرَ تُذهِبُ الوعيَ مؤقتًا، بينما الوجعُ كلَّما عاقرتَه ازددْتَ به وعيًا، حتى تصيرَ صحوًا مؤبدًا، حتى تصبحَ يقظًا في مواجهةِ العدم، لا تهربُ منه، بل تتصاهرُ معه. وفي هذا السياق يأتي "ذروُ الدموع" لا بمعنى سكبِها، بل بمعنى نثرِها في الهواء، كأنَّ الدمعَ صارَ ملحَ الأرض، وصارَ الفقدُ زرعًا يُبذَر، وصارَ الثرى مُتلقّيًا لسرٍّ سائل، هو آخرُ ما يبقى من الجسدِ بعد أن يُستنزَف.

ولعلَّ من أشدِّ الصورِ تعقيدًا في النص صورة "التغريداتِ كأيتام". الأيتامُ فقدوا الأب، والتغريداتُ فقدتْ سياقَها، صارت أصواتًا بلا أصل، لحنًا بلا مرجع، كأنَّ الشاعرَ يقولُ إنَّ اللغةَ نفسَها تيتمَّت بعد الرحيل، وإنَّ الكلماتِ صارت تبحثُ عمّن ينطقُها أو يفهمُها. وهذا عمقٌ بلاغيٌّ نادر، حيثُ تصيرُ القصيدةُ واعيةً بجرحِها اللغويِّ كما هي واعيةٌ بجرحِها الوجودي. الأيتامُ لا يرثونَ أبًا بعينه، بل يرثونَ "الكمدَ المقيت"، أي الحزنَ الذي يُقيمُ فيهم ولا يغادر، الحزنَ الذي صارَ أصلًا وليسَ عرضًا.

ثمّ يتصاعدُ البناءُ البلاغيُّ حين تتحولُ "بقايا الأمس" إلى "خطواتٍ أضناها الانتظار". هنا تنعكسُ الآيةُ: ليس الحيُّ هو الذي ينتظر، بل الخطواتُ نفسُها صارت كائناتٍ حيّةً تنهكُها الغيبة، كأنَّ الزمنَ تعطّل، وكأنَّ المكانَ تجمّد، ولم يبقَ إلا الانتظارُ الخالص، الانتظارُ بلا منتظَر، وهذا هو الجحيمُ بعينه. ثمّ تأتي "جدارُ الصمت" التي تُعلَّقُ عليها الأحلام، في إحالةٍ إلى طقسٍ قديمٍ حيثُ تُعلَّقُ القرابين، لكنَّ القربانَ هنا هو الحلم، والصمتَ هو الإلهُ الذي لا يُجيب.

غير أنَّ الذروةَ الشعريةَ، في تقديري، تكمنُ في سطرٍ واحدٍ بالغِ الكثافة: "كلُّ الدروبِ تفضي إلى ظلِّك". إنها ليست مجازًا عابرًا، بل هي رؤيا وجوديةٌ كاملة. الظلُّ هو الأثرُ بلا جسد، هو الدليلُ على الشيءِ دونَ أن يكونَ الشيءَ نفسَه. والدروبُ التي تُفضي إلى الظلِّ هي دروبٌ تصلُ إلى ما لا يُمسَك، تبلغُ غايتَها ولا تبلغُها في آن. ثمّ يأتي التالي ليكملَ المأساة: "وكلُّ الجهاتِ تدلُّ عليَّ ثم تمضي"، أي أنَّ الكونَ كلَّه صارَ مرآةً لا تعكسُ إلا الغائب، وصارَ الفضاءُ كلُّه دالاًّ على الشاعر، لكنَّه يمضي، كمن يدلُّ على جريحٍ ولا يُسعِفه. إنها وحدةٌ كونيةٌ لا مثيلَ لها، حيثُ صارَ العالَمُ كلُّه شاهدَ زورٍ على الفقد.

ثمّ يأتي ذلك السطرُ العجيب: "أُرتِّلُ أسماءَ الراحلين كأنها صلاةٌ لا تنتهي". الترتيلُ غيرُ التلاوة، الترتيلُ غنائيةٌ حزينة، والاسمُ هنا هو آخرُ ما يتبقّى من الإنسان، هو جسدُه الرمزيُّ بعد أن يبلى الجسدُ الماديّ. والصلاةُ التي لا تنتهي هي اعترافٌ بأنَّ الفقدَ لا ختامَ له، بل هو حالةٌ من التعبّدِ المستمرِّ للعدم. هنا يصيرُ الشاعرُ كاهنًا من طرازٍ آخر، لا يشفعُ للأحياءِ عند الآلهة، بل يشفعُ للراحلينَ عند النسيان، يحميهم من الفناءِ الأخير، فناءِ الذاكرة.

ثمّ تبلُغُ الحكمةُ ذروتَها في إدراكِ أنَّ "الذكرى كلما شاختْ ازدادتْ حضورًا". هذا قلبٌ لمنطقِ الزمن، هذه ثورةٌ على قانونِ النسيان. الذكرى في المنظورِ العاديّ تضعُف، لكنَّ الشاعرَ يكتشفُ قانونًا آخر: الذكرى لا تضعُف، بل تتكثَّف، لا تتبخَّر، بل تتبلور، حتى تصيرَ كالحجرِ الكريم، يزدادُ بريقُه كلَّما تقادمَ به الألم. وحين تصيرُ الذكرى "وطنًا لا يغادر"، فإنَّ الفقدَ يتحولُ من حالةِ طردٍ من الجنّةِ إلى جنّةٍ من نوعٍ آخر، جنّةِ الحضورِ الدائم، حيثُ لا موت، بل تحوّلٌ من حالٍ إلى حال، من جسدٍ إلى معنى.

وأخيرًا، فإنَّ ذلك الختامَ: "إنَّ الذينَ نحبُّهم لا يرحلون"، ليسَ عزاءً ساذجًا، بل هو اكتشافٌ ميتافيزيقيٌّ عميق. إنه إعلانُ أنَّ المحبّةَ الحقيقيةَ تخلقُ وجودًا موازيًا، عالمًا لا تسري عليه قوانينُ الفناء. الشاعرُ هنا لا يُواسي، بل يُعلنُ حقيقةً توصَّلَ إليها عبرَ معاناتِه: أنَّ المحبوبَ، حين يُحبُّ حقًّا، ينتقلُ من الخارجِ إلى الداخل، يصيرُ مقيمًا في الروح، لا بمعنى الذكرى العابرة، بل بمعنى الوجودِ الفعليِّ الذي لا يُلمَس. وهذا تمامًا هو الانتصارُ الوحيدُ الممكنُ على الموت: لا إلغاؤه، بل تحويلُه، لا إنكارُه، بل تجاوزُه عبرَ صيرورتِه وطنًا.

أيها الشاعر، لقد كتبْتَ "مراسمَ الفقد" فجعلْتَ من القصيدةِ قيامةً خاصّة، ومن اللغةِ تابوتًا مفتوحًا يفيضُ بالحياة، لا بالميت. لقد أثبتَّ أنَّ البلاغةَ ليستْ زخرفةَ لفظ، بل هي غوّاصةٌ تغوصُ في بحرِ المعنى، وكلَّما تعمَّقتْ، صادفتْ لآلئَ لا تُصادُ إلا بالغرقى. وإنِّي، إذ أقرأُ نصَّك، لا أقرأُ قصيدة، بل أقرأُ نقشًا على الماء، نقشًا لا يمحوه إلا الماء، لكنَّه يبقى، يبقى لأنَّه صارَ في روحِ القارئ "وطنًا لا يغادر".

****************

القصيدة:

مراسم الفقد

ااااااااااااااااا

تركتني أُقيمُ مراسمَ الفقدِ وحدي،

أُعاقرُ الوجعَ،

وأذرو دموعَ الحرمان،

فتغتسلُ مقلتاي،

ويصافحُ الدمعُ الثرى.

أتراني غريبًا

تسافرُ بي الأهازيجُ طويلًا،

وترافقني بعضُ التغريداتِ

كأيتامٍ

أصابهم الكمدُ المقيت.

أجمعُ من بقايا الأمسِ

خطواتٍ أضناها الانتظار،

وأعلِّقُ على جدارِ الصمتِ

أحلامًا

دثرتها ريحُ الغياب.

أناديكِ...

فلا يجيبُ سوى الصدى،

ويعودُ صوتي

محمَّلًا بانكسارِ المسافات،

كعصفورٍ

أضاعَ عُشَّهُ في عاصفةِ الرحيل.

كلُّ الدروبِ

تفضي إلى ظلِّك،

وكلُّ الجهاتِ

تدلُّ عليَّ ثم تمضي،

وأبقى وحيدًا

أحصي نبضاتِ الشوق،

وأرتِّلُ أسماءَ الراحلين

كأنها صلاةٌ

لا تنتهي.

علَّمتني الوحشةُ

أنَّ الليلَ لا يُطفئُ حرائقَ القلب،

وأنَّ الذكرى

كلما شاختْ

ازدادتْ حضورًا،

وصارتْ في الروحِ

وطنًا لا يغادر.

وسأبقى،

أزرعُ في منافي الحنينِ

وردةً من صبر،

وأكتبُ على أبوابِ الفقد:

إنَّ الذينَ نحبُّهم

لا يرحلون،

ااااااااااااااااا

طاهر مشي

 

 

* ناقد وأديب فلسطيني.

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

د. منصور إسكوديرو.. من رحلة البحث عن المعنى إلى بناء الحضور الإسلامي في إسبانيا!

د. منصور إسكوديرو.. من رحلة البحث عن المعنى إلى بناء الحضور الإسلامي في إسبانيا!
الثقافة والأدب

رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!

رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!
الثقافة والأدب

دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لقصيدة سكة الضور للكاتبة روعة سنوبر..!! طه عبد الرحمن

دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لقصيدة سكة الضور للكاتبة روعة سنوبر..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

الإيحاء في أدب القصة السودانية..!! انس بابكر محمد

الإيحاء في أدب القصة السودانية..!! انس بابكر محمد
الثقافة والأدب

قراءة في جمالية الانهيار الرمزي في قصيدة "احتمالات" للشاعرة السورية: روعة سنوبر..!! سعيد محتال

قراءة في جمالية الانهيار الرمزي في قصيدة "احتمالات" للشاعرة السورية: روعة سنوبر..!! سعيد محتال


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...