مبادرة العلاقة ودورها في بناء الثقة وتعزيز الاستدامة المهنية

مبادرة العلاقة ودورها في بناء الثقة وتعزيز الاستدامة المهنية
د. تمام كيلاني

 

 

مبادرة العلاقة ودورها في بناء الثقة وتعزيز الاستدامة المهنية

رؤية خاصة بالقطاع الصحي السوري

 

د. تمام كيلاني*

 

مقدمة

في عالمٍ تحكمه المصالح المتشابكة وتسوده السرعة في اتخاذ القرارات، باتت العلاقات الإنسانية مهددة بالتحول إلى تفاعلات عابرة تفتقر إلى العمق والمعنى. ومع تصاعد النزعة النفعية في مختلف القطاعات، لم تعد العلاقات تُبنى على الوعي والمسؤولية المشتركة، بل على ردود الأفعال والمصالح الآنية. إلا أن الفلسفة الإدارية والإنسانية الحديثة تؤكد أن جوهر النجاح المستدام لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في جودة العلاقات، ومستوى الثقة التي تحكم التفاعل بين الأفراد والمؤسسات.

ومن هنا يبرز مفهوم مبادرة العلاقة بوصفه قيمة أخلاقية ومهنية في آنٍ واحد. فهي تعني أن يبادر الإنسان، بوعي ومسؤولية، إلى بناء علاقة إيجابية مع الآخر دون انتظار مقابل مباشر، ودون أن يكون الدافع محصورًا في منفعة آنية. إنها انتقال من منطق “الاستجابة المشروطة” إلى منطق “الفعل الإنساني”، حيث يكون الفرد هو البادئ بزرع الثقة، لا المنتظر لقطافها.

ولا تقتصر مبادرة العلاقة على المجاملة أو السلوك اللطيف الظاهري، بل تتجسد في أفعال صادقة تعكس احترام الآخر، والاعتراف بكرامته، والاستعداد للعطاء المتوازن. ومن هذا المنطلق، تصبح مبادرة العلاقة حجر الأساس لأي بناء مهني مستدام، خاصة في القطاعات التي تمس الإنسان في جوهره، وعلى رأسها القطاع الصحي.

مبادرة العلاقة في الممارسة الصحية

يُعدّ القطاع الصحي من أكثر القطاعات حاجةً إلى مبادرة العلاقة، نظرًا لطبيعته الإنسانية الحساسة. فالعلاقة بين الطبيب والمريض، وبين الزملاء في الفريق الطبي، وبين المؤسسات الصحية والمجتمع، لا يمكن أن تُدار بمنطق الربح والخسارة، بل بمنطق الثقة والمسؤولية الأخلاقية.

الطبيب الذي يستمع لمريضه بإنصات، ويشرح له حالته وخيارات العلاج بصدق، والصيدلي الذي يحرص على توعية المريض لا مجرد صرف الدواء، كلاهما يمارس مبادرة العلاقة في أرقى صورها. هذه المبادرات الصغيرة هي التي تصنع الثقة، وترفع من جودة الرعاية الصحية، وتُعيد للطب بُعده الإنساني الأصيل.

مبادرة العلاقة والواقع الصحي في سوريا

وفي السياق السوري، تكتسب مبادرة العلاقة بُعدًا أعمق وأكثر إلحاحًا. فالقطاع الصحي في سوريا مرّ، ولا يزال، بتحديات جسيمة أثّرت في بنيته التحتية، وكوادره، وإمكاناته. وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن الحديث عن إعادة بناء القطاع الصحي دون إعادة بناء العلاقة بين أبنائه في الداخل والخارج.

إن آلاف الأطباء السوريين المنتشرين في دول الاغتراب يمتلكون خبرات علمية وتقنية متقدمة، اكتسبوها في أنظمة صحية متطورة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الخبرات لا تتحقق إلا عندما تتحول إلى مبادرة علاقة صادقة مع زملائهم في الداخل، قائمة على التواضع المهني، والاحترام المتبادل، وتجنب أي نزعة فوقية أو شعور بالعلوية العلمية.

فالعلاقة الصحية السليمة لا تُبنى على منطق “أنا أعرف أكثر”، بل على منطق “نحن شركاء في المسؤولية”.

التعليم الطبي عن بُعد كنموذج لمبادرة العلاقة

من أبرز صور مبادرة العلاقة التي يمكن للأطباء في المهجر تقديمها، دعم التعليم الطبي في سوريا عبر الوسائل الحديثة. فالتعليم عن بُعد، سواء من خلال المنصات الافتراضية مثل Zoom أو عبر مجموعات علمية منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي، يمثّل فرصة حقيقية لنقل المعرفة، ومناقشة الحالات السريرية، وتحديث البروتوكولات العلاجية.

هذه المبادرات لا تتطلب موارد مالية ضخمة بقدر ما تتطلب وقتًا، والتزامًا أخلاقيًا، ورغبة صادقة في بناء علاقة علمية مستدامة مع الأطباء في الداخل. وهي في الوقت ذاته تساهم في كسر العزلة العلمية، وتعزيز الشعور بالشراكة المهنية.

دعوة صادقة لإعادة بناء القطاع الصحي

إن مبادرة العلاقة في السياق الصحي السوري يجب أن تتحول إلى دعوة واضحة وصريحة للأطباء السوريين في المهجر للمساهمة في إعادة بناء القطاع الصحي، كلٌّ من موقعه وقدرته. فذلك قد يكون عبر:
- دعم المستوصفات والمشافي بالإمكانات المتاحة
-تقديم أجهزة طبية متطورة أو المساهمة في تأمينها
-المشاركة في برامج تدريب وتأهيل الكوادر
-أو حتى عبر الاستشارة الطبية والتعليم المستمر عن بُعد

هذه المبادرات، مهما بدت صغيرة، تُراكم أثرًا كبيرًا على المدى البعيد، وتُعيد ترميم الثقة، وتُسهم في بناء منظومة صحية أكثر تماسكًا وإنسانية.

خاتمة

من منظور فلسفي، تمثل مبادرة العلاقة وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه الآخر، وإدراكه أن العطاء ليس ضعفًا، بل شرطًا لبناء الوجود المشترك. ومن منظور مهني، لا سيما في الطب، فهي جوهر الرسالة الطبية وأساس الاستدامة.

وفي زمن الأزمات، تصبح مبادرة العلاقة ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل واجبًا مهنيًا وإنسانيًا. وبين الطبيب في الداخل والطبيب في المهجر، يمكن لمبادرة العلاقة أن تكون الجسر الذي يُعيد للقطاع الصحي السوري توازنه، وإنسانيته، وأمله بالمستقبل.


*رئيس الجمعية الطبيه الاوربية العربية


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة فيينا

عامٌ على انهيار الدولة المزيّفه…وولادة الوعي من رماد الخوف

عامٌ على انهيار الدولة المزيّفه…وولادة الوعي من رماد الخوف
بوابة فيينا

فيينا تُضيء شمس الأمل: حفل خيري نصرة لحماة

فيينا تُضيء شمس الأمل: حفل خيري نصرة لحماة
بوابة فيينا

هنا حماة من فيينا!! اتحاد الاطباء العرب بالنمسا يساند دعم القطاع الصحي بحماة

هنا حماة من فيينا!! اتحاد الاطباء العرب بالنمسا يساند دعم القطاع الصحي بحماة
بوابة فيينا

بيان رسمي حول ختام زيارة د. تمام كيلاني إلى الجمهورية العربية السورية

بيان رسمي حول ختام زيارة د. تمام كيلاني إلى الجمهورية العربية السورية
بوابة فيينا

بيان حول ملف الاطفال المفقودين في سورية!! بيان صادر عن الجمعية الطبية الأوروبية العربية

بيان حول ملف الاطفال المفقودين في سورية!! بيان صادر عن الجمعية الطبية الأوروبية العربية
بوابة فيينا

سوريا بين عهدين… من دولة القانون إلى دولة الخوف!!

سوريا بين عهدين… من دولة القانون إلى دولة الخوف!!


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...