إذا أردت أن تهدم حضارة، أذل طبيباً

إذا أردت أن تهدم حضارة، أذل طبيباً
د. تمام كيلاني

إذا أردت أن تهدم حضارة، أذل طبيباً


د. تمام كيلاني*

 

قال المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي:

«إذا أردت أن تهدم حضارة، احتقر معلماً، وأذل طبيباً، وهمّش عالماً، وأعطِ قيمة للتافهين.»

ليست هذه المقولة وصفًا أدبيًا، بل تشخيصًا دقيقًا لمسار انهيار الأمم. ومن بين هذه التحذيرات، يظل إذلال الطبيب وتهميشه من أخطر أدوات هدم الحضارة، لأن الطبيب لا يمثل مهنة فحسب، بل يشكل ضمانة أساسية لحق الإنسان في الحياة، وركيزة لاستمرار المجتمع صحيًا واقتصاديًا.

1. الطبيب بين التهديد والموت

في سوريا، تعرض الأطباء للتهديد والاعتقال والقتل خلال أيام الثورة السورية على يد النظام البعثي وعصابات الاسد ،الأطباء الذين حاولوا تقديم العلاج للمدنيين أو توثيق الانتهاكات وجدوا أنفسهم أهدافًا مباشرة. تحولت المستشفيات، التي كان يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا، إلى أماكن غير آمنة، وأصبح الكادر الطبي أداة ضغط سياسي. هذا الإذلال الممنهج دمّر الثقة في النظام الصحي وأودى بحياة آلاف المدنيين، في هدمٍ مباشر لإحدى ركائز الحضارة الأساسية.

2. هجرة الكفاءات الطبية
مع استمرار القمع، هاجر عدد كبير من الأطباء إلى خارج البلاد، تاركين فراغًا خطيرًا في البنية الصحية. هذا النزيف البشري أدى إلى توقف المشاريع الصحية، وتراجع مستوى الخدمات، وانتشار الأمراض، وفقدان القدرة على مواجهة الأزمات. فغياب الطبيب يعني غياب الخبرة والمعرفة، ويجعل المجتمع أكثر هشاشة أمام التحديات.

3. إذلال الطبيب كرمز لهدم المجتمع
عندما يُذل الطبيب، ينهار احترام المهنة، ويضعف المجتمع أخلاقيًا وثقافيًا. الطبيب المقموع يصبح شاهدًا على عجز الدولة عن حماية مواطنيها، ويتراجع التعليم الطبي والبحث العلمي. رسالة هذا الإذلال واضحة: لا مكان للكفاءة، ولا قيمة للعلم، وتصبح حياة الإنسان مجرد رقم قابل للتضحية.

4. النتيجة النهائية
الأزمات الصحية، ونقص الأطباء، وفقدان الثقة بالمؤسسات الطبية في سوريا ليست أحداثًا عابرة، بل نتائج مباشرة لسياسات ممنهجة من قبل العصابات الأسدية هدفت إلى إخضاع الكوادر الطبية وتهميشها. إن إذلال الطبيب هو في جوهره هدم للحضارة من الداخل، لأن أي مجتمع بلا منظومة صحية محترمة هو مجتمع مهدد بالانهيار.


وفي هذا المجال لايمكن فصل إذلال الطبيب عن السياق الأوسع الذي عاشته سوريا، حيث تم احتقار المعلم، وكمّ الأفواه، وتكميم أصحاب الرأي، وزجّ العلماء والمفكرين والمعلمين في السجون، في محاولة ممنهجة لإفراغ المجتمع من وعيه وعقله. وفي الوقت نفسه، مُنحت السلطة والقيمة للتافهين، ولمن ينتمون إلى أجهزة القمع والمخابرات على حساب الكفاءة والمعرفة والخبرة.

عندما يُهان التعليم، ويُقمع الرأي، ويُسجن العلماء، ويُذل الطبيب، وتُرفع قيمة القوة العمياء فوق العقل، تتحول الدولة إلى خصم لمجتمعها، وتصبح السلطة أداة لهدم الحضارة لا لبنائها.

إن ما حدث في سوريا يبرهن بوضوح على تحذير مالك بن نبي:
إذلال الطبيب، واحتقار المعلم، وتهميش العالم، وسجن أصحاب الرأي، وتمكين التافهين… هو الطريق الأقصر لسقوط الأمم.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

حين يغيب الميزان ويحضر المزاج: من خراب نصف قرن إلى أمل عام 2026

حين يغيب الميزان ويحضر المزاج: من خراب نصف قرن إلى أمل عام 2026
الثقافة والأدب

الله – الأنا – الآخر: ترتيب الأولويات ومسار الحرية الداخلية

الله – الأنا – الآخر: ترتيب الأولويات ومسار الحرية الداخلية
الثقافة والأدب

دع الأيام تفعل ما تشاء.. وطِب نفسًا إذا حكم القضاء

دع الأيام تفعل ما تشاء.. وطِب نفسًا إذا حكم القضاء


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...