هل يمكن تعليم الإحساس؟ .. الفن والغناء في مواجهة مقولة فولتير..!! أسامة حجاج
هل يمكن تعليم الإحساس؟ ..
الفن والغناء في مواجهة مقولة فولتير..!!
أسامة حجاج*
يقول فولتير: “تستطيع أن تعلّم البشر كل شيء ما عدا الإحساس”.
تبدو العبارة للوهلة الأولى بديهية. فالمعرفة يمكن نقلها من عقل إلى عقل، والمهارات يمكن اكتسابها بالممارسة والتدريب، أما الإحساس فيبدو شيئاً شخصياً لا يمكن لأحد أن يمنحه لآخر. نستطيع أن نشرح معنى الحزن، لكننا لا نستطيع أن نجعل شخصاً يشعر به كما شعرنا. ونستطيع أن نصف الحب أو الشوق أو الخوف، لكن الوصف يظل مختلفاً عن التجربة ذاتها.لهذا يبدو الإحساس وكأنه آخر منطقة عصية على التعليم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان الإحساس لا يُعلَّم، فلماذا وُجد الفن؟
منذ آلاف السنين لم يكن الفن مجرد وسيلة للترفيه، بل كان إحدى أهم وسائل البشر لتبادل خبراتهم الوجدانية. فالكلمات العادية تنقل المعنى، بينما ينقل الفن الحالة الإنسانية الكامنة خلف المعنى. هناك فرق بين أن يخبرك أحدهم أنه حزين، وبين أن تقرأ قصيدة أو تسمع أغنية تجعلك تلامس ذلك الحزن من الداخل. هنا تبدأ حدود مقولة فولتير بالاهتزاز.
صحيح أن الفن لا يزرع المشاعر في النفوس كما تُزرع المعلومات في العقول، لكنه يملك قدرة فريدة على توسيع المجال العاطفي للإنسان. فالإنسان لا يولد وهو قادر على فهم جميع المشاعر الإنسانية، بل يتعلم كثيراً منها عبر الاحتكاك بالآخرين وعبر ما يختبره من فنون وآداب وسرديات وتجارب.
عندما يقرأ الإنسان رواية عظيمة، فإنه يعيش حياة أخرى غير حياته. وعندما يشاهد عملاً درامياً عميقاً، فإنه يرى العالم من زاوية شخص آخر. وعندما يستمع إلى أغنية صادقة، فإنه يشارك وجدان إنسان لم يلتقِ به يوماً. أليست هذه صورة من صور تعليم الإحساس؟
لعل المشكلة تكمن في معنى كلمة “تعليم”. فإذا كان المقصود بالتعليم هو التلقين المباشر، فإن فولتير محق. أما إذا كان المقصود هو توسيع قدرة الإنسان على الفهم الوجداني والتعاطف والشعور، فإن الفن يقوم بهذا الدور يومياً. ويأتي الغناء في مقدمة الفنون القادرة على ذلك. فالقصيدة تصل إلى العقل والوجدان عبر اللغة، أما الأغنية فتضيف إلى اللغة قوة اللحن والصوت والإيقاع. ولهذا تستطيع أغنية واحدة أن تعبر الحدود واللغات والثقافات. قد لا يفهم المستمع كلمات الأغنية كاملة، لكنه يشعر بما تحمله من فرح أو حزن أو حنين. وكأن الموسيقى تخاطب طبقة أعمق من الإدراك تسبق التفسير العقلي نفسه. ولعل أخطر ما يفعله الغناء أنه لا ينقل المشاعر الفردية فقط، بل يصنع شعوراً جمعياً أيضاً. فالأغاني الوطنية، وأغاني المقاومة، وأغاني الحب الكبرى، لم تكن مجرد أعمال فنية، بل كانت وسائل لتشكيل الوجدان العام لمجتمعات بأكملها. لقد ساهمت في صياغة أحلام الناس ومخاوفهم وذاكرتهم المشتركة. ومن هنا لا يصبح الفن مجرد ناقل للإحساس، بل شريكاً في صناعته. فالطفل الذي يكبر محاطاً بالفن الراقي لا يكتسب معلومات إضافية فقط، بل يكتسب حساسية أكبر تجاه الجمال والألم والآخرين. ويتعلم كيف يقرأ الانفعالات الإنسانية ويفهمها ويتعاطف معها. وهذا شكل من أشكال التربية الوجدانية التي تعجز المناهج التقليدية غالباً عن تحقيقها. لذلك ربما تحتاج مقولة فولتير إلى إعادة صياغة.
فالإحساس لا يُعلَّم كما تُعلَّم الرياضيات أو قواعد اللغة، لكنه يُنمّى ويُوقظ ويُصقل. والفن وفي مقدمته الغناء هو أحد أهم الوسائل التي تجعل ذلك ممكناً.
لعل الأدق أن نقول: يمكنك أن تعلّم الإنسان كثيراً من الأشياء، لكن الإحساس لا ينتقل بالتلقين، بل بالفن والتجربة والحياة.
*فنان وباحث مصري في الثقافة البصرية والسمعية.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
محمد أحمد الطاهر: الأدب العربي يسير على ساق واحدة... والذكاء الاصطناعي لا يصنع مبدعاً!
إذا حارب الرجلُ العالم فراهنوا على العالم. "فرانزكافكا"..!! بلال محمد عيد الكسواني
شعرية العجائبي وتمثلات الذاكرة والهوية في رواية " سِفر الدم" للكاتبة هبة رزق مقاربة سردية دلالية..!! سعيد محتال
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...