"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

سمية الإسماعيل

 

  "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،  

 

سمية الإسماعيل*

 

قراءة فلسفية ونفسية اعتمادًا على البنية الرمزية واللغوية بالتقاطع مع مفاهيم من الفلسفة الوجودية، وعلم النفس التحليلي

 

 “أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئًا”

مقدمة:

قبل الانغماس في القصّة و تحليلها و تأويل صورها، أعرج على  الأدب السوري المعاصر وصراع الذاكرة؛ فالكثير من الكتّاب السوريين، أذكر على سبيل المثال لا الحصر  "خالد خليفة" في "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" أو سمر يزبك في " الصلصال" يستخدمون الانزياح الواقعي-الخيالي لقول ما لا يُمكن قوله مباشرةً بسبب الرقابة.
هنا، الكاتبة تختار الخبز — وهو سلعة خاضعة لسيطرة النظام — كناقل للرسائل السرية، وكأنها تقول: حتى أدوات القمع قد تتحول إلى وسائل مقاومة. ما يُميّز هذا النصّ عن غيره إذًا هو أن الخبز كـ"بطل" نادرًا ما يُستخدم بهذه القوة الرمزية في الأدب

 

في قصتها “أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئًا”، تقدّم الكاتبة روعة سنبل نصًا مركّبًا ينفتح على تأويلات وجودية ونفسية عميقة، يتقاطع فيها اليوميّ مع الميتافيزيقي، والرمزيّ مع الواقعي، ويصبح الجنون بوابة للحقيقة، والصمت شكلًا من أشكال الصراخ المكبوت.

 

القصة تقوم على تتبّع بطلة تواجه اضطرابًا نفسيًا تدّعي العائلة والمحيط أنّه “اكتئاب مزمن”، فيما هي تراه وعيًا لحقيقة غير مرئية للآخرين. يتمظهر هذا التوتر بين الواقع واللاواقع من خلال وسيط مفاجئ وغير مألوف: رغيف الخبز، الذي يتحوّل إلى شاشة رمزية تُكتب عليها رسائل، إشارات، رموز، وأسماء. تقول البطلة: “استطعتُ أن أميّز اسمي، كانت الأحرفُ مضطربة، وكأنّ أصابع مرتجفةً متعجّلةً قد كتبتْها…”. هذا التداخل بين الماديّ (الخبز) والميتافيزيقيّ (الرسائل) يجعلنا أمام اشتغال على فكرة اللاوعي الجمعي عند يونغ، حيث تُعاد كتابة المكبوتات الجمعية عبر الرموز، لا اللغة المباشرة، فهي تراها:

 

"كنداءاتِ استغاثةٍ، أراها في كلّ شيء حولي، تسكن صرخاتُها رأسي، وحين أنام تحتلّ كوابيسي"

 

لكن إعراض المجتمع، متمثلًا بالطبيب النفسي، الأم، الزوج، يجعلها تفضّل الصمت عندما لا تجد لصوتها صدىً أو معنى.. فنراها تكرر عباراتها :فاخترت الصمت/ وأكتفي بالصمت/ واختبأتُ خلف صمتي.

 

الجنون كوعي مضاد للعقل الاجتماعي

في بعده النفسي، يقف النص في معارضة تأويلية للخطاب الطبي والديني الذي يتّهم البطلة بالمرض أو المسّ أو الخلل العقلي. فكل من الطبيب، الزوج، الأم، والشيخ، يفرضون عليها علاجات تنطلق من فرضية أنّ ما تعيشه وهم، بينما تتكرّر عبارتها المفتاحية بإلحاح: “أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئًا”، وكأنها تصرّ على امتلاكها لنوع من الإدراك المغيّب عن الآخرين.

 

"ليست هلاوس، أحدُهم يحاولُ أن يخبرَنا شيئاً"

"لستُ ممسوسةً بجنّ، أحدُهم يحاولُ أن يخبرَنا شيئاً"

هنا يتقاطع النص مع الطرح الفوكوي حول الجنون في كتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، حيث يرى فوكو أن المجتمعات تحدّد “الجنون” كوسيلة لإقصاء الأصوات غير المنسجمة مع المعايير السائدة. البطلة ليست مريضة، بل شاهدة، لكن مجتمعها لا يملك أدوات الإنصات لصوتها، فيتم إسكاتها بالدواء أو الرقية، و يطلبون منها ما لا تملك:

"يجب أن تساعدي نفسَكِ" قال زوجي

"يجب أن تساعدي نفسَكِ" قالت أمّي

 

الرغيف والفرن: دلالات رمزية أنثروبولوجية

يأخذ الخبز – بوصفه عنصرًا يوميًا وغذائيًا – بعدًا وجوديًا في النص، ويتحوّل إلى وعاء لتجسيد “الرسائل المشفّرة”. الرغيف يحمل اسمها، ثم قلوبًا محترقة، ثم رموزًا مرعبة: “رؤوسٌ مقطوعة لها عيونٌ متّسعة بذعر، تلالٌ من الرّماد، مقصّاتٌ وسكاكين، وجوهُ جلّادين، شاهداتُ قبور…”. هذه الإشارات ليست فقط استعارات لهلوسة، بل يمكن قراءتها بوصفها مُستودعًا رمزيًا لذاكرة جمعية مغيّبة، تمثّل ما سماه كارل يونغ بـ”الظل” – أي ما يتم كبته في لاوعي الجماعة، ويعود ليظهر في صور مفزعة، على هيئة رموز لا تُفهم إلا من قبل الحساسين لها، كالبطلة.

أما الفرن، الذي تمثّل دخوله انتحارًا ظاهريًا، فهو في العمق رحم رمزي أو بوابة لإعادة الميلاد عبر الاحتراق. النار في التراثات الصوفية والدينية (من إبراهيم حتى زرادشت) غالبًا ما تكون تطهيرًا، والبطلة حين “تُقذف في اللهب”، تقول: “أغمضتُ عينيّ بارتياح، واستسلمتُ ككتلةٍ رخوةٍ من عجين”.
إنها لا تهرب من الألم، بل تدخل قلبه لتفهم. ما بدا جنونًا في البداية، يتحوّل إلى رحلة وجودية في صميم الذاكرة والكينونة، وهي لحظة تقاطع مع الوجودية الكافكاوية حيث يتجسّد العذاب في الواقع بأشدّ صوره سخرية وقسوة، دون وجود معنى واضح، سوى أن نحاول أن “نفهم”، أن “نصرخ”، حتى لو “لا صوت لنا.”

 

الروح بعد الموت: شهادة الغائب الحاضر

ذروة النص تتجلى في نهاية البطلة، حين تكشف: “جسدي المتفحّمُ مسجّى منذ زمنٍ تحت التّراب، أمّا روحي فما تزال مضطربة…”.
هذا الكشف يعيد تأويل القصة من البداية: لقد كانت البطلة تحاول فهم ما حدث لها، بوصفها ضحية، ميتة تحاول تذكّر لحظة موتها، أو فهم سببها.
الروح العالقة في الفرن رمز للوعي المقموع، أو الحقيقة التي لم تجد من يصدقها. وتحاول بكل الوسائل أن توصل رسالتها: “أخمشُ عجينَكم بأظافري، أخربِشُ على أرغفتكم، أحاولُ أن أخبرَكم بكلّ ما أعرفه…”.
إن هذا التخديش، هو بمثابة كتابة بدائية، جرح في النصّ اليومي، علامة في صمت العيش الرتيب، وهو أمل أخير في أن يلتقط أحدهم الرسالة.

 

مأساة الحقيقة في مجتمع يرفض الإنصات

فالزوج، الأم، الطبيب، الشيخ، كلهم يمثّلون آليات المجتمع لإسكات المختلف. كلهم يحبّونها على طريقتهم، لكنهم يُنكرون حقيقتها. المأساة لا تكمن في المرض، بل في أن صوت الحقيقة – حين يأتي من امرأة، ومن داخل الألم – يُعامل بوصفه جنونًا. وهذا يذكّرنا بأطروحات سيمون دي بوفوار في الجنس الآخر حين تؤكد أن المجتمع الذكوري يُقصي المرأة حين تتكلّم بلغة ذاتها، ويفضّل أن يصنّفها “مضطربة” بدل أن يصغي لها.

 

“أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئًا” لم تُسرد عبثًا ، أو تسليةً لتحكي مشهدًا عن الجنون أو الموت، إنها أعمق من ذلك، إنها احتجاجٌ ضدّ التطبيع مع العنف عبر تحويل الصدمة إلى هلاوس فردية. فالكاتبة ترفض الفصل بين "المرض النفسي" و"المرض الاجتماعي"، وتكشف لنا كيف تُختزل معاناة الضحايا في وصفات طبية أو أدعية بدل مواجهة النظام القمعي الذي يعقد الألسن، يراقب الحركات
والهمسات، و يقمع كل فكر.

إنها حكاية رمزية عن الصمت الجمعي، عن التاريخ المنقوش على الخبز، وعن الأرواح التي لا تهدأ إلا إذا أُصغِي إليها. إنها قصة امرأة، لكنها في جوهرها صوتٌ غائب لجماعات مسحوقة، مقموعة، تُرغَم على الصمت باسم العلاج، وباسم الدين، وباسم الحنان الزائف. و الخبز هنا ليس فقط طعامًا، بل هو أرشيف الذاكرة المحترقة، والنار ليست نهاية، بل بداية الإدراك، بينما الجسد المتفحّم رمزٌ لكل الذين لم يُسمَع لهم صوت، فحاولوا أن “يخربشوا” على جدران الحياة اليومية، أن يتركوا أثرًا ما، أن يُخبرونا بشيء.

إنها قصة الرسائل المهملة، التي تصلنا على هيئة “قلب مشوّه”، أو “رأس مذعور”، أو “فراشة مقصوصة الجناحين”، ونحن نراها ثم نواصل مضغ الحياة، غير منتبهين. في عالمٍ كهذا، لا غرابة أن تتحوّل الأرغفة إلى لغة، والجنون إلى شهادة، والصمت إلى أبلغ أنواع الكلام. ولعل النهاية تُلقي بالمسؤولية على القارئ نفسه:

هل تراكَ فهمتَ الآن الرسائل؟ وهل ستسمح لها أن تمرّ صامتة كما مرّت على الآخرين؟

 

بهذا، تكتمل مأساة البطلة، لكن لا تكتمل القصة… لأن أحدهم ما يزال يحاول أن يخبرنا شيئًا.

 

النص:

 

أحدُهم يحاولُ أن يخبرَنا شيئاً

 

رسائلُ سريّة مشفّرة ظلّت تصلني لشهور، لم أكن أستلمها في مغلّفاتٍ معطّرة أجدُها تحت سجّادة عتبة بيتي، فألتقطها خفيةً لأقرأها وحدي، ولم تكن رسائل (واتس أب) تصلني بنغمةِ إشعارٍ يرتجفُ لها قلبي لهفةً. ظلّت الرّسائل تصل، لكنْ بطريقةٍ مختلفةٍ تماماً، فزوجي هو الذي كان يحملها إلى البيت بنفسه، كلّ ثلاثة أيّام، دون أن يدري.

اكتشفتُ أوّل رسالة مصادفةً، أحضر زوجي يومَها حصّتنا الحكوميّة نصفَ الأسبوعيّة من الخبز، أخرجتُ الأرغفة السّاخنة من الكيس الرّقيق، ووزّعتها على الطّاولة كي لا تلتصق ببعضها، وريثما تبرد شربْنا القهوة معاً دون أن نتبادل كلمة، فعَينا زوجي كانتا معلّقتين بشاشة هاتفه، يتابع كالعادة نشرة الأخبار الصباحيّة عبر سمّاعتين محشورتين في أذنَيه، بينما أكتفي بمتابعةِ تعابيرِ وجهه، فأنا ممنوعةٌ منذ عامين عن النّشرات والتّقارير الإخبارية، في محاولةٍ لانتشالي ممّا أسماه الطّبيبُ اكتئاباً مزمناً.

خرج زوجي إلى عمله، وعدتُ أنا إلى المطبخ، رحتُ أفتح كلَّ رغيفٍ إلى فلقتَين، كما أفعل دوماً، فلقةٌ هي الوجه الأكثر بياضاً، الذي يصلحُ لأحضّر منه (ساندويتشات) لأطفالي، والأخرى هي وجهٌ أسمك قليلاً، مشقّق غالباً، وتبدو عليه دوماً آثارٌ بنيّة اللّون داكنة أو باهتة، من تلك الآثار التي تتركها النّار عادة على العجين، كنتُ أهمُّ بوضع الأرغفة في الكيس لأحفظَها في الثّلّاجة، حين لمحتُ على الوجه المشقّق لأحد الأرغفة شيئاً جعلني أجفل، فبين العلامات البُنيّة، المتوزّعة على الرّغيف، استطعتُ أن أميّز اسمي، كانتِ الأحرفُ مضطربة، وكأنّ أصابع مرتجفةً متعجّلةً قد كتبتْها، سحبتُ رغيفاً آخر، ثمّ آخر وآخر، ومع أنّ الاسم لم يكن واضحاً تماماً، لكنّني، وعلى كلّ الأرغفة، استطعت العثور عليه كما يعثر المؤمنون على كلمة "الله" في سماءٍ غائمة، أو داخل ثمرة رمّان.

حين كنا نتناول غداءنا، كدتُ، أكثر من مرّة، أن أخبرُ زوجي بما رأيتُه، لكنّني أقنعتُ نفسي أنّ الأمر كلّه مجرّد مصادفةٍ غريبة، فاخترتُ الصّمت، واكتفيتُ بمراقبتِه هو وأطفالي، يقسمون أرغفةَ الخبزِ ويلتهمونها بشهيّة.

انتظرتُ بفارغِ الصّبرِ، ثلاثةَ أيّام، موعدَ حصولِنا على حصّتنا التّالية من الخبز، لم أعثر على اسمي هذه المرّة، لكنّني، على الأرغفة كلّها، رأيتُ قلوباً صغيرة بُنيّة اللّون، وحين كنتُ وأمّي نشرب القهوة في شرفتي أعطيتُها رغيفاً، وطلبت منها أن تتفحّصه، عرفتُ من ملامِحها الحياديّة أنّها لم تميّز شيئاً، "قلوبٌ مشوّهة محترقة" قلتُ بخوفٍ وأنا أشير بأصابع مرتجفة إلى الأشكال البُنيّة المنقوشة على الرّغيف، وحين بدا لي أنّ أمّي استطاعت تمييزَها، اقتربتُ منها وهمستُ بحذر: " أعتقد أنّها رسائل مشفّرة، أحدُهم يحاولُ أن يخبرَنا شيئاً"، تجهّم وجهُ أمّي، وحين كانت تودّعني لتذهبَ إلى بيتها احتضنتْني، وبلطفٍ سألتْني إن كنتُ أتناول أدويتي بانتظام، السّؤالُ نفسُه همسَه زوجي بقلقٍ في الأسبوع التّالي، حين كنتُ أتحسّس عنقي بخوف، وأشير إلى مشانق تتأرجح في أربعة عشر رغيفاً من الخبز وزّعتُها على الطّاولة صباحاً.

تعاقبتِ الأيّامُ والأرغفة، وبنظرةٍ واحدة صرتُ، حين أحملُ أيّ رغيف، أستطيع قراءة الإشاراتِ والرّموز كما تقرأ عرّافة خطوط الكف، ثمّ أنسخ الرّسائل المشفّرة على دفتر صغير، وأكتفي بالصّمت.

رؤوسٌ مقطوعة لها عيونٌ متّسعة بذعر، تلالٌ من الرّماد، مقصّاتٌ وسكاكين، وجوهُ جلّادين، شاهداتُ قبورٍ وفزّاعاتُ عصافير، شموسٌ مُطفأة، عناكبُ سوداء بسيقانٍ مُشعرة، وفراشاتٌ بأجنحةٍ مقصوصة، ملأتْ هذه الرّموز وغيرُها أرغفتي ودفتري، بدتْ كنداءاتِ استغاثةٍ، أراها في كلّ شيء حولي، تسكن صرخاتُها رأسي، وحين أنام تحتلّ كوابيسي، أهملتُ نفسي وزوجي وأطفالي، عافت نفسي الطّعامَ والحياة، اضطربتْ ذاكرتي، واختبأتُ خلف صمتي.

"ليست هلاوس، أحدُهم يحاولُ أن يخبرَنا شيئاً" قلتُ، فكتب الطّبيب لي قائمةً من المنوّمات والمهدّئات، طلب من زوجي إحضارَها.

"لستُ ممسوسةً بجنّ، أحدُهم يحاولُ أن يخبرَنا شيئاً" قلتُ، فأشعل الشّيخ البخور، وتلا آياتٍ من القرآن، ثمّ كتبَ أدعيةً وأذكاراً، أمرَ أمّي بتلاوتها فوق رأسي كلّ ليلة.

*

"يجب أن تساعدي نفسَكِ" قال زوجي صباحاً بحنان، ثمّ وضع جانباً لقمةً كان يحاول إقناعي بأكلها، هزّ رأسَه بأسى، وخرج إلى عمله.

"يجب أن تساعدي نفسَكِ" قالت أمّي بتوسّل بعد أن أوصلتْ أطفالي إلى باص المدرسة، ثمّ أعطتني أدويتي وأعادتني إلى فراشي.

لا أدري كم مضى من الوقت، لكنّني كنتُ نصفَ نائمةٍ حين قرّرتُ أن أستمعَ لنصيحتِهما وأساعدَ نفسي، غادرتُ فراشي بصعوبة، غافلتُ أمّي الواقفة في المطبخ، وخرجتُ من البيتِ بثوب نوم، وشعرٍ منكوش، وقدمين حافيتين، ركضتُ بوهنٍ نحو الطّرف الآخر من الحي، تجاهلتُ كلّ الذين ضحكوا، وكلّ الذين خافوا، وكلّ الذين قالوا عنّي مجنونة، وصلتُ الفرن، تجاوزتُ المتجمّعين أمام نافذةِ البيع، اتّجهتُ نحو الباب الخلفيِّ ودخلت.

 "أين هو؟" صرختُ بجنون وأنا أتلفّتُ حولي، بدهشةٍ حملقَ بي عاملان ملطّخان بالطّحين، ملأتْ رائحةُ الخميرة أنفي، وناداني وهجُ النّار، لفح وجهي وأطرافي، فَسَرتِ القوّةُ في جسدي، تخلّصتُ من الأذرع التي تشبّثتْ بي، وقذفتُ نفسي في اللّهب، أغمضتُ عينيّ بارتياح، واستسلمتُ ككتلةٍ رخوةٍ من عجين.

جسدي المتفحّمُ مسجّى منذ زمنٍ تحت التّراب، أمّا روحي فما تزال مضطربة، تتخبّط هنا في الفرن، داخل بيت النّار، الآن فقط عرفت كل شيء وتذكّرتُ كلّ شيء، الآن فقط صرتُ شجاعةً بما يكفي، أريدُ أن أحكي، أن أصرخ، لكنْ لا صوت لي.

 أخمشُ عجينَكم بأظافري، أخربِشُ على أرغفتكم، أحاولُ أن أخبرَكم بكلّ ما أعرفه، أحاول، أحاول.

 

*كاتبة سورية/ حمص.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

سوريا… ذاكرة الحضارة ومستقبل النهضة! د. تمام كيلاني

سوريا… ذاكرة الحضارة ومستقبل النهضة! د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

زمن الانفلات: الحياة المنفلِتة التي نعيشها ومستقبل البشرية! د. تمام كيلاني

زمن الانفلات: الحياة المنفلِتة التي نعيشها ومستقبل البشرية! د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

سقوط بلا ضجيج: كيف تدمّر الأخلاق المنهارة عقل المجتمع! د. تمام كيلاني

سقوط بلا ضجيج: كيف تدمّر الأخلاق المنهارة عقل المجتمع! د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

في 21 آذار… قم بنا يا صاحِ، حيِّ الربيع حديقة الأرواح! د. تمام كيلاني

في 21 آذار… قم بنا يا صاحِ، حيِّ الربيع حديقة الأرواح! د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

كما في السيرك لعب على حبال الواقع والخيال!! محمد رستم

كما في السيرك لعب على حبال الواقع والخيال!! محمد رستم


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...