سعيد رضواني:رمزية العنوان في "أبراج من ورق"
سعيد رضواني:رمزية العنوان في "أبراج من ورق"
اعداد : منير الدايري
في عالم الأدب العربي المعاصر، يبرز اسم سعيد رضواني ككاتب مغربي استثنائي، يمتلك قدرة فريدة على استفزاز القارئ ودفعه نحو التأمل العميق في الدلالات الرمزية والفلسفية لأعماله. روايته الأولى "أبراج من ورق"، التي حازت على جائزة أسماء الصديق الإماراتية للرواية الأولى في عام 2023، ليست مجرد عمل سردي جديد يضاف إلى مسيرته بعد مجموعتيه القصصيتين "مرايا" و"قلعة المتاهات"، بل هي تأكيد على مسار إبداعي متميز يعتمد على التلاعب بالمتناقضات لخلق رؤية متكاملة تتجاوز حدود الواقع الملموس إلى عوالم التخييل والفلسفة.
العنوان: مدخل إلى متاهة الدلالات
عنوان "أبراج من ورق" بحد ذاته يشكل لغزًا يستدرج القارئ إلى فضاء تأملي، حيث يجمع بين عنصرين متناقضين ظاهريًا: "الأبراج" و"الورق". الأبراج، في دلالتها التقليدية، ترمز إلى القوة، الصلابة، والصمود؛ فهي بنى شاهقة تتحدى الزمن والطبيعة، وغالبًا ما تُستخدم كرمز للمقاومة أو الهيمنة. في المقابل، يحمل "الورق" دلالات الخفة، الهشاشة، والقابلية للتمزق أو الطي، بل وحتى الاحتراق بسهولة. هذا الجمع بين المتضادين لا يقتصر على كونه تناقضًا سطحيًا، بل يفتح الباب أمام قراءة رمزية تتجاوز المعنى الحرفي إلى أفق فلسفي وسردي أعمق.
في سياق السرد "الرضواني"، يبدو أن هذا التناقض ليس هدفه إلغاء أحد العنصرين لصالح الآخر، بل خلق تكامل بينهما. الأبراج، رغم قوتها الظاهرية، تصبح في حضور الورق رمزًا لوهم القوة أو زيف الاستمرارية، بينما يتحول الورق من مجرد مادة هشة إلى أداة للتعبير والخلق، كما لو أن اللغة نفسها – التي تُكتب على الورق – هي من تبني هذه الأبراج أو تهدمها. هذا التداخل يعكس رؤية سعيد رضواني التي تتجاوز الثنائيات التقليدية (قوة/ضعف، واقع/خيال) لتصنع وحدة جديدة تتحقق في فعل السرد ذاته.
المتناقضات في مسار رضواني السردي
من خلال أعماله السابقة، مثل "مرايا" و"قلعة المتاهات"، أثبت رضواني أن المتناقضات ليست مجرد أدوات أسلوبية، بل جوهر رؤيته الإبداعية. نجد في قصصه ثنائيات مثل "الحياة/الموت"، "الحبر/الرصاص"، "المسدس/القلم"، و"الأب/الابن"، حيث لا يسعى إلى تأكيد التناقض بقدر ما يعمل على تماهي هذه العناصر لخلق دلالة متجددة. في "أبراج من ورق"، يصل هذا النهج إلى ذروته، حيث يصبح العنوان نفسه تجسيدًا لهذا التفاعل بين المتضادات. الأبراج التي تبدو صلبة تصبح، بفعل الورق، قابلة للانهيار، لكنها في الوقت ذاته تكتسب بعداً تخييلياً يتيح لها التعالي على الواقع المادي.
هذا الاستخدام للمتناقضات يضع القارئ أمام تحدٍ تأملي: هل "أبراج من ورق" تشير إلى بناء وهمي سرعان ما ينهار، أم إلى قوة خفية تكمن في الهشاشة نفسها؟ الإجابة، كما يبدو من مسار رضواني، لا تكمن في اختيار أحد الطرفين، بل في التفاعل بينهما. فالورق، بوصفه رمزًا للغة والكتابة، يصبح أداة لبناء عوالم جديدة، بينما تتحول الأبراج من مجرد هياكل مادية إلى رموز للأفكار والمخيلة.
تحليل متداول عبر الإنترنت
عند النظر إلى ما تم تداوله على الإنترنت حول "أبراج من ورق"، نجد أن النقاد والقراء أشاروا إلى أن الرواية تقوم على لغز لغوي وسردي معقد. فقد وصفها البعض بأنها تبدو في ظاهرها رواية بوليسية – حيث يُعرف القاتل منذ البداية – لكنها تتجاوز ذلك إلى استكشاف اللغة كأداة للكشف عن الحقيقة والاتهام. هذا التركيز على اللغة يتماشى مع رمزية العنوان، حيث يصبح الورق (اللغة المكتوبة) هو المادة التي تُبنى عليها الأبراج، سواء كانت أبراج القوة أو أبراج الوهم.
كما لاحظ بعض المعلقين أن الرواية تعكس انشغال رضواني بالهوية والوعي القومي، حيث يتم تحويل اللغة إلى أسطورة تحمل في طياتها دلالات وجودية. هذا الجانب يعزز فكرة أن "أبراج من ورق" ليست مجرد عنوان استفزازي، بل دعوة للتفكير في كيفية بناء الهوية والواقع عبر اللغة، وكيف يمكن لهذه البنى أن تكون قوية وهشة في آن واحد.
السرد الفلسفي: منطق التأمل
ما يميز "أبراج من ورق"، بناءً على العنوان ومسار رضواني الإبداعي، هو تحول السرد إلى فعل فلسفي. العنوان لا يقدم إجابة جاهزة، بل يطرح سؤالاً مفتوحاً: كيف يمكن للورق أن يشكل أبراجاً؟ هذا السؤال يدفع القارئ إلى قراءة تأملية، تتجاوز السطح إلى ما وراء المقروء، ليس بمعنى غيبي، بل بمنطق التآلف والتأليف بين المعطيات السردية. إنه منطق يعتمد على العقل الفلسفي الذي يرفض المعطى الجاهز ويسعى إلى إعادة تركيب الواقع عبر المخيلة.
في هذا السياق، يمكن القول إن رضواني يتحدى النمطية في الكتابة السردية العربية، منتقلًا من الوصف التقليدي إلى خلق أنماط مغايرة تعتمد على التأمل وإطالة النظر. "أبراج من ورق"، إذن، ليست مجرد رواية، بل تجربة فكرية وجمالية تؤكد أن القوة الحقيقية للأدب تكمن في قدرته على بناء عوالم من مواد تبدو هشة، لكنها تحمل في طياتها إمكانيات لا نهائية.
خاتمة
"أبراج من ورق" لسعيد رضواني ليست مجرد عنوان عابر، بل مدخل إلى عالم سردي غني بالرمزية والفلسفة. من خلال جمع المتناقضات – القوة والهشاشة، الواقع والخيال – ينجح رضواني في خلق رؤية متكاملة تتحدى القارئ وتدفعه إلى التفكير خارج الأطر التقليدية. الرواية، التي حظيت بتقدير جائزة أسماء الصديق في 2023، تؤكد مكانة رضواني كأحد الأصوات الأكثر تميزًا في الأدب العربي المعاصر، وتعد بمزيد من التألق في مسيرته الإبداعية. ففي نهاية المطاف، تبقى هذه الأبراج الورقية شاهدة على قوة اللغة والمخيلة في تشكيل واقع جديد، حتى وإن كان مبنيًا على أسس تبدو للوهلة الأولى قابلة للانهيار.
تاريخ النشر ::4/4/2025 1:57:13 PM
أرشيف القسم