البطل والكاتب معا تآمروا على نص "المجهول على متن الرحلة 111"!! طلال مرتضى

البطل والكاتب معا تآمروا على نص
غلاف

 

البطل والكاتب معا تآمروا على نص "المجهول على متن الرحلة 111"!!

طلال مرتضى*

 

         منذ العنوان العالي للرواية "المجهول على متن الرحلة الطائرة 111" الذي اختاره الكاتب النمساوي وولفجانج مارتن روث كعتبة أولى لها، ذهب نحو الإفصاح عما تكتنفه صفحات مرويته، لكون قصة رحلة الطائرة 111 حدثا عالميا جللا وله في الذاكرة الجمعية العالمية حيز كبير من الألم والحزن.

       يدعي كثيرون مما يرتكبون وزر النقد بأن الكتاب الذين يفضحون حكاياتهم من خلال ربطها تعريفيا بالعنوان الأول، هم مغامرون بالدرجة الأولى ولسبب في كثير من الأحيان اجده وجيها، لان قارئ اليوم لجوج وملول، فحين يعرف مكنونات الكتاب من عنوانه، قد يعرض عن القراءة وبالخصوص فيما يتعلق الأمر بالأحداث التي أخذت صدى كبيرا في وسائل الإعلام كما الرحلة 111.

         وكما ذكرت، قد يتبدى هذا كمغامرة من الكاتب، لكنني في زاوية أخرى اعرض عن هذه القناعة لمعرفتي بأن الرواية لا تقوم فقط على القصة "الحدث" بل يمكن تحميلها على عامل اللغة ايضا والتكنك الذي يعتمده الكاتب بتقديمها.

          في حكاية "المجهول على متن الرحلة 111" التي اقلعت من أمريكا متجهة نحو جنيف والتي سقطت في المحيط قبالة احدى البلدات الكندية الوادعة، حيث فقدت كل راكبيها الـ "215" باستثناء راكب وحيد، تراجع عن صعودها من عند بوابة الاقلاع، لأنه وببساطة نسي ان يشتري لزوجته الألمانية مجلتها المفضلة والذي وجد متسع من عدة دقائق تمكنه من هذا ثم يعود ليجد ان طائرته قد أقلعت.

        في هذه العجالة، ثمة سؤال علق في رأسي مذ عرفت تفاصيل وحكاية الرجل، هل كان أمر تراجعه عن دخول الطائرة حظا ام امراً قدريا؟

         حاولت وضع خطوط عريضة تحت الأجوبة التي قدمتها لي كي أقنعني ولكنني لم ازل على غير يقين.

         يتلمس القارئ وعن كثب، بأن النص المكتوب له الكثير من مفاتن الكتابة وعليه أيضا الكثير من هفواتها المقصودة والغير مقصودة، على سبيل المقال، اشتغل الكاتب بدأب ليوصل قارئه إلى خط النهاية، ولأن أحداث روايته وقعت بغير بقعة مكانية، أمريكا، كندا، سويسرا، ألمانيا، نهج تيكنك التواتر الكتابي، فما أن ينتهي بفصل ما من أمريكا حتى يبدأ بالتالي من سويسرا أو ألمانيا والخ..

       تلك النقلات المكانية المتباعدة، طبيعي أن تؤثر على عامل الزمن الروائي، وهو ما يربك القارئ الذي يبحث عن التوازن بين عمليتي الزمكان، إضافة لذلك، أشي بأن من يتتبع تلك الفصول المتواتر سيصادف الكثير من الفواصل والقطوعات بين فصل وآخر، تلك الفعالية مرتبطة بنوايا الكاتب، فلربما لديه النية أن يقوم بتحميل روايته على الفني، أي يمكن أن تستحيل فيلما، فالنص مؤهل تماما لهذا، والقارئ العارف يمكنه تحديد كل مشهد من تلك المشاهد.

        على الرغم من فعالية السرد الشائقة ومرونة اللغة السهلة الممتنعة والتي تشي بمقدرة كبيرة للكاتب ومعرفته المسبقة إلى أين هو ذاهب في مرويته، إلا ان هناك  تبريرات غير واضحة في سير الحدث، حلقة موارية لم تفسر في النص، وهي قصة الناجي الوحيد من حادثة الرحلة 111، فبعد أن فاتته الرحلة أشغله الكاتب بعدة تفاصيل إلى ان تناهى إلى مسامعه خبر سقوط الطائرة، بعد هذا لم يتصل بأهله أو الجهات المعنية، فقد ترك لنفسه العنان لينطلق نحو شوارع خطرة ويتعرض لعصابة لصوص، حيث أخذوا هاتفه وما يحمله من نقود وضربوه ضربا مبرحا، ليجد نفسه بعد هذا بكنف رجل متشرد يبيت في الزوايا المظلمة والحدائق، لم يبرر الكاتب بأن بطله تعرض لصدمة بسبب سقوط الطائرة أو نجاته من الموت أو فقد ذاكرته حينما تعرض للضرب، فقد ذهب إلى عالم غير عالمه، فهو لم يفقد ذاكرته، لانه كان يتحدث عن ذكرياته في الجامعة وكذلك عما قرأ من كتب ويحفظ تماما حكاياتها، حتى أنه قرر الذهاب للعيش في بلدة كاتبه المحبب، حيث استقر هناك وارتبط مع امرأة أخرى ولم يذكر لأحد أو يتحدث مع أحد عن ماضيه..

        كان يمكن أن يتم التنويه ولو بجملة واحدة، بأنه أصيب بصدمة انسته شخصيته، ولكن وإن فعل سوف تضيع الرواية تماما لأنها أصلا مبنية على ذكريات "منولوجات" الرجل وتجاربه. الرواية قابلة للقراءة بغض النظر عما أوردته أعلاه وكما أسلفت بأن لغتها سهلة وممتنعة.

       ما يحسب للكاتب هو أنني كنت متيقن تماما عما سينهي به الكاتب روايته من باب معرفتي المسبقة بما حدث لتلك الطائرة والتي خلتها ستكون نهاية كلاسيكية أو مفتوحة كما المعتاد، لكن صدمتي كانت بالفعل فادحة حين وجدتني وبعد مساجلة قرائية طويلة خارج لعبة الكاتب التي انجلت عن نهاية غرائبية.

      ثمة ملاحظة عالقة في زور حنجرتي، استذكرت بها مقولة، "المترجم خائن"..
من باب ان المترجم هو كاتب بالمطلق، ومن قرأ منجز المترجم الخاص، يتملس تماما بأن اسلوبيته ولغته تكمن تماما في النص المترجم، نص رواية "المجهول على متن الرحلة 111" تكتنفه أنفاس د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة السودانية والمترجمة.

 

*كاتب سوري/ فيينا.

الكاتب وولفغانغ مارتن روث

البطل والكاتب معا تآمروا على نص

د. إشراقة مصطفى حامد كاتبة ومترجمة سودانية

البطل والكاتب معا تآمروا على نص


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

تابعونا


جارٍ التحميل...