الغيرة القاتلة… حين تضيق النفوس باتساع نجاح الآخرين..!! الدكتور وسيم وني
الغيرة القاتلة… حين تضيق النفوس باتساع نجاح الآخرين..!!
د. وسيم وني*
ليس كل من يراقب خطواتك يتمنى لك الوصول وليس كل من يبتسم في وجهك يحمل لك قلباً صافياً فثمة نفوس لا يزعجها أن تفشل بقدر ما يؤلمها أن تنجح ولا تستفزها عثرات الآخرين بقدر ما يستفزها صعودهم فهناك من يرى في نجاحك مرآة تكشف عجزه وفي حضورك تهديداً لمكانته فيقرر أن يحاربك لا لأنه أقوى منك بل لأنه لم يحتمل أن يراك تتقدم.
وفي دروب الحياة لا يكون النجاح دائماً طريقاً مفروشاً بالتصفيق ولا تكون الإنجازات محاطة بالقلوب التي تفرح لأصحابها فكلما اتسعت دائرة حضورك وكبرت شبكة علاقاتك وتراكمت إنجازاتك بدأت تكتشف أن النجاح لا يكشف قدراتك وحدك بل يكشف أيضاً معادن من حولك فهناك من يستلهم من تجربتك ليصنع نجاحه وهناك من يتمنى لك المزيد وهناك من يستهلك وقته في مراقبتك ومحاولة إيقافك.
وكما قال الفيلسوف فريدريك نيتشه: «من يحارب الوحوش عليه أن يحذر من أن يصبح وحشاً» وهي حكمة تضعنا أمام حقيقة مهمة ألا وهي: أن مواجهة الغيرة والحقد لا ينبغي أن تجعلنا نفقد أخلاقنا وقيمنا أو ننحدر إلى المستوى الذي نحاول تجاوزه ، فالغيرة شعور إنساني قد يكون دافعاً للمنافسة والتطور لكنها تصبح خطيرة حين تتحول إلى رغبة في إطفاء نور الآخرين فالإنسان الواثق من قدراته يرى في نجاح غيره حافزاً للتقدم أما من تسيطر عليه مشاعر النقص فيرى نجاح الآخرين تهديداً شخصياً فينشغل بمراقبة خطواتهم بدلاً من إصلاح خطواته وإصلاح ذاته ، وما أكثر الذين لا يزعجهم أن ينجحو بقدر ما يزعجهم أن ينجح غيرهم!!! فهم لا يحتملون أن يحظى شخص بالتقدير أو أن يكون اسمه حاضراً في المحافل أو أن يمتلك علاقات قائمة على المحبة والاحترام فيبدأون بالتقليل من إنجازاته والتشكيك في قدراته والبحث عن ثغرة في مسيرته.
وهنا في مسرحية «عطيل» وصف ويليام شكسبير الغيرة بأنها «الوحش ذو العينين الخضراوين» في تصوير أدبي بليغ لقوة هذا الشعور حين يستولي على الإنسان فالغيرة المريضة لا تحرم صاحبها راحة البال فحسب بل تجعله أسيراً لمقارنة لا تنتهي فهو يعيش نجاح الآخرين وكأنه خسارة شخصية له ، وبالطبع حين يعجز البعض عن منافستك في العمل يلجأون إلى منافستك في السمعة وحين لا يستطيعون مجاراة حضورك يحاولون التقليل من شأنه وحين يفشلون في بلوغ مكانتك بجهدهم يبدأون بالتشكيك في الطريق الذي أوصلك إليها ، تارة بالتقليل من إنجازاتك وتارة بتأويل مواقفك وتارة بنقل الكلام وإشعال الخلافات وأحياناً بمحاولة إبعاد الأشخاص عنك وتشويه صورتك أمام من يقدّرونك إنها معركة غير متكافئة فأنت منشغل بالبناء وهم منشغلون بهدم ما تبنيه.
وفي هذا السياق يقول هنري فورد: «سواء اعتقدت أنك تستطيع أو اعتقدت أنك لا تستطيع فأنت على حق» وفي هذه العبارة إشارة إلى قوة العقلية التي يحملها الإنسان تجاه نفسه فالذي يؤمن بقدرته ينشغل بصناعة الفرص أما الذي يستسلم لعجزه فقد يبحث عن أسباب فشل الآخرين بدلاً من البحث عن أسباب نجاحه ، والأكثر إيلاماً أن بعض محاولات المحاربة تأتي من أشخاص منحتهم الثقة وفتحت لهم الأبواب وشاركتهم لحظات النجاح فظننت أنهم شركاء فرح فإذا بهم يتحولون إلى مراقبين ينتظرون عثرتك وهنا نتعلم أن القرب لا يعني دائماً صفاء النوايا وأن معرفة تفاصيل حياتك لا تعني بالضرورة أن صاحبها يتمنى لك الخير.
ومن أصعب دروس الحياة أن تتعلم التمييز بين من يقترب منك محبة ومن يقترب منك لمراقبتك وبين من يصفق لك لأنه يقدّر نجاحك ومن ينتظر اللحظة التي تتوقف فيها عن النجاح ، هناك من يمنحك المديح أمامك ثم ينتقص منك في غيابك ومن يتحدث معك عن الطموح بينما تضيق نفسه حين تحقق أهدافك ومن يتابع تفاصيل إنجازاتك أكثر مما يتابع تفاصيل حياته هؤلاء لا تحتاج إلى مواجهتهم في كل مرة فالمواقف المتراكمة كفيلة بكشف حقيقة العلاقات.
ويُنسب إلى أبراهام لينكولن قوله: «إذا أردت أن تختبر شخصية إنسان فامنحه السلطة» ويمكن أن نستعير من هذه الحكمة معنى آخر: اختبر صدق العلاقات حين تتغير مواقع الناس فمن يحبك حقاً لا تتبدل مشاعره عندما تتقدم ولا تصبح إنجازاتك سبباً في تغير معاملته لك ، لكن الحكمة ليست في أن تشك بالجميع أو أن تجعل التجارب الصعبة سبباً في فقدان الثقة بالناس بل في أن تمنح كل إنسان مكانته التي يستحقها وأن تجعل الأفعال معياراً لا الكلمات ولا الابتسامات العابرة.
ومع كل ما يواجهه الناجح من غيرة ومحاولات إحباط لا ينبغي أن يتحول النجاح إلى باب للغرور أو أن يدفع صاحبه إلى الاعتقاد بأنه وحده صاحب الفضل في كل ما تحقق فالإنسان الكبير لا تقاس قيمته بعدد من يصفقون له بل بقدرته على احترام الآخرين، والاعتراف بفضلهم وحفظ حقوقهم وعدم إنكار الأيادي التي ساهمت في وصوله ، فالتواضع لا ينتقص من مكانة الإنسان بل يرفعها والاعتراف بفضل الآخرين لا يقلل من إنجازك بل يكشف أصالة معدنك ومن لا يحفظ حقوق الناس مهما علت مكانته يبقى نجاحه ناقصاً مهما اتسعت شهرته.
ويقول المهاتما غاندي: «عِشْ كما لو أنك ستموت غداً وتعلّم كما لو أنك ستعيش إلى الأبد» وفي هذه الحكمة ما يذكرنا بأن قيمة الإنسان ليست في موقعه وحده بل في استمراره بالتعلم ومراجعة نفسه وتطويرها.
وفي السياق ذاته تقول إليانور روزفلت: «لا يستطيع أحد أن يجعلك تشعر بالدونية دون موافقتك» وهي رسالة لكل من يتعرض لمحاولات التقليل من شأنه: لا تمنح الآخرين سلطة تحديد قيمتك ولا تسمح لكلماتهم بأن تنتزع ثقتك بنفسك ، ومن أكبر الأخطاء التي قد يرتكبها الناجح أن يسمح للغيرة المحيطة به بسرقة وقته وطاقته فيتحول من إنسان يصنع الإنجازات إلى إنسان منشغل بالدفاع عن نفسه وتبرير خطواته، والرد على كل إساءة ، ليس مطلوباً منك أن تخوض كل معركة ولا أن تشرح نواياك لكل من أساء فهمك ولا أن تثبت قيمتك لمن قرر مسبقاً ألا يعترف بها فبعض المعارك يكفي أن تتجاوزها وبعض الأصوات لا تستحق أن تمنحها مساحة من حياتك وبعض الأشخاص يكون الابتعاد عنهم انتصاراً هادئاً لا يحتاج إلى إعلان.
ويقول ماركوس أوريليوس في تأملاته بمعنى جوهر فلسفته: «إن أفضل انتقام هو ألا تصبح شبيهاً بمن أساء إليك» وهذه من أعمق القواعد التي ينبغي أن تحكم تعاملنا مع الغيرة والحقد فلا تجعل إساءة الآخرين تغير طبيعتك ولا تسمح لهم بأن يسلبوك هدوءك واتزانك.
في نهاية المطاف ليس النجاح أن تصل إلى مكانة يتحدث فيها الجميع عنك بل أن تصل إليها وأنت محتفظ بأخلاقك ووفائك وتواضعك واحترامك لحقوق الآخرين وأن تتقدم دون أن تدوس على أحد وأن تتفوق دون أن تنكر فضل أحد وأن تواجه الإساءة دون أن تصبح نسخة ممن أساؤوا إليك.
وفي ذلك قال ألبرت أينشتاين: «حاول ألا تصبح رجلاً ناجحاً بل حاول أن تصبح رجلاً ذا قيمة» وهي عبارة تختصر الفرق بين نجاح المظاهر ونجاح الجوهر فالمكانة قد يصنعها المنصب أو الشهرة أما القيمة الحقيقية فتصنعها الأخلاق والمواقف والأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين ، فالحياة أقصر من أن نهدرها في معارك الغيرة وأثمن من أن نستهلك أيامنا في الرد على من اختاروا أن يكونوا عائقاً في طريق الآخرين لا تنتقم من الحاسدين بفشلهم ولا تجعلهم محور اهتمامك بل اجعل نجاحك ثمرة تعبك وأخلاقك عنوانك ووفاءك للناس دليلك ، كن كبيراً في إنجازك أكبر في أخلاقك وأكثر تواضعاً كلما ارتفعت مكانتك ولا تنكر فضل من وقف إلى جانبك ولا تظلم من اختلف معك ولا تسمح لمن يحاول محاربتك أن يسرق منك أجمل ما فيك.
وتذكّر أن المنافسة الشريفة تصنع التميز أما الغيرة القاتلة فلا تصنع سوى الخسارات فهناك من يقضي عمره في بناء ذاته وهناك من يقضي العمر كله في محاولة هدم الآخرين وبين الاثنين مسافة شاسعة لا تقاس بالمناصب ولا بالأضواء بل بما يتركه كل إنسان خلفه من أثر ، فلا تخفض قامتك كي يشعر الآخرون بأنهم أطول ولا تطفئ نورك كي لا تزعج عيوناً اعتادت العتمة امضِ في طريقك فالقمم لا تنخفض إرضاءً لمن عجزوا عن بلوغها والنجاح لا يفقد قيمته لمجرد أن هناك من لم يحتمل رؤيته.
* كاتب و عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين .
الاكثر شهرة
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر* لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد
حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد* ثمة شيء لن تجدهُ في تقارير مراكز الأبحاث، ولن...
هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! د قاسم عبد العزيز الدوسري
هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! قراءة د. قاسم عبد العزيز الدوسري لنص " داخل البرزخ " للكاتبة روعة س...