حديث الروح… حين يستيقظ الإنسان على حقيقة وجوده..! د. تمام كيلاني

حديث الروح…  حين يستيقظ الإنسان على حقيقة وجوده..! د. تمام كيلاني

حديث الروح… 

حين يستيقظ الإنسان على حقيقة وجوده..!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

الجزء الاول 

 

إذا الإيمانُ ضاعَ فلا أمانٌ

ولا دنيا لمن لم يُحيِ ديناً.

 

حين كنت اسمع أغنية أم كلثوم «حديث الروح»، انتابني ذلك الشعور الخفي الذي يصعب تفسيره؛ شعور كأن شيئاً في أعماقي استيقظ بعد طول غفلة، وكأن الكلمات لم تكن مجرد أنغام تعبر الأذن، بل نداءً يتسلل إلى الروح، ويوقظ في النفس أسئلة الوجود والمصير والحقيقة. شعرت أن وراء ذلك الجمال الموسيقي عالماً أعمق، يأخذ الإنسان من ضجيج الحياة إلى سكينة التأمل، ومن أسر المادة إلى رحابة الإيمان. ومن ذلك الإحساس كتبت هذه المقاطع، مستوحياً من الأفق الروحي لقصيدة «حديث الروح»، ومتأملاً في علاقة الإنسان بخالقه، وسر وجوده، وحتمية رحيله.

إن الإنسان، مهما بلغ من العلم والجاه والسلطان، يظل كائناً محدوداً أمام عظمة الخالق، ضعيفاً أمام تقلبات الحياة، وعاجزاً عن تأجيل موعد الرحيل. ومع ذلك، يمضي كثيرون في سباق محموم خلف الدنيا، وكأنهم خُلقوا للبقاء فيها، وينشغلون بتشييد مستقبلهم المادي، وينسون أن هناك مستقبلاً أبدياً ينتظرهم.

فما قيمة أن يمتلك الإنسان العالم، ثم يخسر نفسه؟ وما جدوى أن يبلغ أعلى مراتب الدنيا، ثم يقف أمام ربه خالي الوفاض من العمل الصالح؟

لقد خلقنا الله لحكمة، ولم يترك وجودنا للمصادفة أو العبث، بل حدد لنا الغاية بقوله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ 

فالعبادة ليست طقوساً تؤدى فحسب، بل هي إيمان يسكن القلب، وأخلاق تجسدها الأفعال، وعدل في التعامل، ورحمة بالخلق، وأمانة في المسؤولية. أن تخاف الله حين تغيب عيون الناس، وأن تنتصر للحق حين يكون الباطل أكثر ربحاً، وأن تملك القدرة على الظلم ثم تختار العدل؛ تلك هي بعض تجليات الإيمان الحقيقي.

والدنيا، مهما أغرتنا بزخارفها، ليست سوى محطة عبور ودار اختبار. فيها يُمتحن الصبر عند البلاء، والشكر عند النعمة، والتواضع عند القوة، والرحمة عند القدرة. وليس الامتحان فيما نملك وحده، بل فيما تصنعه نفوسنا بما نملك.

ثم يأتي الموت، الحقيقة التي تتساوى أمامها الوجوه، وتسقط عندها الألقاب، وتنتهي معها كل مظاهر التفاضل الدنيوي. لا يأخذ الإنسان معه قصوره ولا أرصدته، بل يترك كل شيء وراءه، ويحمل حصيلة عمره من خير وشر.

يقول الله تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ 

والموت ليس خاتمة الوجود، بل بداية الحساب والخلود؛ فهناك يوم تُكشف فيه الحقائق، وتُرد فيه المظالم، ويقف الإنسان بين يدي خالقه، لا يحتمي بمال ولا جاه، ولا ينفعه إلا ما قدم من إيمان وعمل صالح. وهناك يكون المصير الأبدي: جنة عرضها السماوات والأرض، أو نار حذّرنا الله منها.

فأي مصير أعظم من أن يكون آخر المطاف رضوان الله وجنته؟ وأي خسارة أفدح من أن يبيع الإنسان آخرته بمتاع زائل؟

ومع ذلك، فإن رحمة الله أوسع من ذنوب التائبين، وباب العودة إليه مفتوح ما دامت الروح في الجسد. فلا ينبغي أن يقودنا الخوف إلى اليأس، ولا أن يقودنا الرجاء إلى الغفلة؛ بل نعيش بين خشية توقظ ضمائرنا، ورجاء يملأ قلوبنا بحسن الظن بالله.

ولعل أعظم ما يحتاج إليه إنسان هذا العصر أن يتصالح مع روحه، وأن يستعيد بوصلته الإيمانية في عالم أصبح يقيس قيمة البشر بما يملكون لا بما يحملون من قيم، وبما يظهرون لا بما يخفون من نقاء أو فساد.

فليس الغنى كثرة المال، ولا القوة القدرة على إخضاع الآخرين، ولا النجاح أن يصفق لك الناس؛ إنما الغنى غنى النفس، والقوة أن تنتصر على أهوائك، والنجاح أن تلقى الله بقلب سليم.

إننا عابرون، مهما طالت بنا الأيام، وضيوف على أرض ليست لنا إلى الأبد. فلنترك فيها أثراً طيباً، ولنحمل في قلوبنا إيماناً صادقاً، ولنصلح ما بيننا وبين الله وما بيننا وبين عباده.

فحين ينتهي كل شيء، ويخفت ضجيج العالم، لن يبقى للإنسان إلا حقيقة ما كان عليه، وما قدمته يداه، وما أخلصه لربه.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا في كل صباح ليس: ماذا سنحقق اليوم من مكاسب الدنيا؟ بل: ماذا سنقدم اليوم ليوم نلقى فيه الله؟

فحديث الروح في جوهره ليس حنيناً إلى عالم غامض، بل عودة إلى الحقيقة الأولى: أننا لله، وأننا إليه راجعون، وأن الحياة مهما امتدت ليست إلا رحلة قصيرة، وأن الفوز الحقيقي ليس أن نخرج من الدنيا وقد امتلكناها، بل أن نخرج منها وقد فزنا برضوان خالقها.

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا. اللهم ارزقنا قلوباً عامرة بالإيمان، ونفوساً مطمئنة بذكرك، وأعمالاً صالحة ترضيك، وحسن خاتمة، واجعل الفردوس الأعلى مستقرنا، واجمعنا برحمتك بمن نحب في دار لا فراق بعدها.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

تعليقات


الاكثر شهرة
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر

المشهد الأخير..!!   روعة سنوبر*     لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...

المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق

  المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين   فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...

حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد

حين تضحك سوريا..ينهض العالم!!   عمر سعيد*       ثمة شيء لن تجدهُ في تقارير مراكز الأبحاث، ولن...

هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! د قاسم عبد العزيز الدوسري

هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! قراءة د. قاسم عبد العزيز الدوسري لنص " داخل البرزخ " للكاتبة روعة س...

تابعونا


جارٍ التحميل...