حين تصبح الإيجابية تجارة.. هل نحتاج فعلًا إلى من يعلّمنا كيف نعيش؟
حين تصبح الإيجابية تجارة.. هل نحتاج فعلًا إلى من يعلّمنا كيف نعيش؟
ماجدة شريف*
في زمن لم يعد فيه الحزن مسموحًا، ولا التعب مقبولًا، ولا القلق سوى طاقة سلبية يجب التخلص منها سريعًا، أصبح الإنسان محاصرًا بكمّ هائل من النصائح التي تخبره كيف يفكر، وكيف يشعر، وكيف يكون سعيدًا. لكن هل كنا حقًا أقل سعادة قبل أن تتحول "الإيجابية" إلى صناعة؟
لم يكن هذا الكمّ من الذين يقدمون أنفسهم اليوم بوصفهم خبراء في الإيجابية، أو أدلاء إلى الطريق نحو اكتشاف الذات، موجودًا بهذا الحضور الطاغي في حياتنا. ولم نكن نرى كل هذا العدد من المختصين والمتحدثين والمدربين الذين يخبروننا يوميًا كيف نتجاوز أزماتنا، ونبني ذواتنا، ونصنع حياة أفضل.
ومع ذلك... كنا نعيش.
كانت لدينا مشكلاتنا نفسها تقريبًا: ضغوط الحياة، الخلافات، الخيبات، الخوف من المستقبل، فقدان الأحبة، وضيق الحال أحيانًا. لم تكن الحياة أكثر رحمة مما هي عليه اليوم، لكننا ربما كنا أكثر قدرة على التعامل معها بعيدًا عن هذا السيل المتواصل من التعليمات التي تلاحقنا حتى في أكثر لحظات ضعفنا.
كنا نحزن دون أن نشعر بأن علينا أن نبرر حزننا.
وكان من حقنا أن نتعب دون أن يقال لنا إن علينا تحويل التعب إلى "طاقة إيجابية".
هل أصبحت الإيجابية صناعة؟
مع ثورة التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد النصيحة حبيسة كتاب أو جلسة مع شخص نثق به. أصبحت تصل إلينا في كل لحظة، عبر مقطع قصير، أو منشور، أو دورة، أو محاضرة، أو حساب يقدم نفسه بوصفه نافذة إلى السلام الداخلي.
ولا مشكلة في أن يبحث الإنسان عن المعرفة، أو أن يستعين بمختص حين يحتاج إلى ذلك. بل إن طلب المساعدة في الوقت المناسب قد يكون شجاعة لا ضعفًا.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحاجة الإنسانية الطبيعية إلى سوق، وعندما يصبح القلق مادة للتسويق، ويصبح الخوف من عدم النجاح وسيلة لجذب المزيد من المتابعين.
فليس كل من يتحدث عن السلام الداخلي يعيش حياة بلا اضطراب، وليس كل من يقدم لك درسًا في السعادة قد وصل إلى نهايتها.
فالذي ينصحك اليوم قد يخوض غدًا معركته الخاصة.
وهذا ليس انتقاصًا من أحد، بل تذكير بحقيقة بسيطة: نحن جميعًا بشر.
لا أحد يعيش حياتك بالنيابة عنك
قد يساعدك شخص على رؤية الطريق، وقد يضع المختص يده على موضع الألم، وقد يمنحك كتاب فكرة تغيّر طريقة نظرك إلى نفسك والعالم.
لكن لا أحد يستطيع أن يقوم بالخطوة التي يجب أن تقوم بها أنت.
هناك أشياء لا تحتاج إلى مئات المقاطع التحفيزية كي نفهمها. نعرفها في داخلنا، ونعرف غالبًا أين يكمن الخلل، لكننا نتردد في مواجهته.
نعرف العلاقة التي تؤذينا.
نعرف العادة التي تستنزفنا.
نعرف القرار الذي نؤجله.
نعرف أحيانًا ما الذي يجب أن يتغير، لكننا نبحث عن شخص آخر يقول لنا ذلك، ربما لأن مواجهة الحقيقة أصعب من سماعها من الآخرين.
ولهذا، فإن قراءة الكتب، والاستماع إلى المختصين، ومحاولة فهم الذات كلها أمور مهمة، لكنها لا تصبح ذات قيمة حقيقية إلا عندما تتحول المعرفة إلى فعل.
فالوعي الذي لا يتبعه تغيير، قد يتحول إلى معرفة إضافية لا أكثر.
لسنا مطالبين بأن نكون سعداء طوال الوقت
ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف الإيجابية.
الإيجابية ليست أن نبتسم رغم الألم، ولا أن نتظاهر بأن كل شيء على ما يرام. وليست أن نحول كل خسارة إلى درس جميل، وكل فشل إلى فرصة، وكل دمعة إلى "طاقة جديدة".
نحن بشر.
ومن حقنا أن نحزن.
ومن حقنا أن نتعب.
ومن حقنا أن نعترف بأننا لا نعرف، وأننا أحيانًا لا نستطيع.
فالتصالح مع النفس لا يعني أن نحب كل ما فينا، بل أن نمتلك الشجاعة لنراه بوضوح. أن نعرف نقاط ضعفنا دون أن نحتقر أنفسنا، وأن نعترف بأخطائنا دون أن نحكم على حياتنا كلها بالفشل.
أنت طبيب نفسك... حين تعرف متى تطلب المساعدة
لا أقصد بذلك أن الإنسان يستطيع دائمًا أن يحل مشكلاته وحده، أو أن الاستعانة بالمختصين أمر غير ضروري. على العكس، هناك أوقات يحتاج فيها الإنسان إلى مساعدة مهنية حقيقية، ولا ينبغي أن يخجل من طلبها.
لكنني أتحدث عن تلك المساحة التي لا يستطيع أحد دخولها بدلًا منا.
مساحة القرار.
مساحة الاعتراف.
مساحة التغيير.
فحتى أفضل نصيحة في العالم لن تغيّر حياتنا إذا لم نقرر نحن أن نغير شيئًا فيها.
وفي عالم التكنولوجيا الذي أصبح يقدم لنا إجابات لا تنتهي، ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نغلق الشاشة قليلًا، ونبتعد عن ضجيج النصائح، ونجلس مع أنفسنا.
أن نسأل سؤالًا بسيطًا:
ماذا أريد أنا؟
لا ماذا يقول الآخرون إن عليّ أن أريد.
ولا كيف يرونني.
ولا كيف يجب أن أبدو أمام الناس.
بل ماذا أريد أنا، وماذا يؤلمني، وماذا أستطيع أن أغيّر؟
في النهاية... نحن من يكتب النسخة الجديدة
لا بأس أن نقرأ.
لا بأس أن نتعلم.
لا بأس أن نبحث عن من يأخذ بأيدينا عندما نتعثر.
لكن علينا ألا نسلم حياتنا بالكامل لمن يبيعنا وصفة جاهزة للسعادة.
فالحياة ليست دورة تدريبية، والإنسان ليس مشروعًا تجاريًا يحتاج إلى إعادة برمجة كل صباح.
قد نحتاج إلى أن نعيد صياغة أنفسنا مرات كثيرة، وقد نخطئ ونبدأ من جديد، وقد نسقط ثم ننهض.
لكن القلم، في النهاية، يبقى في أيدينا.
نحن من يقرر ما الذي يجب أن يتغير، ونحن من يملك شجاعة البداية، ونحن من يكتب السطر الأخير في الحكاية.
وربما لا تكون السعادة في أن نتعلم كيف نعيش كما يريد الآخرون، بل في أن نمتلك الشجاعة الكافية لنعيش كما نعرف، في أعماقنا، أننا نريد.
*إعلامية عراقية/ فيينا.
إقرأ أيضًا
أربعون عاماً "طب وإغاثة ووفاء" من الغربة إلى خدمة الوطن ..!! د. تمام كيلاني
حين يمتلك السياسي السلطة ولا يمتلك ثقافة الحكم!
علي جعفر العلاق... جائزة النيل تتوج شاعرًا جعل من القصيدة وطنًا للإنسان والذاكرة!
الملكة المثيرة للجدل… بين بناء الإمبراطورية ونقض العهود!
الموريسكيون في إسبانيا دراسة تاريخية في الذاكرة والهوية والتحولات المعاصرة..!! د. تمام كيلاني
أوروبا والمسلمون… حين يصبح سؤال المستقبل أكبر من سؤال الاندماج..!! د. تمام كيلاني
من النشر إلى التأثير.. منتدى دولي في فيينا يعيد تعريف البحث العلمي!
ليس كل سوري خبرًا سيئًا… عندما تصبح الصورة الناقصة خطرًا على المجتمع..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا سياقات التحول وصراع السلطة د. تمام كيلاني*...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...