"صعوداً نحو الحب".. سردية النور في مواجهة العتمة!

"صعوداً نحو الحب".. سردية النور في مواجهة العتمة!

هدى حمد أبو حسن*


منذ الصفحات الأولى التي تصدّرتها مقولة جلال الدين الرومي: "كلّ ما تحبّه، هو أنت.. هو صورة مصغّرة عنك، فاختر ما يليق بك.." وحتى السطر الأخير، تأخذنا الكاتبةُ أحلام برجس أبو عساف في روايتها "صعوداً نحو الحب" الصادرة عن دار البيت الأدبي، برحلة مباشرة وطويلة في أعماق النفس البشرية بما تحملهُ وتختزنهُ من انعكاسات داخلية وتناقضات وجودية وصدمات نفسية تتوالى لتخلقَ شخصيات مأزومة في أخلاقها ومنظومتها القيمية والتربوية، وفي الوقت نفسه نستكشفُ بعض الأحداث التاريخية التي مرّت بها المنطقة من سورية إلى لبنان فالسعودية، ونتجرّع مرارة التقلبات التي عاشها "عدنان" بطل الرواية وشخصيتها الرئيسية، والعقود الستة التي ذاق فيها اليتم والحرمان وغياب الأم المبكر وطيش الأب ورعونته وإهماله، والذي دفعه قسراً وهو طفل إلى الميتم الذي سيكون منطلق حكايته برمتها.
اعتمدت أبو عساف في تقسيم زمنها السردي تقنيةَ الاسترجاعِ أو "الفلاش باك"، حيث بدأتها من المدينة المنورة (في 21 ديسمبر 2021)، واحتفال "عدنان" بعيد ميلاده الخامس والستين، لتفردَ بعدها شريط ذكرياته في مجمل صفحات الرواية، وتقف عند محطات فارقة في حياته (1962- دخول الميتم في لبنان)، (1968- العودة إلى دمشق)، (1972- أعياد الميلاد في صوفر)، (1975- السفر إلى لندن)، ومن بين كلّ تلك الأحداث يتصاعد الزمن إلى الأعلى تارة، ويرتدّ تارة إلى الماضي مترافقاً مع صدمة طرد الأم وجملتها الحاضرة "اكبر وتعال".
لقد برعت الكاتبة كثيراً في ابتكار شخصياتها ورصد تحولاتها النفسية والعاطفية، واستطاعت أن تطرح، بجرأة ومسؤولية، قضايا الاغتراب النفسي والمكاني، وصدمات الطفولة، ومشقة البحث عن الذات، فالأب (جايد الدمشقي) شخصية متناقضة، ورجل سلطوي، جلف، ينتقمُ من أخطائه وعقده النفسية من خلال ابنه، ورغم قسوته وركله لعدنان وطرده، إلا أنه يشتري له عوداً ويعلّمه الموسيقى، ما يعكس تعقيد واضطراب تلك الشخصية، أما عدنان (محور الرواية) فهو يعيش عقدة الاقتلاع والحرمان، إذ عاش صدمة مزدوجة في سن الخامسة، أولهما طرد أمه "ماجدة" وتخليها القسري عنه، وثانيهما قسوة والده "جايد" الجلف الذي أودعه ميتم "الأب قرطباوي" في لبنان، لتنشأ عنده عقدة البحث عن البديل الإنساني، حيث ظلّ يفتش عن الأم/ الأنثى الملهمة في كلّ محطات رحلته (ماريا الراهبة، عمتُه وداد، وزواجه القسري والمأزوم من شيرين).
وفي المقابل نلمسُ أثر الأم (ماجدة) الحاضرة الغائبة، والتي تمثّل صورة المرأة الضحية المقهورة، فقد تزوّجت في سن مبكرة رغماً عنها، وانتهت بتعرضها للعنف والكسر والاتهام في شرفها وطردها، هذا الأثر الذي اختصرته جملتها "اكبر وتعال" ودعوتها للابن عدنان للالتحاق بها حين يكبر.
وفي نسقٍ موازٍ تبرزُ شخصية ماريا (الراهبة/ الأم البديلة) التي تمثّل الملاذ الآمن والجانب الروحي الحنون لـ"عدنان"، وهي التي طوّقته بالعاطفة الدافئة والحب في الميتم، ووجهته نحو التسامح والعفو والغفران، وجسّدت مفهوم "الحب غير المشروط".
وعلى نحو مغاير سنواجه مع عدنان صورة المرأة اللعوب في شخصية شيرين (الزوجة الإيرانية)، والتي تمثّل الجانب المادي الاستغلالي، إذ استغلت حاجته للأمان والاستقرار والإقامة في لندن بعد وفاة زوجها العم محمود، لتلتفّ عليه بعقد زواج قسري وتستعبده جسدياً ونفسياً.
وفي البعد المكاني الذي يعزّز حالة الاغتراب والشتات الروحي، نقفُ مع أحلام أبو عساف عند أمكنة ومدن عدة، رسمتها بدقة وإتقان العارف، إذ يتنقلُ عدنان ويتحرك بين جغرافيات امتدت من دمشق (القيمرية والمزرعة)، إلى لبنان (صوفر وظهر الوحش)، إلى لندن (تشيلسي)، لتصل أخيراً إلى المدينة المنورة، ما يعكسُ قسوة هذا الترحال، ويفضحُ في الوقت نفسه أزمة الإنسان العربي ومصيره العالق بين الأمكنة والمنافي والمغتربات، ومن ثم تُظهر الكاتبة أسباب هذا الاغتراب والشتات الروحي ومرجعياته التي تختزلها بصدمة الطفولة وآثارها النفسية الممتدة، دون أن ننسى (العنف الأسري، التخلي، التنمّر في الميتم ولقب عدنان بـ"السوري اللقيط")، إذ تبدأ نقطة الانكسار الكبرى لحظة انتزاع الأم "ماجدة" وطردها القسري بعد اتهام باطل، هذا الانفصال في سن مبكرة (الخامسة) يترك لدى "عدنان" ما يُعرف في التحليل النفسي بـ"عقدة التخلي"، لتهيمن هذه الآثار على وعيه، وتظلّ تحركه حتى وإن بلغ الخامسة والستين، غير أن ماريا استطاعت أن تخلخل هذا الوعي بدعوتها إلى التسامح والصفح والعفو ليغفر في النهاية للوالد الذي أكله الندم وهو يرى كيف تحدّى عدنان كل ظروفه ليصير مهندس طيران تتنافس كبرى الشركات للاستفادة من مهارته وخبرته.
في البناء اللغوي اتّسمت لغةُ الرواية في الكثير من مفاصلها وفصولها بالسهولة والبساطة والشفافية والشاعرية والتكثيف، ما عدا بعض الصفحات في الجزء الأخير، إذا أرخى الاستطراد والاستطالات والفائض السردي بظلاله على حركة السرد، ما قد يوقع القارئ بالملل، ولاسيما أن الكاتبة أكثرت من العودة إلى الماضي في محاكمة شخصية الأب، أو وجود عدنان في مشفى المجانين، دون أن ننسى قدرتها على توظيف الرموز والصور الوصفية الجميلة المعتمدة على الحواس (رائحة الفسيفساء، شجر الكباد، عطر المنظفات والممسحة، صوت الأذان، البروكار الدمشقي)، ورسم معالم البحرة والبيت الدمشقي والميتم وحركة الناس وضباب لندن، والجملة الصوتية الأثيرة "اكبر وتعال" التي ظلّت تتردّد في مخيلة عدنان حتى اللحظة الأخيرة.
ولعلّ تغلغلها في رصد تحولات رحلة الاغتراب كانت من الملامح المهمّة في سيرورة رواية أحلام أبو عساف، فالغربة الأولى، غربة الميتم (لبنان- صوفر) هي الغربة القسرية بعيداً عن الشام وجدران القيمرية، وهنا تكون الغربة بمثابة "مستشفى نفسي مغلق" يتعلّم فيه الطفل مجابهة الوحشة والتأقلم مع الانقطاع عن الجذور. لتأتي الغربة الثانية، المعرفية والمهنية، حين ينتقل عدنان إلى لندن ويدرس هندسة الطيران، لتتحوّل الغربة من اقتلاع قسري إلى غربة اختيارية يسعى من خلالها لإثبات الذات وتحقيق صدى "اكبر وتعال"، لكن هذه الغربة تعمّق اغترابه الروحي، فالنجاح المهني والهندسي لم يرمّم التهشم الداخلي، بل أوقعه في حب ماريا لتتعقد رحلته بفقدها ومرضها، ثم دخوله في دوامة العزلة والعلاقات المأزومة.
أما الغربة الثالثة، فهي المحطّة الأخيرة في المدينة المنورة، ومحاولة التسامي والصعود والتعالي على الجراح، حيث يقف أمام شمعة ميلاده الـ65 مستعيداً شريط هذه الترحالات والذكريات الموجعة، لتتحول بالتدريج إلى "ملاذ" أو "صومعة" للمراجعة والمسامحة والتطهر الروحي.
غير أن أشدّ أنواع الغربة حلكةً في الرواية هي غربة عدنان داخل علاقاته، فعدم قدرته على التحرّر من سطوة الذكريات حوّله إلى "غريب عن ذاته"، يعيش حاضر سنواته في لندن والسعودية بروح طفل دمشقي ما زال واقفاً عند لحظة طرد أمه في حي القيمرية، وهنا تُظهر الكاتبة أحلام أبو عساف براعة في ربط الصدمة بالغربة، فالصدمة هي التي أنتجت الغربة، والغربة هي التي عمّقت الصدمة في البداية، ثم أضحت هي الميدان الذي تطهّرت فيه الشخصية، بعد تيه داخلي زرعته صدمة الطفولة.
وأخيراً يمكن الاعترافُ بأن رواية "صعوداً نحو الحب" سردية شاقة ومشوقة، بل سردية النور في مواجهة العتمة، تمثل طوق نجاة لكلّ من يقرأها، فهي لم تتوقف عند حدود انكسار البطل أمام صدماته وغربته، بل جعلت من "الحب النقي والبعيد عن المصلحة" والارتقاء الروحي والتسامح الوسيلة الوحيدة للتعافي من آلام الطفولة وتجاوز قسوة الاغتراب.
بقي أن نذكر أن أحلام أبو عساف كاتبة وروائيّة سورية من مواليد محافظة السويداء، حاصلة على إجازة في التربية وعلم النفس وشهادة معهد إعداد المدرسين، ومارست مهنة التّدريس وإدارة المدارس لعدة سنوات. صدر لها الروايات التالية: "ظمأ امرأة"، "رحيل العوسج"، "وميض في جبال الأنديز"، "صعوداً نحو الحبّ"، إضافة لمجموعة قصصية بعنوان "للعمى ألوان أخرى"، ونشرت العديد من قصصها في الصّحف والمجلات المحلية والعربية.

 

*كاتبة سورية/ السويداء.


تعليق

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

هل نحن على موعد مع أجاثا كريستي.. عربية؟ قراءة في رواية " متاهات الوهم" للأديبة السورية معاني سليمان..!! محمد البنا

هل نحن على موعد مع أجاثا كريستي.. عربية؟ قراءة في رواية " متاهات الوهم" للأديبة السورية معاني سليمان..!! محمد البنا
الثقافة والأدب

سلاسة السرد بمواجهة لوعة الفقد!! اسماعيل الرجب

سلاسة السرد بمواجهة لوعة الفقد!! اسماعيل الرجب
الثقافة والأدب

قراءة لقصيدة "أُصرُخ " للشاعر الدكتور محمد سليط ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لقصيدة "أُصرُخ " للشاعر الدكتور محمد سليط ..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

قراءة لمقال " اكسروا خرافة المركز والهامش.. لقد انتهى زمن الوصاية " للدكتورة نور الهدى قرباز ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لمقال " اكسروا خرافة المركز والهامش.. لقد انتهى زمن الوصاية " للدكتورة نور الهدى قرباز ..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

قراءة لنص - أنت.. وأنا – للدكتور مايكل حمدان.. !! الناقد طه عبد الرحمن

قراءة لنص - أنت.. وأنا – للدكتور مايكل حمدان.. !! الناقد طه عبد الرحمن


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...