قراءة في قصة "المصيدة" من ثلاثية العطش للكاتبة معاني سليمان..!! هادي نصيرة
قراءة في قصة "المصيدة"
من ثلاثية العطش للكاتبة معاني سليمان..!!
هادي نصيرة*
الحدث في القصة يتمثل في لقاء جمع بين الفتاة "لين" بالشاب "ريان"، والذي أعلمنا الجزء الأول من القصة أنه من قتل شقيقتها "ديانا".
ماذا فعلت "لين" إذن؟
لم تلبث أن استدرجت ذلك القاتل إلى بيتها بطريقة محكمة، لتقتله بكل هدوء وبرودة أعصاب، معتقدة أن ذلك سيريح أختها في قبرها، وسيخلصها هي من أوجاع كابوس ثقيل أقض مضجعها.
كيف لا وهي التي حلمت لليال برؤية أختها المغدورة في المنام، وباتت مدركة تمام الإدراك لما يتوجب عليها فعله ودون تردد.
وقد جعلت الكاتبة من "لين" الشخصية المحورية لقصتها، لتغدو نموذجا للفتاة التي أوجعها فراق أختها إلى درجة أن حدا بها ذلك لأن تقدم على تنفيذ عملية قتل من قتل "ديانا". وكان لها ما أرادت، إذ تمكنت من الوصول إلى الشخص المعني، والإجهاز عليه دون أن تأخذها به شفقة ولا رحمة.
وجاء الفضاء القصصي منسجما مع الأحداث(هواء الغرفة/ المكان الموحش البارد/ الطريق السريع المعتم/ صالة السينما، المنزل المعزول والمنزوي عن بقية البيوت/ الغرفة التي تشبه غرفة عمليات صغيرة) . هذه الأمكنة لم تكن تؤدي وظيفة الوصف فحسب، بل إنها عكست مناخا تم من خلاله تهيئة القارئ لأن يعيش على إيقاع أحداث ووقائع مثيرة ومشوقة.
من ناحية أخرى، لم يرسم الانتقال من النهار إلى الليل ومن الليل إلى النهار زمنا خارجيًا فقط، بل كشف عن زمن نفسي متوقف عند فكرة الانتقام التي سيطرت على ذهن البطلة، إلى غاية بلوغها لحظة التنفيذ، والتخلص من عبء ما انفك يثقل أيامها المتوترة.
نشير كذلك إلى أن الاستبطان النفسي هو من التقنيات التي اعتمدتها الكاتبة، ويبرز ذلك في النص، من خلال :
(صدمة لين بعد سماع صوت أختها / ارتجافها ودوارها واختناق أنفاسها/ الصراع الداخلي الذي تعيشه / ابتسامتها التي تخفي أكثر مما تظهر / شعورها ببرودة يد ريان / حالتها النفسية وهي تستدرجه إلى النهاية).
هذه التقنية جاءت مستندة إلى الاسترجاع من خلال الحلم، ومن خلال سرد "لين"ما أخبرتها به شقيقتها المغدورة على مسامع "ريان" حول تعرفها بشاب التقت به صدفة، حين تعطلت سيارتها على الطريق السريع، وتقديمها لها أوصاف شعره البني بلون العسل، وبشرته الشاحبة.
هذا الاستدعاء للذاكرة يبرز أن جزءا من الحدث كان يجري في أعماق البطلة، بالإضافة لما كان يجري في الواقع المحيط بها.
نضيف كذلك أن الاستبطان النفسي جاء من أجل كشف العالم الداخلي للبطلة ، بينما أعاد الاسترجاع بناء الماضي الذي يفسر دوافعها.
وتفضي القصة إلى رؤية مفادها أن الانتقام لا يعيد الموتى إلى الحياة، لكنه قادر على تحويل الضحية نفسه إلى قاتل.
وهذه هي المفارقة الكبرى التي انتهت إليها القصة.
كما يجدر القول أن حسن إدارة الكاتبة للحدث القصصي، وتوخيها أسلوب المراوحة بين الوصف، والسرد، والحوار، والاسترجاع، والاستبطان، يقيم الدليل على حرفية الكاتبة وتملكها للقدرة على إنشاء قصة نفسية مكتملة الأركان، محكمة البناء.
* كاتب وناقد تونسي.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
جدلية العتاب والشوق في قصيدة "عتبي عليك" للشاعرة اللبنانية سارة الزين ..!! سعيد محتال
أطفال السوشيال ميديا.. بين حياة الطفولة والشهرة!!
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...