قراءة في قصة "المصيدة" من ثلاثية العطش للكاتبة معاني سليمان..!! هادي نصيرة

٢٠٢٦٠٧١١_١٠٥٥٤٨.jpg

قراءة في قصة "المصيدة"
من ثلاثية العطش للكاتبة معاني سليمان..!!

 

هادي نصيرة*

 

الحدث في القصة يتمثل في لقاء جمع بين الفتاة "لين" بالشاب "ريان"، والذي أعلمنا الجزء الأول من القصة أنه من قتل شقيقتها "ديانا". 

ماذا فعلت "لين" إذن؟  

لم تلبث أن استدرجت ذلك القاتل إلى بيتها بطريقة محكمة، لتقتله بكل هدوء وبرودة أعصاب، معتقدة أن ذلك سيريح أختها في قبرها، وسيخلصها هي من أوجاع كابوس ثقيل أقض مضجعها.

كيف لا وهي التي حلمت لليال برؤية أختها المغدورة في المنام، وباتت مدركة تمام الإدراك لما يتوجب عليها فعله ودون تردد.

وقد جعلت الكاتبة من "لين" الشخصية المحورية لقصتها، لتغدو نموذجا للفتاة التي أوجعها فراق أختها إلى درجة أن حدا بها ذلك لأن تقدم على تنفيذ عملية قتل من قتل "ديانا". وكان لها ما أرادت، إذ تمكنت من الوصول إلى الشخص المعني، والإجهاز عليه دون أن تأخذها به شفقة ولا رحمة.

وجاء الفضاء القصصي منسجما مع الأحداث(هواء الغرفة/ المكان الموحش البارد/ الطريق السريع المعتم/ صالة السينما، المنزل المعزول والمنزوي عن بقية البيوت/ الغرفة التي تشبه غرفة عمليات صغيرة) . هذه الأمكنة لم تكن تؤدي وظيفة الوصف فحسب، بل إنها عكست مناخا تم من خلاله تهيئة القارئ لأن يعيش على إيقاع أحداث ووقائع مثيرة ومشوقة.

 من ناحية أخرى، لم يرسم الانتقال من النهار إلى الليل ومن الليل إلى النهار زمنا خارجيًا فقط، بل كشف عن زمن نفسي متوقف عند فكرة الانتقام التي سيطرت على ذهن البطلة، إلى غاية بلوغها لحظة التنفيذ، والتخلص من عبء ما انفك يثقل أيامها المتوترة.

نشير كذلك إلى أن الاستبطان النفسي هو من التقنيات التي اعتمدتها الكاتبة، ويبرز ذلك في النص، من خلال : 

(صدمة لين بعد سماع صوت أختها / ارتجافها ودوارها واختناق أنفاسها/ الصراع الداخلي الذي تعيشه / ابتسامتها التي تخفي أكثر مما تظهر / شعورها ببرودة يد ريان / حالتها النفسية وهي تستدرجه إلى النهاية).

هذه التقنية جاءت مستندة إلى الاسترجاع من خلال الحلم، ومن خلال سرد "لين"ما أخبرتها به شقيقتها المغدورة على مسامع "ريان" حول تعرفها بشاب التقت به صدفة، حين تعطلت سيارتها على الطريق السريع، وتقديمها لها أوصاف شعره البني بلون العسل، وبشرته الشاحبة.  

هذا الاستدعاء للذاكرة يبرز أن جزءا من الحدث كان يجري في أعماق البطلة، بالإضافة لما كان يجري في الواقع المحيط بها.

نضيف كذلك أن الاستبطان النفسي جاء من أجل كشف العالم الداخلي للبطلة ، بينما أعاد الاسترجاع بناء الماضي الذي يفسر دوافعها.

وتفضي القصة إلى رؤية مفادها أن الانتقام لا يعيد الموتى إلى الحياة، لكنه قادر على تحويل الضحية نفسه إلى قاتل. 

وهذه هي المفارقة الكبرى التي انتهت إليها القصة.

كما يجدر القول أن حسن إدارة الكاتبة للحدث القصصي، وتوخيها أسلوب المراوحة بين الوصف، والسرد، والحوار، والاسترجاع، والاستبطان، يقيم الدليل على حرفية الكاتبة وتملكها للقدرة على إنشاء قصة نفسية مكتملة الأركان، محكمة البناء.

 

* كاتب وناقد تونسي.

 

 

تعليقات


الاكثر شهرة
مدينتي

مدينتي روعة سنوبر*   مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه  مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...

بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر

"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!!   روعة سنوبر*   في...

المشهد الأخير..!! روعة سنوبر

المشهد الأخير..!!   روعة سنوبر*     لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...

"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!

  "شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!   فن ومدن*   في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...

تابعونا


جارٍ التحميل...