جدلية العتاب والشوق في قصيدة "عتبي عليك" للشاعرة اللبنانية سارة الزين ..!! سعيد محتال
جدلية العتاب والشوق في قصيدة "عتبي عليك" للشاعرة اللبنانية سارة الزين ..!!
سعيد محتال*
عتبي عليكَ.. وكم تغيبُ وأعتبُ!
وتطيلُ بُعدكَ يا قريبُ.. وأعجبُ!
كم أدّعي أنّي سَلَوتُكَ عامداً..
وأقولُ إني قدْ نسيتُ.. وأكذبُ!
أنا لا أبالي بالأنامِ.. مللْتهمْ!
حسبي بأنّكَ مقلتايَ وأقربُ!
وجهي على جدرانِ هجركَ شاحبٌ..
والقلبُ من جمرِ الجوى يتقلّبُ!
صعبٌ عليّ الليلُ دونَكَ والنوى..
والعمرُ بعدكَ دونَ وجهكَ أصعبُ!
شوقي لهيبٌ لا ينامُ.. وصبوتي
نارٌ.. ودمعي عندَ بابكَ سيّبُ
فٱشهدْ أيا جرحَ الغروبِ بأنني
طيفٌ يذوبُ.. وخافقٌ يتعذّبُ
لا الوقتُ يرحمني ولا سيف النوى!
فمتى إليكَ من المواجع أهربُ؟!
ديني رضاك.. ووجهُ صُبحكَ قِبلَتي..
والليلُ في أسرارِ همسِكَ مذهبُ
ومدامعي عندَ ٱشتياقك عذبةٌ
فالمرّ يحلو إنْ رضيتَ ويعذبُ
كرمى لعينكَ سوفَ أنثُرُ دمعتي
والدمعُ أشهى في هواكَ وأطيبُ!
الشاعرة سارة الزين
لبنان
تُعد القصيدة الغزلية ميدانا لتموجات النفس بين الأضداد، حيث لا يقف العتاب حائلاً دون الشوق، بل يغذيه. في نص الشاعرة سارة الزين نجد بنية شعورية مراوغة(1)، تبدأ باللوم وتنتهي بالاستسلام المطلق، مما يفتح الباب أمام تأويلات تتجاوز "الحبيب الفرد" إلى إلى " الشخصية الرمزية" إلى "الوطن الرمز" ...
أولا: البنية العاطفية (بين كبرياء العتاب وذلّ الاشتياق)
تتأسس القصيدة على مفارقة شعورية حادة. فالشاعرة تبدأ بـ "الندية" في العتاب، لكنها سرعان ما تهوي في فخ "الاعتراف" بالعجز:
- صراع الادعاء والواقع: في قولها
"كم أدّعي أنّي سَلَوتُكَ عامداً..
وأقولُ إني قدْ نسيتُ.. وأكذبُ!"
نحن أمام تعرية ذاتية صادمة. الكذب هنا ليس نقيض الحقيقة، بل هو "أعلى درجات الصدق العاطفي"، (4)حيث ينهزم الكبرياء أمام سطوة الحنين.
- العتاب كدليل اتصّال: العتاب في النص ليس إيذاناً بالرحيل، بل هو محاولة لاستبقاء "القريب البعيد". تكرار الفعل (أعتبُ، أعجبُ، أكذبُ) على قافية الباء المضمومة يوحي بحالة من "الارتباك الوجداني" والزفرات المتلاحقة التي لا تهدأ.
ثانياً: الصورة الشعرية (تجسيد الألم وتحويله إلى عناصر طبيعية)
لم تكتفِ الشاعرة بالبوح المباشر، بل استعانت بصور مشحونة بالحرارة لتحويل الشعور المجرد إلى مادة محسوسة:
- النار والجمر: كما هو وارد في قولها "والقلبُ من جمرِ الجوى يتقلّبُ" و "شوقي لهيبٌ لا ينامُ". هنا يتحول الشوق من شعور إلى "كيان عضوي" يلتهم السكون، مما يعكس حالة الاحتراق الداخلي.
- جرح الغروب: "فاشهدْ أيا جرحَ الغروبِ"، نحن أمام استعارة ذكية تربط بين نهاية النهار (الزمن) وبين النزيف الروحي (الألم)، فالغروب ليس مجرد وقت، بل هو لحظة تجدد الوجع.
ثالثاً: مفتاح التأويل (من الغزل إلى الرمزية الوطنية)
يطرح النص سؤالاً جوهرياً: من هو المخاطب؟ بينما يميل الظاهر إلى "الحبيب الإنساني"، إلا أن البيت الحادي عشر يقلب الطاولة النقدية:
ديني رضاك.. ووجهُ صُبحكَ قِبلَتي..
والليلُ في أسرارِ همسِكَ مذهبُ
لماذا يُعد هذا البيت جسراً نحو "الوطن"؟
إن استخدام مفردات (دين، قِبلة، مذهب) ينقل العلاقة من حيز "العاطفة العابرة" إلى حيز "الانتماء الوجودي". فالقِبلة هي وجهة الروح، والوطن هو القبلة التي لا يضل عنها صاحبها مهما تغرّب.
ففي الأدب العربي الحديث، غالباً ما يتم استعارة لسان الغزل لبث لواعج الاغتراب عن الوطن. فوجه الصبح الذي هو "قِبلة" الشاعرة، قد يكون فجر الحرية أو العودة إلى الجذور التي شحب وجه الشاعرة على جدران هجرها.
إن قصيدة "عتبي عليك" هي نص ذو طبقات. تبدأ كصرخة عتاب رقيقة، وتتطور لتصبح مرثية شوق حارقة، وتنتهي كصلاة في محراب "مقدس" قد يكون الحبيب وقد يكون الوطن. هذا الثراء الدلالي هو ما يمنح النص ديمومته، حيث يجد كل قارئ فيه "قبلته" الخاصة.
وبالانتقال من الصورة الكلية إلى البنية الموسيقية، نجد أن الشاعرة سارة الزين لم تختر حرف "الباء" المضمومة (ـبُ) قافيةً لنصها عبثاً، بل جاءت لتخدم "جدلية العتاب والشوق" التي ناقشناها في الدراسة.
فحرف الباء هو حرف "شفوي" ينطق بإغلاق الشفتين ثم فتحهما. في سياق العتاب، يمثل هذا لحظة كتمان الألم ثم انفجاره.
ولقد ذكرنا أن الشاعرة تتأرجح بين ادعاء النسيان (الإغلاق/ الكتمان) وبين صدق الاعتراف (الانفجار/ البوح). القافية هنا تحاكي نبض القلب المكتوم الذي لا يجد مفراً من الانعتاق.
كما أن حركة الضم (ـبُ) واستمرارية الوجع تنسجم مع طبيعة الضم في اللغة العربية، إذ يوحي بالجمع والاحتواء، لكنه موسيقياً يعطي صوتا مخنوقا وممتدا.
كما أن الكلمات (أعتبُ، أكذبُ، يتقلّبُ، أصعبُ) تنتهي بضمة تشبه "الآه" المكتومة. هذا يخدم فكرة "الصبوة التي لا تنام" التي وردت في الدراسة؛ فالوجع ليس عابراً، بل هو حالة دائرية مستمرة لا تنتهي بسكون، بل بحركة (الضم) تطلب المزيد من الوصل.
ثم إن استخدام الأفعال المضارعة المسندة للمتكلم في القافية (أعتب، أعجب، أكذب) يعزز مفهوم "الآنية" في الوجع.
وهذا يتجانس مع ما أشرنا إليه سابقا، كون الشوق "لهيب لا ينام". موسيقياً، تكرار القافية المتحركة يمنع النص من "الاستراحة"، مما يجعل القارئ يشعر بحالة الغليان العاطفي الذي وصف بـ "جمر الجوى الذي يتقلب".
إن اختيار هذه القافية جعل القصيدة تبدو كأنها "نشيج" منتظم؛ فالباء المضمومة هي الأقرب لصوت الزفير الصادر من صدرٍ مثقل بالهموم.
وبذلك، تلاحمت الموسيقى مع المعنى لتؤكد أن الحبيب (سواء كان شخصاً ( رمزيا أو وطناً) هو "المركز" الذي تدور حوله كل هذه الترددات الصويتة.
بالإضافة إلى أن القصيدة تقوم على بحر الطويل، وهو سيد البحور العربية وأكثرها قدرة على حمل الانفعالات المركبة. ويتكون من تكرار تفعيلتي (فعولن مفاعيلن) أربع مرات في كل بيت. وهو الأنسب لهذا الصراع، فهو بحر "طويل" فعليا في عدد حروفه وتفعيلاته، مما يمنح الشاعرة مساحة زمنية داخل البيت الواحد لتبدأ بالعتاب (الصدر) وتنتهي بالاستسلام أو الشوق(العجز)، ذلك أن النَّفَس المكروب هو الذي لا يستطيع التعبير عن وجعه بجمل قصيرة وسريعة، بل يحتاج إلى "زفرات ممتدة". تفعيلة "مفاعيلن": هي تفعيلة ممتدة وثقيلة، وهي عندما تتكرر في القصيدة، فإنها تعكس "الأنين المتمادي". الشاعرة لا تقول "أنا مشتاقة" وتسكت، بل تمطّ الكلمات (عـتـبي عـلـيـكَ.. وكم تـغـيـبُ وأعـتـبُ).
كما أن البحر الطويل يوفر "مدى صوتيا" يشبه التنهيدة الطويلة التي تخرج من صدر مثقل. فالحرارة المكتومة تحتاج لمسافة زمنية لتبرد، والطويل هو تلك المسافة.
زد على ذلك، في تفعيلة "مفاعيلن"، غالباً ما يحدث "قبض" (حذف الحرف الخامس الساكن) لتصبح "مفاعلن". إذ يخلق نوعا من "التعثر الإيقاعي" الذي يشبه تقطع الأنفاس عند البكاء. إنه يكسر الرتابة ليُشعر القارئ بأن قلب الشاعرة "يتقلب" فعلياً ولا يسير على وتيرة واحدة هادئة.
إن اختيار بحر الطويل لم يكن مجرد صدفة موسيقية، بل هو وعاء إيقاعي استوعب كل ما تطرقنا إليه سابقا.(4)حيث إن استخدام هذا الوزن الرصين يعطي لعلاقة الشاعرة بالوطن (القِبلة) طابعاً ملحمياً ووقاراً، فحب الوطن ليس "نزوة" تعبر عنها بحور قصيرة وراقصة، بل هو "قضية وجودية" تتطلب وقار الطويل وهيبته.
خاتمة
تتجلى قصيدة سارة الزين كبنية فنية متماسكة انصهر فيها الشكل الإيقاعي بالمضمون الشعوري. فجدلية "العتاب والشوق" لم تكن مجرد بوح عاطفي، بل رحلة اغتراب وجودي تحول فيها الحبيب إلى "وطن مقدس" وقيمة عليا. وقد نجحت الشاعرة في توظيف رزانة "بحر الطويل" وزفرات "القافية المضمومة" لتجسيد نَفَسٍ مكروبٍ يراوح بين كبرياء الأنفة ومرارة النوى. وبذلك، ظل النص مناجاة لغوية مفتوحة، يستعيد فيها الغريب حنينه لوطنه، ويجد فيها المحب ملاذه الأخير، محولاً الغزل التقليدي إلى رمزية وطنية وجودية بامتياز.
سعيد محتال
المغرب
***
الهوامش
(1) تشكيلات اللغة ومراوغات المعنى في التجربة الشعرية، الناقد السعودي لعلي بافقيه، مجلة الفيصل 2022.
(2)عز الدين إسماعيل، التفسير النفسي للأدب، دار العودة.ط4، 2014،ص 88 بتصرف.
(3)ابن جني، الخصائص،(تحقيق محمد علي النجار). دار الهدى للطباعة والنشر.
(4) الدكتور إبراهيم أنيس، موسيقى الشعر، المكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية 1952.
* كاتب وناقد مغربي.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
التحليل الأدبي للقصة القصيرة جدا "رصد"!! ميساء علي دكدوك
نحو تجديد ونزاهة النقد الأدبي المُزيّف والمأجور!!
الحداثة وما بعد الحداثة: لماذا أخطأنا في فهمهما؟
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...