الحداثة وما بعد الحداثة: لماذا أخطأنا في فهمهما؟
جيهان المستشار
الحداثة وما بعد الحداثة: لماذا أخطأنا في فهمهما؟
جيهان المستشار*
حين تُذكر الحداثة في الثقافة العربية، يتجه الذهن سريعاً إلى الثورة الصناعية، وعصر الأنوار، والعقلانية، والدولة الحديثة، بينما تُختزل ما بعد الحداثة في التفكيك، والنسبية، وانهيار السرديات الكبرى. هذا الفهم، على شيوعه، يواجه مشكلة أساسية؛ إذ يتعامل مع المفهومين بوصفهما حقبتين تاريخيتين، مع أن الزمن لا يفسر الأفكار، وإنما يكشف الظروف التي ظهرت فيها. ولو كان التاريخ وحده معياراً، لكانت جميع المجتمعات المعاصرة حداثية، بينما تكشف الوقائع أن كثيراً منها يعيش بمنطق ينتمي إلى قرون سابقة، كما أن بعض النصوص القديمة تحمل من الجرأة العقلية ما يجعلها أكثر حداثة من مؤسسات معاصرة.
المشكلة الحقيقية أن النقاش ظل أسيراً للسؤال: متى بدأت الحداثة؟ بينما كان ينبغي أن يتجه إلى سؤال آخر: كيف يعمل العقل الحداثي؟ فالحداثة ليست تاريخاً، وإنما طريقة في تنظيم العالم. إنها نزعة تبحث عن مركز تنتظم حوله المعرفة والسلطة والقيم. قد يكون هذا المركز العقل، كما عند إيمانويل كانط، أو التاريخ كما عند هيغل، أو العلم كما في النزعة الوضعية، أو الدولة، أو السوق. تختلف الأسماء، غير أن البنية واحدة؛ البحث عن مرجعية تمنح العالم تفسيراً شاملاً.
من هنا لم تكن الحداثة مشروعاً علمياً فحسب، وإنما مشروعاً لتوحيد الحقيقة. فكلما تعددت التفسيرات، سعت إلى اختزالها في أصل واحد، وكلما ازدادت الفوضى، بحثت عن قانون عام يرد الظواهر إلى نسق متماسك. ولهذا آمنت بالتقدم الخطي، وبإمكان السيطرة على الطبيعة، وبقدرة العقل على اكتشاف القوانين التي تحكم الإنسان والتاريخ. لقد أنتج هذا التصور منجزات هائلة في العلوم والتقنية والإدارة، غير أنه حمل في داخله ميلاً إلى تحويل الحقيقة إلى سلطة. فحين يعتقد نظام ما أنه يمتلك التفسير الصحيح للعالم، يصبح المختلف خطأً يحتاج إلى تصحيح، أو خطراً ينبغي عزله. هكذا وُلدت كثير من أشكال الإقصاء الحديثة باسم العقل والعلم والتنظيم.
أما ما بعد الحداثة، فقد قُدمت بوصفها ثورة على الحداثة، وهذا توصيف لا يحيط بالمشهد. إنها ثورة على مركز الحداثة أكثر مما هي ثورة على الحداثة نفسها. فالتقنيات الرقمية، وشبكات الاتصال، والاقتصاد العالمي، كلها امتداد للحداثة، لكن طريقة عملها لم تعد تقوم على إنتاج حقيقة واحدة، وإنما على إنتاج عدد هائل من الحقائق المتجاورة والمتصارعة. هنا لم يعد السؤال: ما الحقيقة؟ بل أصبح: من ينتج الحقيقة؟ وكيف تنتشر؟ ولماذا يصدق الناس رواية دون أخرى؟
لهذا جاءت أعمال ميشيل فوكو لتكشف أن المعرفة لا تنفصل عن السلطة، بينما أعلن جان فرانسوا ليوتار أفول السرديات الكبرى، وأظهر جاك دريدا أن النصوص لا تستقر على معنى نهائي، ورأى جان بودريار أن الصور قد تصبح أكثر حضوراً من الواقع نفسه. غير أن هذه المشاريع، على اختلافها، اشتركت في تقويض فكرة المرجع النهائي.
لكن ما بعد الحداثة وقعت في مفارقة لم تنتبه إليها. فإذا كانت الحداثة قد بالغت في الثقة بالعقل، فإن ما بعد الحداثة بالغت في الشك. وإذا كانت الأولى قد صنعت يقيناً متصلباً، فإن الثانية صنعت شكاً متصلباً. وفي الحالتين ضاع الإنسان بين يقين لا يسمح بالاعتراض، وشك لا يسمح بالاستقرار. فحين يصبح كل شيء قابلاً للتأويل، تتساوى البرهنة مع الإشاعة، ويقف العلم إلى جوار الخرافة داخل الفضاء الإعلامي نفسه، وتتحول الحقيقة إلى منتج ينافس سواه في سوق الانتباه.
لهذا أرى أن الحداثة وما بعد الحداثة لا تمثلان مرحلتين متعاقبتين، وإنما آليتين مختلفتين لإنتاج الحقيقة. الحداثة تضغط العالم حتى تخرجه في صورة تفسير واحد، وما بعد الحداثة تضغط التفسير حتى يتحول إلى عدد لا نهائي من القراءات. الأولى تنتج مركزاً يطلب الطاعة، والثانية تذيب المراكز حتى يصبح الإنسان بلا بوصلة. الأولى تخشى التعدد، والثانية تخشى الثبات.
إن الأزمة الفكرية المعاصرة لا تعود إلى انتصار إحدى المدرستين على الأخرى، وإنما إلى عجز كل منهما عن رؤية حدوده. الحداثة تجاهلت أن العقل ليس معصوماً من التحيز، وما بعد الحداثة تجاهلت أن الإنسان لا يستطيع العيش من دون معايير يحتكم إليها. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفكر اليوم لا يتعلق بالدفاع عن الحداثة أو الاحتفاء بما بعد الحداثة، وإنما بالبحث عن تصور معرفي يحفظ إمكان الحقيقة من غير أن يحولها إلى أداة هيمنة، ويصون حرية التأويل من غير أن يجعلها سبباً في انهيار المعنى.
ربما لم تعد القضية أن نكون حداثيين أو ما بعد حداثيين، وإنما أن نغادر الثنائية نفسها. فالتاريخ لا يتحرك وفق أسماء المدارس، وإنما وفق قدرة الإنسان على مراجعة يقيناته كلما تحولت إلى أصنام، وعلى الدفاع عن الحقيقة كلما تحولت الحرية إلى ذريعة لإنكارها. هنا يبدأ أفق فكري جديد، لا يستعير مفاهيمه جاهزة، ولا يكتفي بتكرار معارك فلسفية وُلدت في سياقات تاريخية مختلفة، وإنما ينطلق من سؤال أكثر عمقاً: كيف نبني معرفة قادرة على مقاومة الاستبداد من دون أن تقع في فوضى اللامعيار؟ هذا السؤال، في تقديري، يمثل المهمة الفلسفية التي لم تُنجز بعد.
*كاتبة عراقية.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
شمعدان الدموع: الطائرة كتابوت معلق في أدب المنفى!!
نحو تجديد ونزاهة النقد الأدبي المُزيّف والمأجور!!
قيامة أنثوية في عوالم مليئة بالمتناقضات..!! ريم محمد
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...