عجزٌ اسمه "الشتيمة"!!
عبد الكريم العفيدلي
عجزٌ اسمه "الشتيمة"!!
*عبد الكريم العفيدلي*
يروي الفنان الراحل إلياس خضر أنه كان يحيي إحدى حفلاته في نادي الصيد ببغداد بحضور صدام حسين عندما كان نائباً لرئيس الجمهورية. وكانت أغنية "ليل البنفسج" ممنوعة آنذاك لأن كلماتها للشاعر مظفر النواب، الذي كان على خلاف سياسي مع السلطة. يقول إلياس إنه فوجئ بورقة تصله على المسرح كُتب فيها: "أرجو غناء البنفسج مع التركيز" . وبعد انتهاء الحفل، استُدعي للسلام على صدام حسين، الذي التفت إلى وزير الثقافة لطيف الدليمي وسأله مستغرباً: "يا بَه، هاي الأغنية ليش مانعينها؟... إحنا ما يخوفنا شاعر."
بغضّ النظر عن الموقف من صدام حسين أو من مظفر النواب، فإن هذه الحكاية تطرح سؤالاً
ثقافياً يتجاوز السياسة نفسها: لماذا يخاف بعضنا من الكلمة أكثر مما يخاف من ضعف حجته؟ ولماذا يتحول الاختلاف مع شاعر أو كاتب إلى حفلة من الشتائم والسباب بدل أن يكون نقاشاً في الأفكار والنصوص؟
من حق أي إنسان أن يختلف مع مظفر النواب، أو مع أي شاعر آخر، سياسياً وفكرياً ومن حقه أن يرفض مواقفه، وأن يفندها، وأن يكتب عشرات المقالات في نقدها. لكن ليس من حقه أن يخلط بين النقد والإهانة، ولا بين الاختلاف والانحدار الأخلاقي. فحين يغيب الدليل وتحضر الشتيمة، لا يعود النقاش نقاشاً، بل يصبح اعترافاً ضمنياً بالإفلاس.
الأدب لا يُلغى بالمواقف السياسية، كما أن الموقف السياسي لا يمنح صاحبه حصانة أدبية. قد يكون الشاعر عظيماً في شعره ومختلفًا معه في رؤيته، وقد يكون العكس. لكن تقييم النص شيء، وتصفية الحسابات الشخصية شيء آخر. وهذه من أبجديات الثقافة التي يبدو أننا ننساها كلما اشتد الاستقطاب.
وليس من المصادفة أن أكثر الشعراء الذين يُشتمون هم غالباً أكثرهم تأثيراً. فالشاعر الذي لا يترك أثراً لا يثير كل هذا الغضب، أما الذي استطاعت كلماته أن تعيش في الذاكرة، فإنه يبقى حاضراً حتى في خطاب خصومه. إن الشتيمة لا تمحو القصيدة، كما أن الصراخ لا يهزم الفكرة.
المؤسف أن بعض من يتحدثون باسم الثقافة لا يواجهون القصيدة بقصيدة، ولا الفكرة بفكرة، بل يستبدلون النقد بقاموس من السباب، وكأنهم بذلك ينتصرون. والحقيقة أنهم لا ينتصرون إلا على صورتهم كمثقفين. فالمثقف يُعرف بلغته حين يختلف، لا حين يوافق، وبقدرته على احترام خصمه وهو يفند حججه، لا على إهانته.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نتفق مع هذا الشاعر أو ذاك؟ بل: هل ما زلنا نؤمن بأن الكلمة تُجابَه بالكلمة، وأن الفكر يُناقش بالفكر؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي، فالمشكلة لم تعد في الشعراء، بل في ثقافة ترى أن أسهل طريق إلى هزيمة القصيدة هو شتم صاحبها، بينما تثبت التجارب أن القصائد تبقى، أما الشتائم فتذروها أول هبة ريح.
*كاتب وشاعر سوري/ الرقة.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الثقافة والأدب
نحو تجديد ونزاهة النقد الأدبي المُزيّف والمأجور!!
نحو تجديد ونزاهة النقد الأدبي المُزيّف والمأجور!!
الثقافة والأدب
الحداثة وما بعد الحداثة: لماذا أخطأنا في فهمهما؟
الحداثة وما بعد الحداثة: لماذا أخطأنا في فهمهما؟
الثقافة والأدب
شمعدان الدموع: الطائرة كتابوت معلق في أدب المنفى!!
شمعدان الدموع: الطائرة كتابوت معلق في أدب المنفى!!
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...