التصوف كجسر إلى الإسلام في التجربة الأوروبية الحديثة..!! د. تمام كيلاني

التصوف كجسر إلى الإسلام في التجربة الأوروبية الحديثة..!! د. تمام كيلاني

التصوف كجسر إلى الإسلام في التجربة الأوروبية الحديثة..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

لم يكن دخول بعض المفكرين والكتّاب الأوروبيين إلى الإسلام قائمًا في الغالب على دراسة فقهية تقليدية أو جدل عقائدي مباشر، بل جاء عبر بوابة مختلفة: البعد الروحي الداخلي للإسلام، أي التصوف. وقد شكّل هذا المسار الروحي نقطة جذب أساسية في عالم غربي حديث يتسم بكثافة مادية عالية وضعف في المعنى الوجودي، ما جعل البحث عن “المعنى” يتقدم على البحث عن “المنظومة”.

 

لقد لعب إرث جلال الدين الرومي دورًا محوريًا في تشكيل الصورة الروحية للإسلام في المخيال الغربي، حيث قدّم الإسلام بلغة الحب الإلهي والتجربة الداخلية العميقة، بعيدًا عن الجدل النظري. كما ساهمت كتابات أبو حامد الغزالي في تعزيز هذا الفهم من خلال ربطه بين العقل والروح، وإعادة بناء العلاقة بين العلم والمعرفة القلبية والتزكية السلوكية.

 

من هنا، اتجه عدد من المفكرين الغربيين إلى التصوف بوصفه “الوجه الإنساني العميق للإسلام”، ومن أبرزهم:

 رينيه غينون: رأى في التصوف امتدادًا للحكمة التقليدية ونقدًا جذريًا للمادية الحديثة، فانعكس ذلك في مشروعه الفكري الذي ركّز على أزمة المعنى في الحضارة الغربية.

 فريتيوف شوان: تبنى رؤية تقوم على وحدة الجوهر الروحي للأديان، وكان التصوف الإسلامي أحد أهم روافد تجربته الفكرية والروحية.

 تيتوس بوركهارت: اهتم بالفن الإسلامي بوصفه تجليًا رمزيًا للحقيقة الروحية، وقرأ الجمال من منظور صوفي يجعل من الشكل مرآة للمعنى.

 مارتن لينغز: قدّم سيرة النبي الأعظم محمد بأسلوب يغلب عليه البعد الروحي والإحساني، حيث يظهر التصوف في كتاباته كمدخل لفهم السيرة بوصفها تجربة إنسانية إلهية متكاملة.

 أناماري شيمل: ركزت على الشعر الصوفي، خصوصًا أعمال الرومي، ورأت في التصوف قلب التجربة الروحية الإسلامية وأحد أهم مفاتيح فهم الإسلام ثقافيًا وروحيًا.

إدريس شاه: قدّم التصوف للجمهور الغربي بأسلوب قصصي مبسط، مع التركيز على الحكمة العملية والتجربة اليومية بدل التنظير الفلسفي.

 يُوسِف إسلام: يعكس تحوله إلى الإسلام بحثًا عن السلام الداخلي والمعنى الروحي، حيث ارتبطت تجربته بالبعد الأخلاقي والتزكوي للدين.

 تشارلز لي غاي إيتون: أبرز في كتاباته البعد الجمالي والأخلاقي للإسلام، مع حضور واضح للرؤية الروحية التي تجعل من الدين مسارًا للتحول الداخلي.

 

ويجدر التنبيه إلى أن هذا الانجذاب الغربي للتصوف لم يكن بالضرورة مرتبطًا بانتماء مباشر إلى طرق صوفية بعينها، مثل الطريقة القادرية. فمع أن الشيخ عبد القادر الجيلاني يُعد أحد أعمدة التصوف السني ومؤسسًا لواحدة من أوسع الطرق الصوفية انتشارًا في العالم الإسلامي، إلا أن تأثيره في الكتابات الغربية الحديثة كان اقل مقارنة بأسماء مثل الرومي والغزالي.

 

ويرجع ذلك إلى أن انتقال التصوف إلى الفضاء الغربي الحديث تم غالبًا عبر النصوص الأدبية والفلسفية المترجمة، لا عبر السلاسل الطرقية والتقاليد التربوية المباشرة. لذلك برز التصوف عند هؤلاء المفكرين بوصفه “فكرة روحية عامة” أكثر من كونه انتماءً لطريقة صوفية محددة، رغم أن جذوره التاريخية العميقة في الإسلام تشمل جميع هذه الطرق، بما فيها القادرية.

 

إن السبب المشترك الذي يفسر انجذاب هؤلاء إلى الإسلام لا يعود فقط إلى الإعجاب الفكري، بل إلى حاجة عميقة لمعنى روحي يتجاوز المادة. وقد قدم التصوف الإسلامي لهم هذا البعد عبر مفاهيم مثل التزكية، والإحسان، والحب الإلهي، ووحدة المعنى الوجودي.

 

غير أن هذا لا يعني أن الإسلام في التجربة الغربية يُختزل في التصوف، بل إن التصوف مثّل “البوابة الأكثر نعومة” للدخول إلى عالم الإسلام، بينما تتسع التجربة لاحقًا لتشمل أبعاده الفكرية والتشريعية والحضارية.

 

وهكذا، يمكن القول إن التصوف لم يكن مجرد تيار داخل الإسلام في نظر هؤلاء، بل كان الجسر الذي عبروا منه نحو فهم أعمق للدين، وربما نحو الإسلام نفسه 

 

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

 

 

 

 


تعليق

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!
بوابة دمشق

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!
بوابة دمشق

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي
بوابة دمشق

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...