حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

حماة وحلب… ذاكرةٌ لم تُدفن، وتاريخٌ لم يُغلق دفتر الحساب

 

 

ثمة جملة تختصر فلسفة كاملة في الحياة:

 

«اليد التي وضعت يوسف في القبر، جاءت إليه بعد بضع سنين ممدودة تقول: تصدق علينا.»

 

ليست هذه مجرد حكاية عن سيدنا يوسف عليه السلام وإخوته، وليست مجرد قصة عن ظلمٍ انتهى بالندم، وإنما هي واحدة من أعمق الصور التي تختصر فلسفة الحياة في تبدّل الأدوار وانقلاب الموازين.

 

فالإنسان حين يمتلك القوة يظن أحيانًا أنها ستبقى إلى الأبد، وحين يظلم يعتقد أن صرخة المظلوم ستضيع في الهواء، وحين يغلق باب السجن خلف إنسان يظن أن ذلك الإنسان أصبح خارج التاريخ.

 

لكن التاريخ لا ينسى.

 

والأيام لا تمحو كل شيء.

 

والقبور لا تدفن الحقيقة.

 

فاليد التي تدفع إنسانًا إلى البئر اليوم، قد تعود بعد سنوات ممدودة تبحث عن النجاة.

 

والذي يملك مفاتيح السجون اليوم، قد يجد نفسه غدًا واقفًا أمام بابٍ لا يملك مفتاحه.

 

والذي يعتقد أنه يستطيع أن يحكم الناس بالخوف إلى الأبد، قد يكتشف في لحظة واحدة أن الخوف الذي زرعه في الآخرين قد عاد إليه.

 

وهنا يبدأ الحساب.

 

ليس حسابًا بالضرورة على طريقة الانتقام، وإنما حساب التاريخ والذاكرة والعدالة.

 

سوريا… حين تغيرت الأدوار

 

ولعل سوريا واحدة من أكثر المآسي الإنسانية التي تجسد هذه الحقيقة.

 

سنوات طويلة عاش السوريون تحت سلطة غاشمة جعلت الخوف جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، وتحولت السجون إلى عناوين للغياب، وأصبح السؤال عن مصير المعتقل أخطر أحيانًا من الاعتقال نفسه.

 

كان هناك من يدخل السجن ولا يعرف أهله إن كان سيخرج منه حيًا.

 

وكان هناك من يختفي، فيتحول إلى صورة معلقة على جدار، وإلى اسم في ذاكرة أم، وإلى سؤال في قلب أب، وإلى انتظار لا ينتهي.

 

وكانت هناك أيدٍ تملك مفاتيح الزنازين، وأيدٍ أخرى ترتجف خلفها.

 

وكان السوري يسأل:

 

متى ينتهي هذا الليل؟

 

ثم جاء اليوم الذي تغير فيه المشهد.

 

سقط النظام، وفتحت أبواب السجون، ودخل الناس إلى الأماكن التي كانت يومًا رمزًا للرعب، يبحثون عن أبنائهم وعن الحقيقة وعن آثار الذين غابوا خلف الجدران.

 

في تلك اللحظة لم يكن الذي سقط مجرد نظام سياسي.

 

لقد سقط وهم كامل:

 

وهم أن القوة تستطيع أن تكون أبدية.

 

فكم من سلطة ظنت أن الأجهزة تحميها، وأن السجون تحفظها، وأن الخوف الذي زرعته في الناس سيبقى أقوى من إرادة الناس؟

 

ثم جاء الزمن ليقول:

 

لا أحد فوق التاريخ.

 

حماة… الجرح الذي لم يستطع الزمن دفنه

 

وليس من حق السوريين أن ينسوا حماة.

 

فمأساة حماة عام 1982، وما رافقها من قتل واسع وتدمير وتهجير، ستبقى واحدة من أكثر الصفحات سوادًا في التاريخ السوري الحديث. وقد اختلفت التقديرات كثيرًا حول عدد الضحايا، وتذكر بعض المصادر أرقامًا تجاوزت أربعين ألفًا، فيما يصعب تحديد رقم نهائي بسبب طبيعة الأحداث والغياب الطويل للتوثيق المستقل.

 

لكن هل الرقم هو القضية؟

 

لا.

 

فالشهيد ليس رقمًا.

 

وراء كل رقم إنسان.

 

وراء كل إنسان أمٌّ انتظرت، وأبٌ انكسر، وزوجةٌ بقيت وحدها، وطفلٌ كبر وهو يحمل سؤالًا لا جواب له.

 

وحين أفكر في حماة، أتذكر زيارتي الشخصية لها.

 

لقد تأثرت كثيرًا وأنا أتجول في المدينة وأرى المعالم والآثار التي ما زالت تحمل آثار الدمار، وبعضها ظل تحت الأنقاض أو بقيت فيه ندوب تلك المرحلة.

 

لم أشاهد حجارة فقط.

 

شعرت أنني أقف أمام ذاكرة مدفونة.

 

أمام مدينة حاول النظام الأسدي أن يمحو ملامحها، وأن يقتل الإنسان والمكان والذاكرة في اللحظة نفسها.

 

وقفت أمام تلك الآثار وشعرت أن الحجارة نفسها تتحدث.

 

كأنها تقول:

 

هنا كانت حياة.

هنا كان أناس.

هنا مر الألم.

وهنا بقيت الحقيقة.

 

ومنذ تلك الزيارة أصبحت حماة بالنسبة لي أكثر من اسم في كتاب التاريخ.

 

أصبحت شاهدًا.

 

ولهذا أقول:

 

حماة يجب ألا تُنسى.

 

وشهداؤها يجب ألا يتحولوا إلى أرقام.

 

ويجب أن تبقى ذاكرتهم حاضرة في وجدان سوريا، وأن تصل العدالة إلى كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم التي ارتكبت بحق أهلها.

 

فقد يموت بعض الجلادين، كما مات رفعت الأسد، لكن موت الجلاد لا يعني موت القضية.

 

القبر قد يغلق على الجسد، لكنه لا يغلق ملف الجريمة.

 

الغوطة… حين صار الهواء نفسه قاتلًا

 

ثم جاءت الغوطة.

 

ذلك الاسم الذي كان يمكن أن يكون اسمًا آخر لحديقة دمشق، أصبح في ذاكرة السوريين مرتبطًا بالموت الجماعي.

 

في 21 آب 2013، وثقت بعثة الأمم المتحدة استخدام أسلحة كيميائية على نطاق واسع في منطقة الغوطة، وخلص التحقيق الأممي إلى وجود أدلة واضحة ومقنعة على استخدام صواريخ تحمل غاز السارين في عين ترما والمعضمية وزملكا، كما ثبت تعرض أشخاص للسارين من خلال العينات الطبية والبيئية. ووصفت الأمم المتحدة استخدام الأسلحة الكيميائية بأنه جريمة حرب وانتهاك جسيم للقانون الدولي.  

 

لكن وراء كل تقرير أممي كانت هناك وجوه.

 

أطفال ناموا ولم يستيقظوا.

 

أمهات حملن أبناءهن بدل أن يحمل الأبناء أمهاتهم.

 

أطباء ومسعفون حاولوا إنقاذ من يمكن إنقاذه.

 

وعائلات لم تكن تعرف كيف تشرح لطفلٍ آخر معنى أن يموت أخوه وهو نائم.

 

الغوطة ليست مجرد حادثة عسكرية.

 

إنها جرح في الضمير الإنساني.

 

وفي عام 2026 ذكّرت الأمم المتحدة مجددًا بأن هجوم الغوطة أدى إلى مقتل أكثر من ألف شخص اختناقًا بالغاز، وأن آلافًا آخرين ظلوا يعانون من آثار صحية طويلة الأمد جراء الهجمات الكيميائية.  

 

فكيف يمكن أن ننسى؟

 

كيف يمكن أن نطلب من أم الغوطة أن تنسى؟

 

كيف يمكن لطفل فقد أسرته أن يطوي الصفحة؟

 

وكيف يمكن لمدينة شهدت الموت أن تقول إن كل شيء انتهى؟

 

لا.

 

بعض الصفحات لا يجوز طيها قبل أن تُقرأ كاملة.

 

حمص… المدينة التي دفعت ثمن وقوفها

 

ثم حمص.

 

حمص التي وقفت في وجه الظلم، ودفع أهلها ثمنًا باهظًا.

 

حمص التي عاشت القصف والحصار والخوف، والتي أصبحت رمزًا من رموز الثورة السورية، وحيث لم تكن البيوت وحدها التي تُهدم، وإنما كانت حياة كاملة تتعرض للتدمير.

 

وحين نتذكر حمص، نتذكر كل مدينة سورية قالت في لحظة ما:

 

لا للظلم.

 

نتذكر درعا، حيث بدأت الشرارة الأولى.

 

نتذكر دمشق وريفها.

 

نتذكر حلب.

 

نتذكر إدلب.

 

نتذكر دير الزور.

 

نتذكر اللطامنه 

 

نتذكر داريا.

 

نتذكر دوما.

 

نتذكر القصير.

 

نتذكر جسر الشغور.

 

ونتذكر كل قرية وبلدة ومدينة وقف أهلها في وجه الاستبداد، ودفعوا من دمائهم وأعمارهم وبيوتهم ثمنًا لذلك.

 

قد تختلف التفاصيل من مدينة إلى أخرى، وقد تختلف الروايات السياسية، لكن هناك حقيقة لا يمكن محوها:

 

السوريون دفعوا ثمنًا هائلًا في سبيل أن يعيشوا أحرارًا.

 

حلب الشهباء… حين تصبح الحجارة شهودًا

 

ولم تكن حماة وحدها التي تركت أثرًا عميقًا في نفسي.

 

في زيارتي الأخيرة إلى حلب الشهباء، شعرت بثقل التاريخ بطريقة مختلفة.

 

حلب ليست مدينة عادية.

 

إنها واحدة من أقدم مدن العالم، مدينة الأسواق والخانات والبيوت القديمة، مدينة اختلط فيها التاريخ بالحياة اليومية، وحفظت حجارتها ذاكرة أجيال متعاقبة.

 

ولهذا كان مؤلمًا بالنسبة لي أن أرى بأم عيني حجم الدمار الذي أصاب أحياء المدينة القديمة ومعالمها التاريخية.

 

تأملت الأبنية المهدمة، ووقفت أمام الحجر الذي كان يومًا جزءًا من بيت أو سوق أو خان أو مسجد او كنيسه ، وشعرت أنني لا أقف أمام دمار مادي فقط.

 

كنت أقف أمام ذاكرة مدمرة.

 

فحين يُهدم بيت قديم لا تسقط الحجارة وحدها.

 

تسقط معها قصة عائلة.

 

وحين يُدمر سوق تاريخي لا تضيع الدكاكين فقط.

 

تضيع أصوات الباعة، وروائح المكان، وخطوات الأجداد، وذكريات أجيال.

 

ولهذا شعرت وأنا أتنقل في حلب أن الحجارة نفسها أصبحت شهودًا.

 

كأنها تقول:

 

نحن أيضًا كنا ضحايا.

 

حلب لا تحتاج إلى الرثاء فقط.

 

تحتاج إلى أن تنهض.

 

لكن إعادة بناء حلب لا تعني إعادة الحجارة فقط؛ بل إعادة روح المدينة، وحماية تراثها، وتوثيق ما دُمر، وحفظ ما بقي.

 

لأن من يدمر الإنسان والمكان معًا يحاول في الحقيقة أن يدمر المستقبل.

 

لكن المستقبل يستطيع أن ينتصر.

 

بإعادة البناء.

وبالذاكرة.

وبالعدالة.

 

حين يدخل الجلاد قاعة المحكمة

 

وهنا نصل إلى الفصل الذي يجعل هذه المقالة أكثر من مجرد استعادة للذاكرة.

 

لأن دفتر الحساب السوري لم يعد مجرد استعارة فلسفية.

 

لقد بدأ يدخل قاعة المحكمة.

 

في 11 آب 2026، أصدرت محكمة سورية أحكامًا بالإعدام بحق بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب وعدد من المسؤولين السابقين، في قضايا تضمنت جرائم قتل وتعذيب وحرمان من الحرية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وكان عاطف نجيب هو المتهم الوحيد من هذه المجموعة الذي حوكم حضوريًا، بينما صدرت الأحكام بحق بشار وماهر وغيرهما غيابيًا.  

 

وهنا تصبح صورة يوسف أكثر وضوحًا.

 

اليد التي كانت تمتلك مفاتيح السجن أصبحت أمام المحكمة.

 

والذي كان يملك سلطة القرار أصبح اسمه يُقرأ في قرار قضائي.

 

والذي كان يعتقد أن الضحية ستبقى ضعيفة، اكتشف أن الضحية لم تختفِ.

 

لقد بقيت في ذاكرة الناس.

 

وبقيت في الملفات.

 

وبقيت في الشهادات.

 

وبقيت في القبور.

 

وبقيت في المدن المدمرة.

 

وبقيت في عيون الأمهات.

 

واليوم بدأت تقف أمام القضاء.

 

ولا ينبغي أن تكون هذه المحاكمات مناسبة للشماتة.

 

بل يجب أن تكون مناسبة لتأسيس دولة جديدة.

 

دولة تقول بوضوح:

 

لا أحد فوق القانون.

 

لا رئيس.

 

لا وزير.

 

لا قائد أمني.

 

لا ضابط.

 

لا مسؤول.

 

لا ملياردير.

 

ولا صاحب نفوذ.

 

القانون فوق الجميع.

 

والأحكام التي صدرت بحق بعض رموز النظام السابق ليست نهاية الطريق.

 

إنها بداية الطريق.

 

فنحن بانتظار أحكام عادلة بحق كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم التي ارتكبت بحق السوريين.

 

ننتظر العدالة لحماة.

 

وللغوطة.

 

ولحمص.

 

ولحلب.

 

ولدرعا.

 

ولكل المدن والقرى التي دفعت من دمائها ثمن الوقوف في وجه الظلم.

 

ننتظر العدالة للمعتقلين.

 

وللمفقودين.

 

ولأسر الشهداء.

 

وللأطفال الذين كبروا قبل أوانهم.

 

العدالة ليست انتقامًا

 

لكن علينا أن نكون واضحين:

 

العدالة ليست انتقامًا.

 

والقصاص ليس فوضى.

 

والمحاكمة ليست ثأرًا.

 

إذا أردنا لسوريا أن تتخلص فعلًا من إرث الاستبداد، فلا يجوز أن نعيد إنتاجه باسم الانتقام.

 

ليس المطلوب أن يتحول المظلوم إلى جلاد.

 

بل المطلوب أن يصبح القانون أقوى من الجلاد.

 

أن تكون المحاكم عادلة.

 

أن تكون الأدلة هي أساس الأحكام.

 

أن يُحاسب من تثبت مسؤوليته، لا من ينتمي إلى جماعة أو منطقة أو طائفة.

 

فإذا استبدلنا جلادًا بجلاد، لم تتغير سوريا.

 

أما إذا استبدلنا منطق القوة بمنطق القانون، فهنا يبدأ التغيير الحقيقي.

 

المال لا يمحو الدم

 

وهناك ملف آخر يجب ألا يضيع وسط ضجيج السياسة:

 

أموال الشعب السوري.

 

فإذا أثبت القضاء أن أموالًا أو عقارات أو شركات أو حسابات مصرفية في فرنسا أو إسبانيا أو سويسرا أو غيرها قد نتجت عن الفساد أو النهب أو الاستيلاء غير المشروع على المال العام، فيجب أن تخضع للتحقيق والملاحقة وفق القانون.

 

لا يكفي أن يموت الجلاد.

 

ولا يكفي أن يصدر الحكم.

 

فالعدالة تكتمل عندما يُكشف أين ذهبت الأموال، ومن استفاد منها، وتُسترد الأموال التي يثبت أنها مسروقة أو منهوبة.

 

لا يمكن أن يكون الضحية قد فقد بيته وأبناءه ومستقبله، بينما يعيش من ثبتت مسؤوليته عن نهب المال العام في قصر أو فندق فاخر على شاطئ أوروبي.

 

المال لا يشتري البراءة.

 

والجواز الأجنبي لا يمحو الجريمة.

 

والحدود لا ينبغي أن تكون ملاذًا للإفلات من العدالة.

 

حين ينهض الموتى

 

وهنا نعود إلى يوسف.

 

اليد التي دفعته إلى البئر كانت تظن أن القصة انتهت.

 

لكنها لم تنتهِ.

 

حماة لم تنتهِ.

 

الغوطة لم تنتهِ.

 

حمص لم تنتهِ.

 

حلب لم تنتهِ.

 

درعا لم تنتهِ.

 

ولا كل مدينة سورية قالت يومًا: كفى للظلم.

 

قد يموت الشاهد.

 

وقد يموت الجلاد.

 

وقد تتغير الأنظمة.

 

وقد تسقط القصور.

 

لكن الحقيقة تبقى.

 

الموتى لا ينهضون بأجسادهم لمحاكمة جلاديهم.

 

ينهضون بأسمائهم.

 

بصورهم.

 

بشهادات أهلهم.

 

بقبورهم.

 

بالمعتقلات التي خرج منها الناجون.

 

بالمدن التي بقيت تحمل آثار القصف.

 

بالحجارة التي ما زالت شاهدة.

 

وبملفات المحاكم.

 

حين يُذكر اسم الضحية أمام اسم الجلاد، يكون الميت قد نهض.

 

وحين يُقرأ الحكم أمام المحكمة، يكون التاريخ قد فتح صفحة جديدة.

 

وحين تعرف أمٌّ أن ابنها لم يعد مجرد رقم، بل أصبح جزءًا من قضية وعدالة وذاكرة، تكون الحقيقة قد بدأت تنتصر.

 

لا تجعل عدالتك نسخة من ظلمهم

 

لذلك لا ينبغي للمظلوم أن يجعل حياته رهينة انتظار سقوط من ظلمه.

 

قد يأتي الحساب.

 

وقد لا نراه بأعيننا.

 

وقد يأتي أسرع مما نتوقع.

 

وقد يتأخر حتى نظن أنه لن يأتي.

 

لكن القدر أوسع من رغباتنا، وأعمق من قدرتنا على فهمه.

 

قد يجعل القوي ضعيفًا.

 

والسجان سجينًا.

 

ومن كان يطلب الرحمة ممن ظلمه، يقف يومًا في موضع يستطيع فيه أن يمنحها.

 

وهنا يكون الامتحان الحقيقي:

 

ليس امتحان المظلوم حين يُظلم، بل امتحانه حين يصبح قادرًا على الظلم.

 

اليد التي وضعت يوسف في القبر، عادت يومًا ممدودة تقول:

 

«تصدق علينا.»

 

وهذه ليست فقط قصة إخوة.

 

إنها قصة كل ظالم ظن أن ضحيته ستبقى ضعيفة.

 

وكل سلطة ظنت أنها أبدية.

 

وكل إنسان نسي أن الزمن لا يحفظ لأحد مكانه.

 

ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن تفعله سوريا اليوم ليس أن تنتقم من ماضيها، وإنما أن تتعلم منه.

 

أن تجعل دماء الشهداء أساسًا لدولة القانون.

 

أن تجعل عذابات المعتقلين سببًا لتحريم التعذيب إلى الأبد.

 

أن تجعل خراب حلب وحماة وحمص والغوطة درسًا في حماية الإنسان والمدن.

 

أن تجعل قبور الضحايا شاهدًا على عهد جديد لا يستطيع فيه أحد أن يفعل ما فعله الجلادون.

 

دعوا التاريخ يحاسب.

 

ودعوا القضاء يحكم.

 

ودعوا الحقيقة تظهر كاملة، مهما كانت مؤلمة.

 

فلا عدالة بلا حقيقة.

 

ولا مصالحة بلا ذاكرة.

 

ولا دولة بلا قانون.

 

ولا مستقبل بلا إنصاف للضحايا.

 

وحينها فقط يمكن أن نقول إن الموتى نهضوا فعلًا.

 

نهضوا من تحت الأنقاض.

 

ومن خلف أبواب السجون.

 

ومن بين صور المفقودين.

 

ومن ذاكرة الأمهات.

 

ونهضوا ليقولوا:

 

لم نكن أرقامًا.

لم نكن حوادث عابرة.

لم نكن ضحايا بلا أسماء.

كنا بشرًا… وكان لنا حق في الحياة.

 

ولعل أجمل انتصار لهم أن تقوم سوريا التي حلموا بها:

 

سوريا التي لا يخاف فيها الإنسان من السجان، ولا يخاف فيها الحاكم من القانون، ولا يحتاج فيها المظلوم إلى يدٍ تنتقم له، لأن العدالة أصبحت هي اليد التي تحمي الجميع.

 

فأعظم انتصار على الجلاد ألا تصبح جلادًا مثله.

 

وأجمل انتقام من الماضي أن تبني مستقبلًا لا يستطيع الماضي أن يتكرر فيه.

 

حماة لا تنسى.

الغوطة لا تنسى.

حمص لا تنسى.

حلب لا تنسى.

درعا لا تنسى.

وسوريا كلها لا ينبغي أن تنسى.

 

لأن الذين دُفنوا تحت التراب قد غابوا عن أعيننا، لكنهم لم يغيبوا عن التاريخ.

 

وحين ينهض الموتى لمحاكمة جلاديهم، لا يكون ذلك انتقامًا من الماضي… بل ولادةً لمستقبل لا يستطيع فيه الجلاد أن يكرر نفسه.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.


تعليق

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي
بوابة دمشق

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!
بوابة دمشق

واقعية الحكاية والسرد في روايتي عائشة قسوم

واقعية الحكاية والسرد في روايتي عائشة قسوم
بوابة دمشق

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!
بوابة دمشق

الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن

الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن
بوابة دمشق

"نزاز"... أنا ابن الحكاية من ألفها إلى ألفها..!!عمر محمد جمعة

"نزاز"... أنا ابن الحكاية من ألفها إلى ألفها..!!عمر محمد جمعة
بوابة دمشق

الحكمة ضالة المؤمن.. دروس من العالم لإعادة بناء سوريا !! د. تمام كيلاني

الحكمة ضالة المؤمن.. دروس من العالم لإعادة بناء سوريا !! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...