نحن العرب والمسلمين... وعشوائيات الفكر!!
نحن العرب والمسلمين... وعشوائيات الفكر!!
ماجدة شريف*
قد تكون العشوائيات التي تُبنى من الإسمنت والحديد أقل خطرًا من تلك التي تُبنى داخل العقول. فالأولى تشوه المدن، أما الثانية فتشوّه الإنسان، وتُربك البوصلة، وتُعطّل القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين الرأي والمعرفة، وبين النقد والعداء. وما أكثر العقول التي ازدحمت بالأفكار كما تزدحم الأزقة الضيقة بالمباني المتلاصقة؛ لا نظام يجمعها، ولا منهج يهذبها، ولا عقل ينظم حركتها.
إن الأزمة الكبرى التي تواجه جانبًا من واقعنا العربي والإسلامي ليست ندرة الموارد، ولا قلة الطاقات، ولا غياب التاريخ، بل اضطراب في بناء الوعي، واختلال في ترتيب الأولويات. نختلف قبل أن نفهم، ونحكم قبل أن نقرأ، وننحاز قبل أن نتبين. أصبح الانفعال أسرع من التفكير، وأصبحت المواقف تُصنع أحيانًا في لحظات، بينما تحتاج الحقيقة إلى صبرٍ وبحثٍ وتأمل.
لقد ورثنا حضارةً كان العقل فيها منارة، وكانت المعرفة قيمةً عليا. من مكتباتٍ عامرة، إلى مدارسَ وجامعاتٍ، إلى علماء لم يخشوا السؤال ولم يهابوا المراجعة. لم تكن نهضتهم وليدة المصادفة، بل ثمرة إيمانٍ بأن العقل نعمة، وأن الجهل ليس قدرًا، وأن السؤال بداية الطريق إلى اليقين.
لكننا، في كثير من الأحيان، اكتفينا بترديد أسماء أولئك العظماء، بدل أن نسير على خطاهم. أصبحنا نحتفل بالماضي أكثر مما نصنع الحاضر، ونستدعي أمجاد الأسلاف كلما عجزنا عن مواجهة تحديات الواقع. ولا تبني الأمم مستقبلها بالحنين وحده، بل بالعمل المتواصل، والنقد الصادق، والشجاعة في الاعتراف بالتقصير.
إن عشوائيات الفكر تظهر حين تتحول الشائعة إلى حقيقة، وحين يصبح عدد المشاركات دليلًا على الصدق، وحين يُستبدل الدليل بالصوت المرتفع، ويُستبدل الحوار بالتخوين، ويُصبح الاختلاف سببًا للقطيعة بدل أن يكون بابًا للتكامل. والأسوأ من ذلك أن بعض الناس يرفض مراجعة فكرةٍ عاش معها سنوات، وكأن الاعتراف بالخطأ هزيمة، مع أن الرجوع إلى الحق انتصار للعقل والضمير.
ومن أخطر ما أصاب حياتنا الفكرية أن كثيرًا من الناس بات يستهلك المعرفة ولا ينتجها، ويحفظ الآراء ولا يناقشها، ويكرر ما يسمع دون أن يسأل عن مصدره أو دليله. وهكذا تتراكم الأفكار في الذهن كما تتراكم الأنقاض في مدينة مهملة؛ فلا يعود العقل قادرًا على التمييز بين ما ينبغي الاحتفاظ به وما يجب التخلص منه.
إن ديننا لم يجعل التفكير ترفًا، بل مسؤولية. ولم يجعل العقل تابعًا للهوى، بل حاكمًا عليه. وقد امتلأ القرآن الكريم بدعوات إلى التفكر والتعقل والتدبر والنظر، لأن الإيمان الذي يخشى السؤال إيمان هش، أما الإيمان الذي يزداد رسوخًا بالعلم فهو الذي يبني الحضارات.
وليس من الإنصاف أن نعمم هذا الوصف على جميع العرب والمسلمين، ففي أمتنا علماء ومفكرون ومبدعون وباحثون يضيئون الطريق، ويؤكدون أن بذور النهضة لا تزال حية. غير أن هذه النماذج تحتاج إلى بيئة تحتضنها، وإلى مؤسسات تفتح أمامها أبواب الإبداع، لا أن تتركها تقاوم وحدها تيارات الجهل والتعصب والسطحية.
إن نهضتنا لن تبدأ من برج شاهق، ولا من طريق سريع، ولا من مشروع اقتصادي ضخم، مهما كانت أهميته. فالنهضة الحقيقية تبدأ عندما يصبح السؤال فضيلة، والقراءة عادة، والنقد ثقافة، والاختلاف احترامًا متبادلًا، والعلم معيارًا للتقدير، لا مجرد شهادة تُعلّق على الجدران.
إن عشوائيات الفكر لا تهدمها الجرافات، بل تهدمها المدارس التي تعلم كيف نفكر، لا ماذا نفكر. وتهدمها الجامعات التي تصنع الباحث لا الحافظ، والإعلام الذي يزرع الوعي بدل الإثارة، والأسرة التي تربي أبناءها على الحوار لا على الخوف، وعلى الاقتناع لا على الإذعان.
ولعل أعظم معركة تخوضها الأمم ليست معركة الحدود، بل معركة الوعي. فمن انتصر فيها امتلك القدرة على صناعة مستقبله، ومن هُزم فيها بقي أسيرًا لغيره، مهما امتلك من ثروات أو تفاخر بتاريخ طويل.
إننا لا نحتاج إلى جلد الذات، ولا إلى تمجيدها، بل إلى مصارحة صادقة. فالنقد الذي يهدف إلى الإصلاح هو أرقى صور الانتماء، والاعتراف بالخلل هو أول خطوة نحو تجاوزه. وما دام في هذه الأمة عقل يفكر، وقلم يكتب، وقلب يؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل، فإن الأمل باقٍ، والنهضة ممكنة، والطريق إلى الخروج من عشوائيات الفكر سيظل مفتوحًا لمن أراد أن يسلكه.
*كاتبة عراقية/ فيينا.
إقرأ أيضًا
علي جعفر العلاق... جائزة النيل تتوج شاعرًا جعل من القصيدة وطنًا للإنسان والذاكرة!
الملكة المثيرة للجدل… بين بناء الإمبراطورية ونقض العهود!
الموريسكيون في إسبانيا دراسة تاريخية في الذاكرة والهوية والتحولات المعاصرة..!! د. تمام كيلاني
أوروبا والمسلمون… حين يصبح سؤال المستقبل أكبر من سؤال الاندماج..!! د. تمام كيلاني
من النشر إلى التأثير.. منتدى دولي في فيينا يعيد تعريف البحث العلمي!
ليس كل سوري خبرًا سيئًا… عندما تصبح الصورة الناقصة خطرًا على المجتمع..!! د. تمام كيلاني
المكتب الثقافي المصري في فيينا.. دبلوماسية ثقافية ترسّخ الحضور المصري في أوروبا!!
Persönlichkeiten, die den Weg der islamischen Präsenz in Europa geprägt haben Omar Al-Rawi … Ein Lebensweg im Zeichen von Teilhabe, Dialog und gesellschaftlicher Verantwortung
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...