قراءة لقصيدة "فراغ" للكاتبة روعة سنوبر ..!! طه عبد الرحمن
قراءة لقصيدة "فراغ" للكاتبة روعة سنوبر ..!!
طه عبد الرحمن*
قراءة لقصيدة "فراغ" للكاتبة روعة سنوبر ..!! طه عبد الرحمن
رماد الأجنحة المعلقة: حين يغدو الفراغ كائناً يتنفس في مقبرة الجسد
في البدء كان الفراغ، لا كغيابٍ بسيط، بل كحضورٍ طاغٍ يمتلك من الكثافة ما يجعل الأشياءَ كلَّها هامشاً حول متنه المظلم. ثم جاءت القصيدة، لا لتكتب عن هذا الفراغ، بل لتُسكنه اللغةَ، فيصير الكلامُ جسداً للعدم، وتغدو الحروفُ توابيتَ صغيرةً للمعنى المقتول منذ اللحظة الأولى. روعة سنوبر، في نصها "فراغ..!!"، لا تصفُ حالاً وجوديةً عابرة، بل ترتكبُ اغتيالاً ميتافيزيقياً كاملاً: إنها تقتل فكرة "الامتلاء" جذرياً، ثم تقيم على جثتها طقوسَ حدادٍ لا تنتهي، حدادٍ يتحول فيه النائحُ إلى بكاء، والباكي إلى فراغ، والفراغ إلى الكائن الوحيد الذي يستحقُّ علامتي تعجب في كونٍ أخرس.
إن العنوان، في نحته البصري والصوتي، ليس مدخلاً إلى النص، بل هو النصُّ وقد تكثف في طلقةٍ نارية. كلمة "فراغ" وحدها كانت ستكون وصفاً، لكن اقترانها بـ"..!!" يحولها إلى انفجار، إلى ثقب أسود يبتلع ما قبله وما بعده. النقطتان توحيان باستمرارية العدم قبل التسمية، وعلامتا التعجب تعلنان عن لحظة اكتشاف مروّعة: أن الفراغ ليس ما نعيش فيه، بل هو ما يعيش فينا، وما يوشك أن يتكلم بلساننا. إنها بلاغةُ الصدمة المؤجلة، حيث تصل إلى المعنى بعد أن تكون قد اخترقتك هيئةُ العنوان كجملةٍ عصبية متشنجة.
تبدأ القصيدة بفعل الحركة المستمر "تَمُرُّ"، وهو فعلٌ يوحي بالعبور الخاطف، لكنه هنا مشدودٌ إلى استعارة "مَرَّ السحاب" التي تقلبُ دلالة السرعة إلى بطءٍ مهيب. السحابُ يمرُّ ثقيلاً، متلبّداً، شاهداً على عجز السماء عن الإنجاب. وأرواحُنا "المعلقة" ليست معلقةً بين الأرض والسماء، بل في "أصقاع السماء"، وهنا تكمن الرهبة: الأصقاع هي الهوامش النائية، أطراف الأطراف، حيث لا مركز إلا التشرّد المطلق. السماءُ، ذلك الرمز القديم للسمو والتعالي، تتحول إلى سجنٍ شاسع، إلى منفى أزرق لا جدران له، مما يجعل الأسر بلا قضبان هو أقسى أنواع الأسر، لأنك لا تستطيع حتى أن تحلم بكسر ما لا يُرى. و"محلقةً بلا أجنحة" ليست صورةً عن العجز، بل عن الكارثة المضاعفة: إنها أرواح تمتلك غريزة التحليق (الإرادة، الشوق، الذاكرة) لكنها جُرّدت من أداته، فصارت تحترق في حركةٍ عبثية تشبه دوران الفراش حول شعلةٍ ميتة. هذا هو التعذيب الميتافيزيقي الأقصى: أن تُمنح الرغبة في الحرية وتُسلب منك آليتها في آنٍ واحد.
ثم تأتي الضربة المركزية التي تقلب نظام الكون: "تدورُ الأرضُ بداخلِنا". ليست هذه استعارةً مكانية، بل هي زلزالٌ أنطولوجي يعيد تعريف العلاقة بين الذات والموضوع. نحن لم نعد كائناتٍ تعيش على كوكب، بل صرنا الكوكبَ المعذَّب الذي يدور في مدار من اللحم والدم. الأرض، بجاذبيتها وقوانينها وثقلها المادي، تنتقل إلى الداخل، لتصبح هي المركز المُرَوّع لوجودنا، تجعل من أحشائنا مسرحاً لدورتها الأبدية العمياء. "تزلزلنا" ليس زلزالاً طبيعياً يحدث لنا، بل هو الزلزال الذي نصيرُه، نحن الرجفةَ ذاتها. "تبعثرُ النبض" يعني تحطيم الإيقاع الوحيد الذي يؤكد أننا أحياء، ليصبح النبضُ شظايا متناثرة في كهوف الصدور. ثم الذروة في "تنشقُّ وتَبْتَلِعُنا": الأرض التي دخلتنا تنقلب إلى وحش جيولوجي، تنفطر كرحم معكوس، لا لتلدنا بل لتردّنا إلى عدم أسبق من الولادة. إنه ابتلاع من الداخل، حيث يصبح الجسدُ فماً لابتلاع نفسه، قبراً يحفر ذاته في تربة الروح. هذه الصورة المركبة تبلغ حدّ الأسطورة المقلوبة، أسطورة الخلق المعكوس حيث تنتهي الحياة لا بموت الجسد، بل بموت الجسد داخل الجسد.
في المقطع الثاني، تنتقل الشاعرة من فيزياء العذاب إلى كيميائه، إلى مختبر الامتزاجات المحرمة: "نختلطُ بأنفسِنا". هذا الفعل "نختلط" هو جوهر الاغتراب، إنه فقدان الحدود بين الذات وذاتها، بين الأنا والآخر الداخلي، حتى يصير المرء غريباً في المرآة، غريباً في صمته، غريباً في دمه. والامتزاج لا يحدث بين عناصر متجانسة، بل بين "الوجع" و"الدموع" و"الذكرى" و"أوراق الشجر" و"العتمة المتجلية" و"المسافات البعيدة". هذه القائمة ليست تراكماً بل هي تشريحٌ طبقي للعدم: الوجع هو الإحساس، والدموع هي التعبير، والذكرى هي الزمن المنهار، وأوراق الشجر هي الطبيعة الشاهدة، والعتمة المتجلية هي النور المظلم، والمسافات البعيدة هي المكان المسحوق. "العتمة المتجلية" وحدها تستحق وقفةً مطولة: إنها أوكسيـمورون وجودي من الطراز الأعلى، حيث تصير الظلمة لا مستنيرة (فذلك سيكون أملاً زائفاً) بل "متجلية"، أي حاضرة حضوراً كاملاً، مرئية وضوحاً يفضح عجز النور. الظلمة هنا ليست غياب النور، بل هي كيان قائم بذاته، وجهٌ أسود يتأمله الرائي حتى يفقد بصره. وفي هذا الامتزاج تولد "أمنية عابثة" – والأمنية هنا ليست رغبة في شيء، بل هي الرغبة في اللا شيء، العبث المحض الذي "يتهوه"، أي يتخبط في تيه النطق، يبحث عن اسمه في خراب اللغة. وصفها بـ"بلا عينين، بلا قلب، بلا جسد" ليس سلباً للخصائص، بل هو تطهير مطلق، حيث تصل الأمنية إلى درجة النقاء الصفري، لا ترى ولا تشعر ولا تتحقق، ومع ذلك فهي موجودة، وهذه هي الفاجعة.
"وما ذنبُها أرواحُنا كي تغتربَ عن الجسد؟" – السؤال هنا ليس استفهاماً بحثاً عن إجابة، بل هو صرخة في فراغ المحكمة الكونية، هو اعتراض على حكم صدر قبل الخلق. كلمة "ذنب" تنقلنا من دائرة الوجود إلى دائرة الأخلاق، متسائلة عن جريمة لم تُرتكب، عن خطيئة أصلية لا دين لها. "تغترب عن الجسد" هي العبارة المفتاحية: نحن لا نغترب عن وطن أو حبيب أو فكرة، بل عن الجسد نفسه، عن الحقيقة البيولوجية الوحيدة. الجسد الذي كان ملاذاً صار منفى، بل صار الاغتراب عنه هو حالة الوجود الدائم. إنها مأساة من الدرجة الصفر: حتى الجسد لم يعد وطناً، فأي منفى ينتظرنا بعد هذا؟
ثم يحدث الانقلاب الأعظم، انقلاب العناصر الطبيعية من خارج إلى داخل: "يغوص المحيطُ في أعماقنا". نحن لسنا الغرقى في المحيط، بل المحيط هو الغريق فينا. إنها صورة تمنح الفراغ الداخلي قوة جاذبة تفوق قوة الطبيعة، حيث تصير ذواتنا هوة
فراغ..!! روعة سنوبر
وتَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ أرواحُنا المُعلَّقةُ،
تهيمُ في أَصقاعِ السماءِ مُحَلِّقةً بلا أَجنحةٍ.
تدورُ الأرضُ بداخلِنا، تَزلزلُنا،
تُبعثِرُ النَّبضَ في قلوبِنا، ثمَّ تَنشقُّ
وتَبتلِعُنا.
نختلطُ بأنفسِنا، فيَمتزجُ الوَجَعُ بالدُّموعِ،
بالذِّكرى، بأَوراقِ الشَّجرِ،
بالعُتمةِ المُتجلِّيةِ، بالمسافاتِ البَعيدةِ، هناكَ،
حيثُ تَتَهَوَّهُ أُمنيةٌ عابثةٌ
بلا عَينينِ، بلا قلبٍ، بلا جسدٍ.
وما ذَنبُها أرواحُنا كي تَغتربَ عن الجسدِ؟
يَغوصُ المُحيطُ في أَعماقِنا مُتثاقِلًا،
مُترنِّحةً أَمواجُه السُّكرَى،
ثمَّ يَعودُ قافلًا من حيثُ أَتى.
تَردُمُنا الرِّياحُ برِمالٍ من الصَّحراءِ،
فتُصبحُ شَواطئُنا عَطشَى.
يَعودُ الفَراغُ فيَملؤُنا،
يُباغِتُنا انتظارُ الوقتِ،
ويمضي الزَّمنُ مُسرعًا دونَنا...
* كاتب وناقد فلسطيني.
تعليق / الرد من
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...