قراءة نقدية لقصة " أشباهي التسع والثلاثون" للكاتبة سميرة جدي..!! مصطفى العقاد

أشباهي التسع والثلاثون

قراءة نقدية لقصة " أشباهي التسع والثلاثون" للكاتبة سميرة جدي..!!

 

مصطفى العقاد*

 

 

تتجسد في قصة “أشباهي التسع والثلاثون” للكاتبة الجزائرية “سميرة جدي” بنية سردية تتجاوز الحكاية التقليدية المباشرة لتلامس تخوم الفلسفة الوجودية وعلم النفس العميق. وتتخذ الكاتبة من المثل الشعبي السائر “يخلق من الشبه أربعين” منطلقًا تخييليًا تنفذ عبره إلى أعماق النفس البشرية، محولة التشابه العضوي والجسدي إلى استعارة كبرى تحاكي تعدد المسارات الممكنة في الحياة.

 

النص يشتغل بآلية المرايا المتقابلة، حيث لا ترى البطلة في أشباهها انعكاسًا لملامحها الخارجية وإنما تجسيدًا لاختياراتها المؤجلة, وتاريخها غير المكتوب، وعديد من أمورها التي رسمتها قرارات التردد والخوف.

 

تتميز لغة النص ببساطة ظاهرية تخفي خلفها عمقًا دلاليًا وبلاغيًا رفيع المستوى؛ إذ تجتنب الكاتبة التقعر اللفظي والتعقيد البلاغي المفتعل، لتعتمد على اقتصاد لغوي يجعل كل مفردة لبنة أساسية في بناء المعمار السردي.

 

تتجلى البلاغة هنا في التصوير الحيّ والمشاهد السينمائية المتسلسلة التي تضع القارئ في مواجهة مباشرة مع أسئلة الوجود الإنساني. هذا الهادئ في وتيرة السرد يخلق إيقاعًا تأمليًا يشبه المشي على حافة حلم، حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بين اليقظة والخيال كي ينساب الخطاب السردي بسلاسة تقود المتلقي نحو ذروة التأزم الداخلي. أمّا عن الانسيابية التي تحكم تقصي النسخ المختلفة للذات, تعكس نضجًا فنيًا في توظيف السرد النفسي، حيث يتحول الحوار الداخلي والخارجي إلى مرآة تكشف عن تصدعات الروتين الحياتي وهيمنة هواجس الندم.

 

تتبدى الأبعاد النفسية والعميقة للقصة في تفكيكها لثنائية الاختيار والقدر؛ فالنسخ التسع والثلاثون تمثل تجسيدًا لآليات الدفاع النفسي، توق نحو البدائل المثالية التي يتخيلها الإنسان كلما ضاقت به خيارات الواقع.

 

وتسلط الكاتبة الضوء على فكرة تكشّف الشخصية المركزية, تخبرها أن الشقاء الحقيقي لا يكمن في قسوة الظروف وحدها ويمكنه أن يسجن في الوهم القائل, ويزامن المسارات, ربما ستكون أفضل وأكثر سعادة.

 

تتوج هذه الرحلة النفسية بالاكتشاف المفصلي على لسان أكبر النسخ حين يؤكد أن الجميع يعيشون أسرى أماني التبادل، لتتجلى مقولة “أن الإنسان ليس ما حدث له، بل ما اختار أن يفعله بما حدث له”. كخلاصة فلسفية عميقة تنزع عن الإنسان رؤية ظلم القدر المطلق وتعيد إليه مسؤولية الفعل.

 

القصة تطرح إشكالية الفرد المعاصر الذي يعيش ممزقًا بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، محاطًا بضغط التوقعات المجتمعية والخوف من المواجهة.

 

النسخة الصامتة التي تمثل الاحتمال الأكثر إخافة، وهي “الشخص الذي كان من الممكن أن تصبحه لو توقفت عن الخوف”، تضع الإصبع على الجرح الاجتماعي المتمثل في كبح الطاقات الذاتية بفعل الترقب.

 

وتتوج القصة عند خاتمتها برؤية جمالية تلخص الإبداع حين تقرر البطلة أمام المرآة أن التعدّد يكمن في الوجوه والأشكال، بينما الجوهر والروح يظلان فريدين لا تتكرر جوهرتهما.

 

خاتمة: قدمت “سميرة جدي” في نصها لوحة فنية متكاملة العناصر، تتماهى فيها البلاغة الهادئة مع العمق النفسي، لتترك في وجدان القارئ أثرًا ممتدًا يدعوه دائمًا لمراجعة خياراته والتصالح مع روحه الفريدة.

 

* ناقد وأديب مصري.

 

تعليقات


الاكثر شهرة
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر

المشهد الأخير..!!   روعة سنوبر*     لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...

بلاد الوهم!! فائزة القادري

بلاد الوهم!!   فائزة القادري*       سئمنا من أباطيل السّياسةْ من التّجار من ناس وساسةْ   من...

كان صديقي!! مها شقرة

  كان صديقي!!   مها شقرة*   كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...

الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!

الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!   طلال مرتضى* ثمة نهج فني خاص اتّبع...

تابعونا


جارٍ التحميل...