اللغة: جسرٌ بين البشر أم جدارٌ في وجههم؟ د. تمام كيلاني

٢٠٢٦٠٦٣٠_١١٠٤٢٧.jpg

اللغة: جسرٌ بين البشر أم جدارٌ في وجههم؟

 

د. تمام كيلاني*

 

لا شك أن تعلم لغة البلد الذي يعيش فيه الإنسان في بلد أجنبي هو حاجة من حاجات الحياة، بل قد يكون ضرورة لا غنى عنها. فاللغة ليست مجرد مجموعة من الكلمات والقواعد، وإنما هي مفتاح للدخول إلى المجتمع، وفهم ثقافته، وبناء العلاقات الإنسانية، وممارسة العمل، والتعامل مع المؤسسات، والشعور بأن الإنسان جزء من المكان الذي اختار أن يعيش فيه.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول اللغة من وسيلة للتواصل إلى معيار للحكم على الإنسان، ومن جسر يصل البشر بعضهم ببعض إلى جدار يفصل بينهم. وتصبح المشكلة أكثر خطورة حين تدخل اللغة في سوق السياسة، فتتحول إلى شماعة تعلق عليها الأحزاب اليمينية المتطرفة، وأحيانًا بعض أحزاب الوسط، مخاوف المجتمع وهواجسه، بهدف استثمارها انتخابيًا وكسب أصوات الناخبين.

 

وهنا يصبح السؤال فلسفيًا قبل أن يكون سياسيًا:

 

هل يحتاج الإنسان إلى اللغة لكي يكون إنسانًا صالحًا في المجتمع، أم أن المجتمع يحتاج إلى اللغة لكي يجد ذريعة لتصنيف الإنسان والحكم عليه؟

 

أتذكر، وأنا أكتب هذه السطور، حادثة مضى عليها نحو خمسة وأربعين عامًا، عندما كنت في سوريا .

 

كان ذلك في نهاية الأسبوع وليس يوم الأربعاء، حيث أقيم احتفال بمناسبة عيد ميلاد الدكتور روبيرت جيه جيان، طبيب العيون المعروف في حلب. وكان الدكتور والأديب والشاعر شاكر مطلق، رئيس الجمعية العينية السورية آنذاك، قد تحدث بكلمات طيبة عن الدكتور جيه جيان، وعن أعماله الطبية، ولا سيما جهوده في معالجة مرض التراخوما.

 

وبعد أن انتهى الدكتور شاكر من كلمته، أُعطيت الكلمة للدكتور روبيرت جيه جيان.

 

كان الدكتور يتقن الفرنسية إلى جانب الإنجليزية، أما العربية فكانت له معها حكاية أخرى!

 

وقف الرجل وتحدث بالعربية، لا بالعربية المكسرة فحسب، وإنما بعربية كادت أن تُخرج سيبويه من قبره!

 

ابتدأ كلمته قائلًا:

 

“أشكر الأطباء الحمصانيين.”

 

فانتفض الدكتور شاكر مطلق من كرسيه وقال:

 

“دكتور جيه جيان، الأطباء الحماصنة!”

 

ما إن انتهى شاكر من تصحيح العبارة حتى عاد الدكتور روبيرت وقال:

 

“أجدد شكري للأطباء الحماصنة.”

 

فضجت القاعة بالضحك والمرح والهرج.

 

قد تبدو الحادثة اليوم بسيطة وطريفة، لكنها بالنسبة لي تحمل معنى أعمق بكثير من مجرد خطأ نحوي.

 

فالرجل كان طبيبًا بارعًا، وصاحب علم وخبرة، وخدم مرضاه، وعاش بين الناس، وكان يتحدث الفرنسية والإنجليزية بإتقان، ويحاول أن يتحدث العربية رغم صعوبتها. لم يكن نقصه في العربية ينتقص من قيمته الإنسانية أو العلمية، ولم يكن المجتمع من حوله بحاجة إلى أن يسأله في كل مرة عن مستوى إتقانه للنحو والصرف حتى يعترف به واحدًا من أبنائه.

 

كان الخطأ اللغوي مدعاة للضحك والمحبة، لا للكراهية والإقصاء.

 

وهنا تكمن المسألة.

 

لقد عاش الأرمن في سوريا عشرات السنين، بل أكثر من قرن. عاشوا بين السوريين، ودرس أبناؤهم في المدارس والجامعات، وكان منهم أطباء ومهندسون ومثقفون وفنانون وأصحاب مهن مختلفة.

 

ولم يقل لهم أحد:

 

“تعلموا العربية أولًا، وإلا فعليكم الرحيل.”

 

كانوا يتكلمون العربية معنا، ويتعاملون بها في الحياة العامة، وفي الوقت نفسه كانوا يحتفظون بلغتهم الأم وثقافتهم وذاكرتهم.

 

وكان الأمر طبيعيًا تمامًا.

 

فإذا اجتمع اثنان من الأرمن، انتقلا إلى لغتهما الأرمنية، كما يفعل أي إنسان حين يعود إلى اللغة التي نشأ عليها.

 

وكذلك السريان؛ فإذا كانت لغتهم الأم السريانية، فما المشكلة في أن يتحدثوا بها فيما بينهم؟

 

لم تكن اللغة يومًا مشكلة في سوريا بهذا المعنى.

 

كان المجتمع أكثر اتساعًا من أن يرى في تعدد اللغات تهديدًا لهويته.

 

كان السوري يستطيع أن يكون سوريًا وعربيًا، وأن يكون أرمنيًا أو سريانيًا أو شركسيًا أو كلدانيًا، وأن يتحدث لغة أخرى في بيته، دون أن يشعر أن عليه أن يختار بين هويته وبين وطنه.

 

وهذه، في جوهرها، ليست مسألة لغوية، وإنما مسألة فلسفية تتعلق بمعنى الانتماء.

 

الإنسان لا يولد بلغة واحدة لكي يُحاكم على عدد الكلمات التي يستطيع أن ينطق بها في لغة أخرى.

 

اللغة الأولى هي ذاكرة الإنسان.

 

هي لغة الأم، والطفولة، والأغاني الأولى، ونداء الأب والأم، وأحاديث البيت، والضحكات الأولى، والخوف الأول، والحكايات التي سمعها قبل أن يعرف معنى كلمة “هوية”.

 

أما اللغة الثانية أو الثالثة، فهي نافذة يفتحها الإنسان على عالم آخر.

 

ولذلك فإن تعلم لغة المجتمع الجديد أمر نبيل وضروري، لكن المحافظة على اللغة الأصلية ليست جريمة.

 

بل إن المجتمع الواثق من نفسه لا يخاف من تعدد اللغات.

 

المجتمع القوي لا يحتاج إلى إسكات لغة لكي يحافظ على لغته.

 

ومن هنا فإن مطالبة المهاجر بتعلم لغة البلد الذي يعيش فيه أمر منطقي عندما يكون الهدف هو التواصل والمشاركة والاعتماد على النفس.

 

أما تحويل اللغة إلى امتحان يومي للولاء والانتماء، فهذه قصة أخرى.

 

في أوروبا اليوم، تبدو المسألة أكثر تعقيدًا.

 

فالهجرة جعلت المدن الأوروبية فضاءات متعددة اللغات والثقافات. تسمع في الشارع لغة البلد، ثم تسمع التركية والعربية والكردية والألبانية والصربية والأرمنية وغيرها.

 

وهذا التنوع ليس بالضرورة علامة على فشل الاندماج.

 

قد يكون، في أحيان كثيرة، دليلًا على أن المدينة أصبحت أكثر تنوعًا.

 

لكن السياسة تعرف كيف تحول التنوع إلى خوف.

 

يقال للناس:

 

“المهاجرون لا يتحدثون لغتكم.”

 

ثم تصبح الجملة:

 

“المهاجرون لا يريدون الاندماج.”

 

ثم:

 

“المهاجرون لا يحترمون ثقافتكم.”

 

ثم:

 

“المهاجرون خطر على هويتكم.”

 

وهكذا تتحول مشكلة حقيقية، وهي حاجة الإنسان إلى تعلم لغة المجتمع الذي يعيش فيه، إلى خطاب سياسي كامل يقوم على التخويف.

 

وهنا ينبغي أن نكون أكثر دقة وإنصافًا.

 

نعم، تعلم اللغة مهم.

 

نعم، من يعيش في بلد أوروبي ويعمل فيه ويدرس فيه ويستفيد من مؤسساته، من الطبيعي أن يتعلم لغة ذلك البلد.

 

لكن السؤال ليس:

 

هل يجب أن يتعلم اللغة؟

 

السؤال الحقيقي هو:

 

كيف نجعل تعلم اللغة بابًا للاندماج بدل أن نجعله أداة للإقصاء؟

 

هناك فرق هائل بين الأمرين.

 

الاندماج الحقيقي لا يعني أن يصبح الإنسان نسخة طبق الأصل من أبناء المجتمع المضيف.

 

الاندماج يعني أن يستطيع أن يعيش مع الآخرين دون أن يشعر بأنه مضطر إلى محو نفسه.

 

أن يتعلم لغة البلد، دون أن يكره لغته الأولى.

 

أن يحترم قوانين البلد، دون أن يتخلى عن ذاكرته.

 

أن يشارك في المجتمع، دون أن يتبرأ من جذوره.

 

أن يكون مواطنًا كامل الحقوق والواجبات، دون أن يُطلب منه أن يمحو اسمه أو ماضيه أو ثقافة عائلته.

 

إن أوروبا التي تريد من المهاجر أن يتعلم لغتها تستطيع أن تفعل ذلك من خلال المدارس ودورات اللغة والعمل والاحتكاك الاجتماعي، لا من خلال السخرية من لهجته، ولا من خلال تحويل أخطائه النحوية إلى دليل على عدم ولائه.

 

فاللغة تُكتسب بالممارسة والأمان، لا بالخوف.

 

وأعود مرة أخرى إلى الدكتور روبيرت جيه جيان.

 

لقد أخطأ الرجل في كلمة “الحماصنة”، فضحكنا.

 

لكن أحدًا لم يسأله عن سبب بقائه في سوريا، ولم يقل له إن لغته العربية غير الكافية تجعله غريبًا، ولم يُشكك أحد في انتمائه الإنساني لأنه لم يعرف قاعدة نحوية.

 

لقد كان الطبيب يعرف كيف يعالج عيون الناس، وربما كان من المرضى من لم يعرف كلمة واحدة بالفرنسية أو الإنجليزية.

 

ومع ذلك استطاع الطبيب والمريض أن يلتقيا في مكان أعمق من اللغة:

 

في الإنسانية.

 

وهذا هو جوهر المسألة.

 

فاللغة وسيلة عظيمة، لكنها ليست القيمة الإنسانية ذاتها.

 

قد يتحدث الإنسان عشر لغات ويكون عاجزًا عن احترام إنسان واحد.

 

وقد لا يستطيع آخر أن يصوغ جملة سليمة بلغة البلد، لكنه يكون جارًا صالحًا، وعاملًا أمينًا، وطبيبًا مخلصًا، وأبًا صالحًا، ومواطنًا يحترم القانون.

 

أيّهما أولى بالاحترام؟

 

ربما نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف كلمة “الاندماج”.

 

فالاندماج ليس أن تختفي الفوارق، وإنما أن نتعلم كيف نعيش مع الفوارق.

 

وليس المطلوب أن تتوقف اللغات المختلفة عن الوجود حتى تنجح اللغة الوطنية.

 

على العكس، يمكن للإنسان أن يحمل أكثر من لغة في رأسه وقلبه، وأن يكون أكثر من شيء في الوقت نفسه.

 

قد يكون ألمانيًا ويتحدث العربية في بيته.

 

وقد يكون فرنسيًا ويتحدث الأرمنية مع والديه.

 

وقد يكون نمساويًا ويتحدث التركية مع أصدقائه.

 

وقد يكون سوريًا ويتحدث السريانية مع أفراد أسرته.

 

ليس في ذلك تناقض.

 

فالهوية الإنسانية ليست صندوقًا مغلقًا، وإنما هي طبقات متراكمة من الذاكرة والثقافة والتجربة.

 

المشكلة إذن ليست في اللغة.

 

المشكلة عندما تُسيّس اللغة.

 

عندما تتحول الأخطاء اللغوية إلى تهمة.

 

وعندما يتحول التحدث بلغة الأم في البيت إلى دليل على رفض المجتمع.

 

وعندما يصبح accent الإنسان أو لهجته معيارًا لتحديد قيمته.

 

وعندما تستخدم الأحزاب السياسية مخاوف الناس الطبيعية من أجل صناعة عدو جديد.

 

عندها لا تعود اللغة وسيلة للتواصل، بل تصبح وسيلة للفرز.

 

والتاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي تبدأ بفرز الناس على أساس اللغة قد تجد نفسها، في مرحلة لاحقة، تفرزهم على أساس الاسم، ثم الدين، ثم الأصل، ثم اللون، ثم النسب.

 

وحين يبدأ المجتمع في البحث عن “الآخر”، يصبح من السهل جدًا أن تتحول السياسة إلى صناعة للكراهية.

 

لقد علمتنا تجربتنا السورية، بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، أن التعدد يمكن أن يكون جزءًا طبيعيًا من الحياة.

 

كان الأرمني يعيش إلى جانب العربي، والسرياني إلى جانب غيره، ويتعلم الجميع في الجامعة نفسها، ويعملون في المؤسسات نفسها، ويتعاملون في الأسواق نفسها.

 

لم يكن أحد بحاجة إلى أن يتخلى عن جذوره لكي يكون جزءًا من المجتمع.

 

ولعل هذا هو الدرس الذي يمكن أن نقدمه اليوم إلى أوروبا:

 

لا تطلبوا من الإنسان أن يختار بين لغته الأم ولغة وطنه الجديد.

 

ساعدوه على تعلم اللغة الجديدة، نعم.

 

افتحوا له أبواب التعليم والعمل، نعم.

 

اطلبوا منه احترام القانون، نعم.

 

لكن لا تطلبوا منه أن يقتل اللغة التي نامت إلى جانبه في طفولته.

 

فالإنسان الذي يحترم لغته الأم لا يعني بالضرورة أنه يرفض لغة الآخرين.

 

والإنسان الذي يتعلم لغة جديدة لا يعني أنه خان لغته الأولى.

 

قد يكون الإنسان قادرًا على أن يحب الاثنين معًا.

 

وفي النهاية، ربما كان الدكتور روبيرت جيه جيان، دون أن يقصد، قد قدم لنا درسًا فلسفيًا عميقًا عندما قال:

 

“أشكر الأطباء الحمصانيين.”

 

فصححه شاكر مطلق:

 

“الأطباء الحماصنة.”

 

فضحك الجميع.

 

لكن لو أردنا أن نقرأ تلك الحادثة بعد خمسة وأربعين عامًا، بعيدًا عن الضحك، لربما قلنا:

 

ليس المهم أن تقول الكلمة صحيحة من المرة الأولى.

 

المهم أن تحاول.

 

وأن يكون هناك من يصحح لك بمحبة، لا من يستخدم خطأك لكي يطردك.

 

فاللغة جسر، وأجمل الجسور تلك التي نعبرها معًا، لا تلك التي نبنيها لكي نمنع الآخرين من العبور

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

 


تعليق

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

حين يموت مجرم الحرب وتبقى أفكاره حيّة..!! د. تمام كيلاني

حين يموت مجرم الحرب وتبقى أفكاره حيّة..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

من العاصي إلى الدانوب..أربعون عاماً من الطب والغربة والوفاء… ومن الغربة إلى الوطن..!! د تمام كيلاني

من العاصي إلى الدانوب..أربعون عاماً من الطب والغربة والوفاء… ومن الغربة إلى الوطن..!! د تمام كيلاني
بوابة دمشق

استغنِ… كي تبرد نار النفس..!! د. تمام كيلاني

استغنِ… كي تبرد نار النفس..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

حين يتكلم الأزهر.. حوار مع الشيخ الأزهري أحمد إسماعيل!

حين يتكلم الأزهر.. حوار مع الشيخ الأزهري أحمد إسماعيل!
بوابة دمشق

من أبواق الأسد إلى أبطال الثورة: لا تعيدوا كتابة تاريخ سوريا..!! د. تمام كيلاني

من أبواق الأسد إلى أبطال الثورة: لا تعيدوا كتابة تاريخ سوريا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!! د. تمام كيلاني

حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!!   د. تمام كيلاني*   حوار في الحرية... وشها...

كان صديقي!! مها شقرة

  كان صديقي!!   مها شقرة*   كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...

د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!! روعة سنوبر

د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!!   روعة سنوبر* من خلال تتبعنا لزيارة ا...

تابعونا


جارٍ التحميل...