غارسيا ناصح... حين يصبح اللون شعرًا! كوثر جعفر
غارسيا ناصح... حين يصبح اللون شعرًا!
كوثر جعفر*
غارسيا ناصح، شاعر وفنان تشكيلي، يكتب بالكلمة كما يرسم باللون، ويبحث في تجربته عن مساحة يلتقي فيها الجمال بالإنسان. في لوحاته حضورٌ خاص للمرأة والذاكرة، وفي شعره تتجاور مفردات الحب والوطن والمنفى، لتشكّل عالمًا إبداعيًا يحمل بصمته الخاصة. بين الريشة والقصيدة، بنى غارسيا ناصح تجربته، وظلّ وفيًا لفكرة أن الفن، مهما اختلفت أدواته، يبدأ من القلب.
* غارسيا ناصح... اسمٌ يرتبط بالريشة والألوان، كما يرتبط بالحبر والورقة. لكن بعيدًا عن الفنان والشاعر، من هو الإنسان الذي يسكن خلف الألوان والكلمات؟
- خلف الألوان والكلمات إنسانٌ بسيط، يحمل في داخله الكثير من الأسئلة والذكريات. أنا في حياتي اليومية لست مختلفًا كثيرًا عمّا أظهره في لوحاتي وكتاباتي؛ أحب الهدوء، وأميل إلى التأمل، وأبحث دائمًا عن المعنى خلف الأشياء لا عن شكلها فقط.
ربما صنعت مني الغربةُ إنسانًا أكثر صمتًا وتأملًا، وجعلتني أرى الأشياء من مسافة مختلفة. أحب الناس، لكنني لا أجيد دائمًا الاقتراب منهم، وأجد في الفن والشعر مساحة أستطيع فيها أن أقول ما أعجز عن قوله في الحياة.
أنا، قبل أن أكون فنانًا أو شاعرًا، إنسانٌ يحمل ذاكرته ووطنه وأحبته معه أينما ذهب. وما الريشة والكلمات إلا طريقتي في مواجهة الغياب، وحفظ ما أخشى أن تنساه الأيام.
وربما لهذا السبب أقول دائمًا إن اللوحة عندي ليست مجرد ألوان، والقصيدة ليست مجرد كلمات؛ فكلاهما جزء من الإنسان الذي يسكن خلفهما.
* قبل أن تختار الريشة والحبر لغةً لك، ما الذي كان يشدّ عين الطفل غارسيا في السليمانية ويجعله يتوقف أمامه طويلًا؟
_ حين كنت طفلًا، كانت عيني تتوقف أمام الأشياء البسيطة التي ربما لم تكن تعني شيئًا كبيرًا للآخرين: ألوان البيوت القديمة، وأبوابها ونوافذها، ووجوه الناس، والأسواق، والأزقة، والجبال المحيطة بالمدينة. كنت أراقب التفاصيل أكثر مما أتحدث عنها، وربما لم أكن أعرف آنذاك أنني أتعلم النظر بعين الفنان.
كنت أشعر أن لكل مكان حكاية، ولكل وجه ذاكرة، ولكل لون إحساسًا خاصًا. ومع مرور الوقت اكتشفت أن تلك الأشياء التي كنت أتأملها في طفولتي بقيت معي، حتى بعد أن ابتعدت عن المكان.
* كتبتَ: «أنا من يحمل المنفى في حقيبة القلب». متى يصبح المنفى وطنًا آخر يسكننا؟
_ أما المنفى، فلا أعتقد أنه يصبح وطنًا آخر بسهولة. قد نعيش في مكان جديد، ونعمل فيه، ونبني حياتنا فيه، ونحبه أيضًا، لكن الوطن الأول يبقى في مكان آخر داخلنا. المنفى الحقيقي هو أن تحمل وطنك معك، ثم تكتشف أنك لا تستطيع أن تضعه في مكان واحد.
ومع السنوات، يصبح المنفى جزءًا من تكويننا لا يعود مجرد مكان بعيد عن الوطن، بل يتحول إلى ذاكرة وهوية وتجربة إنسانية. لذلك قلت: [أنا من يحمل المنفى في حقيبة القلب]
أنا لا أحمل المنفى لأنني أحب الغربة، بل لأن بعض الأماكن حين نغادرها لا تغادرنا.
*في نصوصك، يبدو الحب أكثر حضورًا حين يغيب. هل يحتاج الحب إلى المسافة كي نراه بوضوح؟
_ ربما لا يحتاج الحب إلى المسافة، لكنه يحتاج أحيانًا إلى الغياب كي نكتشف حجمه الحقيقي. حين يكون من نحب قريبًا منا، ننشغل بتفاصيل الحياة اليومية، وقد لا ننتبه إلى قيمة وجوده كما ينبغي. لكن حين تضع المسافة بيننا وبينه، يصبح كل شيء أكثر وضوحًا؛ صوتٌ نفتقده، وجهٌ نشتاق إليه، وحتى الأشياء الصغيرة التي كنا نمرّ عليها دون انتباه.
أنا أعتقد أن الحب الحقيقي لا تقيسه المسافة، بل تكشفه المسافة. فهناك أشخاص يبتعدون عن أعيننا، لكنهم يقتربون أكثر من القلب، وهناك من يكون قريبًا منا جسدًا، لكنه بعيدٌ عنا روحًا.
لهذا يظهر الحب في نصوصي أكثر حين يغيب؛ لأن الغياب يمنح القلب وقتًا كي يتكلم، ويجعلني أكتب عن أشياء ربما كنت أعجز عن قولها وأنا أعيشها.
الحب، في رأيي، لا يحتاج إلى البعد كي يكون موجودًا، لكنه أحيانًا يحتاج إلى البعد كي نراه بوضوح.
(الغياب هو محكّ المحبة)
* ما الذي تتركه المرأة داخلك حتى تجد طريقها إلى اللوحة والقصيدة؟
_ ربما لا تحتاج المرأة إلى أن تترك حضورًا كاملًا كي تجد طريقها إلى اللوحة والقصيدة؛ يكفي أن تترك أثرًا، نظرةً عابرة، سؤالًا معلّقًا، أو غيابًا يطول. ما تتركه في داخلي ليس صورةً ثابتة، بل حالة من القلق الجميل، تجعلني أبحث عن ملامحها في اللون والكلمة، وعن معناها فيما لا يُقال.
أحيانًا لا تكون المرأة هي الموضوع، وإنما يكون أثرها هو الموضوع. قد تترك في داخلي إحساسًا أو سؤالًا أو ذكرى، ثم تتحول هذه الأشياء مع الوقت إلى لوحة أو قصيدة.
فالمرأة بالنسبة لي ليست مجرد ملامح تُرسم، بل حالة إنسانية يمكن أن تولد منها حكاية، أو لون، أو كلمة، أو حتى صمت طويل.
6 ـ تقول إنك رسام قبل أن تكون شاعرًا. ماذا أعطتك القصيدة ولم تمنحك إيّاه اللوحة؟
_ أنا رسام قبل أن أكون شاعرًا؛ فاللوحة تمنحني لحظةً مكثفة، أستطيع أن أضع فيها الضوء والظل والحركة والصمت دفعةً واحدة. لكنها تظل عاجزة أحيانًا عن ملاحقة ما يحدث في الداخل، عن تسمية الارتباك أو الاعتراف بما تخفيه النظرة.
هنا تأتي القصيدة؛ تمنحني الزمن، والصوت، والقدرة على الاقتراب من المعنى خطوةً خطوة، وتسمح للمشاعر أن تتنفس بدل أن تبقى محاصرة في إطار.
في الرسم أستطيع أن أقول الكثير بنظرة أو لون أو حركة، أما في الشعر فأستطيع أن أتابع الإحساس إلى نهايته، وأن أقول ما لا تستطيع الصورة وحدها أن تقوله.
اللوحة تختصر اللحظة، أما القصيدة فتمنحني مساحةً لأعيش اللحظة من جديد.
* في لوحاتك، للمرأة حضور مختلف عن صورتها النمطية؛ فمن هي المرأة التي تحرّك ريشتك؟
_ المرأة التي تحرّك ريشتي ليست امرأةً بعينها، ولا أبحث عنها في صورةٍ مثالية أو جمالٍ نمطي. ما يجذبني فيها هو حضورها؛ نظرتها، صمتها، طريقتها في الوقوف أو الجلوس، وما تخفيه خلف ملامحها.
أحب المرأة التي تحمل شيئًا من الغموض، التي لا تقول كل شيء، وتترك للفنان مساحةً كي يتخيل ما وراء الصورة. قد تكون قوية، أو حزينة، أو حالمة، أو حتى وحيدة؛ المهم أن أشعر بأن وراء ملامحها حكاية.
لهذا لا أرسم المرأة لأقدّم جمالها فقط، وإنما لأحاول أن ألتقط شيئًا من روحها. أحيانًا تكون النظرة عندي أهم من الملامح، والصمت أهم من الابتسامة، والحالة الإنسانية أهم من الجمال الخارجي.
وربما لهذا تبدو المرأة في لوحاتي مختلفة من لوحة إلى أخرى؛ لأنني لا أرسم امرأة واحدة، بل أرسم الحالات التي تتركها المرأة في داخلي.
* حين تقف أمام لوحة بيضاء، ما الذي تبحث عنه أولًا: اللون، أم الحكاية؟
_ حين أقف أمام لوحة بيضاء، لا أبحث عن اللون أولًا، بل أبحث عن الحكاية. أحاول أن أعرف ماذا أريد أن أقول قبل أن أفكر كيف سأقوله.
أحيانًا تكون الحكاية واضحة في داخلي، وأحيانًا لا تكون أكثر من إحساس غامض أو صورة عابرة أو ذكرى قديمة. بعدها يأتي اللون؛ فهو بالنسبة لي ليس مجرد وسيلة لتجميل الحكاية، بل لغة أخرى أستطيع من خلالها أن أقول ما تعجز الكلمات عن قوله.
وقد يحدث العكس أحيانًا؛ يلفتني لونٌ معين، فيقودني إلى إحساس، ومن الإحساس تولد الحكاية. لذلك لا أستطيع أن أفصل بينهما تمامًا.
لكنني عندما أبدأ الرسم، أحب أن أترك للوحة شيئًا من حريتها. قد أدخل إليها بحكاية معينة، ثم تخرج منها حكاية أخرى لم أكن أتوقعها.
وربما هذه هي أجمل لحظة في الرسم: أن تبدأ وأنت تظن أنك تعرف ماذا ستقول، ثم تكتشف أن اللوحة هي التي بدأت تتحدث إليك.
* هل هناك لوحة رسمتها وترفض أن تغادرك؟
_ نعم، وليست لوحةً واحدة. هناك لوحات رسمتها، ثم تركتها خلفي، لكنها لم تتركني. بعضها يرتبط بمرحلة من حياتي، وبعضها بوجهٍ أو مكانٍ أو إحساسٍ لم أستطع أن أتجاوزه.
أحيانًا أشعر أن الفنان لا يملك لوحته بالكامل؛ يرسمها، ثم تصبح هي جزءًا من ذاكرته. قد تتغير الألوان مع الزمن، وقد تتغير نظرتي إليها، لكن الإحساس الأول الذي وُلدت منه يبقى كما هو.
هناك لوحات كلما نظرت إليها بعد سنوات، أشعر أنني لا أراها بعيني الفنان، بل بعين الإنسان الذي كنتُه يوم رسمها. ولهذا ترفض بعض اللوحات أن تغادرني؛ لأنها لا تحمل لونًا أو شكلًا فقط، بل تحمل جزءًا من حياتي.
وربما أجمل ما في الفن أن بعض اللوحات تنتهي على القماش، لكنها لا تنتهي داخلنا.
* عندما تنتهي من رسم لوحة، ما أول شعور ينتابك، وما أول طقس تفعله؟
_ عندما أنتهي من رسم لوحة، أشعر أولًا بشيء من الصمت؛ كأنني خرجت للتو من عالمٍ كنت أعيش فيه لساعات، وأحتاج إلى لحظة كي أعود إلى الواقع.
لا أفرح مباشرة، ولا أقول لنفسي: انتهت. غالبًا أقف بعيدًا عنها وأتأملها طويلًا، لأنني أراها في تلك اللحظة بعين مختلفة. أبحث عن شيء لا يزال ينقصها، أو عن تفصيل ربما بالغت فيه، وأحيانًا أتركها جانبًا ثم أعود إليها في اليوم التالي.
أما أول طقس أفعله، فهو أن أنظر إليها من مسافة، ثم أترك المرسم قليلًا. أحتاج إلى أن أبتعد عنها كي أعرف إن كانت قالت ما أردت أن أقوله.
وأحيانًا تكون أجمل لحظة هي تلك التي أكتشف فيها أن اللوحة قالت شيئًا لم أكن أعرف أنني أريد قوله.
* أيُّ مدرسةٍ فنية تركت أثرها فيك، دون أن تفقد لوحتك صوتها الخاص؟
_ بالتأكيد كانت الواقعية هي المدرسة التي تركت أثرها الأول فيّ، فقد كانت البدايات الأولى التي تعلمت من خلالها كيف أنظر إلى الإنسان والمكان والتفاصيل من حولي. لكن الفن بالنسبة لي لم يتوقف عند مدرسة واحدة، فمع مرور المراحل في حياتي، وتغيّر الأماكن والتجارب، بدأت رؤيتي تتغير أيضًا.
وحين تركت الوطن، تغيّر شيء كبير في داخلي. لم أعد أرى الأشياء كما كنت أراها من قبل؛ أصبحت الذاكرة حاضرة في اللون، وأصبح المكان الذي أبتعد عنه أكثر حضورًا في لوحاتي. بدأت أبتعد تدريجيًا عن النقل المباشر للواقع، وأبحث عن واقعٍ آخر، واقع تسكنه الذاكرة والمشاعر والحنين.
تأثرت بمراحل واتجاهات فنية مختلفة، لكنني لم أُرد يومًا أن أكون نسخة من مدرسة أو فنان. كنت آخذ ما يلامس إحساسي، ثم أتركه يعبر من خلال تجربتي الخاصة.
لذلك أستطيع القول إن المدارس الفنية أثرت في عيني، لكن الحياة هي التي شكّلت صوتي. واللوحة في النهاية يجب أن تحمل بصمة صاحبها، لا بصمة المدرسة التي تعلّم منها.
* عرضتَ لوحاتك في أماكن مختلفة؛ ماذا يتغيّر في اللوحة حين تغادر مرسمك وتصبح أمام عيون الآخرين؟
_ طبعًا، كل فنان يرغب في أن تغادر لوحته المرسم إلى مكان أفضل، وأن تصل إلى عيونٍ جديدة، وربما إلى شخص يشعر بها ويمنحها مكانًا في حياته. لكن في اللحظة التي تغادر فيها اللوحة المرسم، تشعر أنك افتقدتها.
فاللوحة، مهما كانت، ليست مجرد عمل أنجزته وانتهيت منه؛ هي وقتٌ من حياتك، ومشاعر عشتها وأنت ترسم، وأحيانًا شيء من ذاكرتك. لذلك عندما أراها معلّقة في مكان آخر، أشعر بفرحٍ لأنني أراها أمام الناس، وفي الوقت نفسه أشعر بشيء من الحنين إليها، كأن جزءًا مني غادر المرسم معها.
لكن أجمل ما يمكن أن يحدث للوحة هو أن تجد مكانًا يليق بها، وأن تجد عينًا تراها بالطريقة التي كنت أراها بها، أو ربما تكتشف فيها شيئًا لم أره أنا.
عندها أشعر أن اللوحة لم تغادرني تمامًا؛ لقد بدأت حياةً جديدة بعيدًا عني.
* في عالمٍ تعبر فيه الأفكار والصور والإبداعات الحدود، كيف يحافظ الفنان على صوته الخاص دون أن يغلق نوافذه على العالم؟
_ أعتقد أن الفنان لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن العالم؛ عليه أن يفتح نوافذه دائمًا، وأن يرى ما يحدث حوله، ويتأثر بالتجارب والأفكار والمدارس المختلفة. لكن الانفتاح على العالم لا يعني أن يفقد الفنان صوته أو أن يصبح نسخة من الآخرين.
أنا شخصيًا أؤمن بأن الفنان يمكن أن ينظر إلى تجارب كثيرة، وأن يتعلم منها، لكن عندما يقف أمام اللوحة يجب أن يعود إلى نفسه؛ إلى ذاكرته، وتجاربه، وأماكنه، وأحزانه وأفراحه. هناك فقط يبدأ صوته الحقيقي بالظهور.
الفن بالنسبة لي ليس أن أقول ما يقوله الآخرون بطريقة أجمل، بل أن أجد الطريقة التي أستطيع بها أن أقول ما أشعر به أنا.
لذلك لا أخاف من التأثر، فالإنسان يتأثر بما يراه ويعيشه، لكنني أخاف من أن أفقد ذاتي وأنا أتأثر. أفتح نوافذي على العالم، نعم، لكنني لا أسمح للعالم أن يغيّر ملامح البيت الذي أسكنه في داخلي.
وفي النهاية، أعتقد أن صوت الفنان الحقيقي لا تصنعه مدرسة واحدة ولا زمن واحد؛ تصنعه حياته كلها.
* في الشعر والرسم، هل يحتاج المبدع إلى عينٍ أخرى ترى ما لا يراه في عمله، أم أن النقد قد يربك صوته الداخلي؟
_ نعم، أعتقد أن المبدع يحتاج أحيانًا إلى عينٍ أخرى، لأن الإنسان لا يستطيع دائمًا أن يرى عمله كما يراه الآخرون. نحن نعيش داخل اللوحة أو القصيدة لحظة ولادتها، ولذلك قد تعمى عيوننا عن بعض الأشياء التي يستطيع الآخر أن يراها بوضوح.
لكن النقد بالنسبة لي لا يعني أن أترك الآخرين يرسمون لي طريقي. أستمع إلى الرأي، وأتأمل ما يقال، وآخذ منه ما أراه صادقًا ومفيدًا، ثم أعود إلى إحساسي الأول.
النقد الحقيقي لا يربك صوت الفنان، بل يجعله أكثر وضوحًا. أما حين يتحول النقد إلى محاولة لفرض ذوق أو أسلوب معين على المبدع، فإنه قد يبعده عن نفسه.
في الشعر والرسم، هناك شيء داخلي لا أستطيع أن أتنازل عنه؛ ذلك الصوت الذي يجعلني أقول: هذه لوحتي، وهذه قصيدتي. قد أخطئ، وقد أتعلم، وقد أغيّر، لكنني لا أريد أن أفقد ذلك الصوت من أجل إرضاء الآخرين.
لذلك أرحب بالعين الأخرى، لكنني في النهاية أثق بعيني التي قادتني إلى اللوحة والقصيدة منذ البداية.
* حين يلتفت الآخرون إلى تجربتك بالتكريم، ماذا يعني لك ذلك؟
_ التكريم بالنسبة لي ليس مجرد شهادة أو درع أو لحظة أقف فيها أمام الآخرين، بل هو شعور بأن ما قدمته طوال سنوات لم يذهب هباءً. أن يلتفت الآخرون إلى تجربتك، بعد كل ذلك الوقت، يعني أن هناك من رأى في عملك شيئًا يستحق التقدير.
لكنني لا أرى التكريم نهاية الطريق، بل أراه مسؤولية إضافية. عندما يكرّمك الآخرون، تشعر أن عليك أن تكون أكثر صدقًا مع نفسك وفنك، وأن تحافظ على المستوى الذي جعلهم يلتفتون إليك.
وأجمل ما في التكريم، بالنسبة لي، ليس لحظة استلامه، بل أن أعرف أن لوحة أو قصيدة وصلت إلى إنسان وتركت فيه أثرًا. فهذا النوع من التقدير لا يُعلّق على جدار، وإنما يبقى في القلب.
وفي النهاية، التكريم جميل، لكن أجمل تكريم للفنان أن تبقى أعماله حيّة بعد أن تنتهي لحظة التصفيق.
*بعد كل ما رسمتَ وكتبتَ، ماذا بقي في قلب غارسيا ولم تقله اللوحة ولا القصيدة؟
_ ربما بقي في قلبي الكثير مما لم تستطع اللوحة ولا القصيدة أن تقوله. فهناك أشياء أكبر من اللغة، وأعمق من اللون؛ ذكريات لا أعرف كيف أضعها على القماش، ومشاعر أخشى أحيانًا أن أقولها حتى لنفسي.
بقي في قلبي وطنٌ لم أستطع أن أودّعه تمامًا، وأشخاصٌ تركوا أثرًا ولم تعرف الكلمات كيف تعيدهم، وأشياء كثيرة تمنيت لو قلتها في وقتها، لكنني تأخرت.
وبقي أيضًا شيء من الطفل الذي كنتُه؛ ذلك الطفل الذي كان ينظر إلى العالم بدهشة، قبل أن تعلّمه الحياة معنى الفقد والرحيل والغربة.
ربما لهذا السبب ما زلت أرسم وأكتب. لأنني كلما ظننت أنني قلت كل شيء، اكتشفت أن في داخلي شيئًا آخر ينتظر أن يولد.
والحقيقة أن الفنان لا يقول كل ما في قلبه؛ بعض الأشياء تبقى صامتة، وتعيش معه حتى النهاية.
وربما أجمل ما لم أقله هو ما لا أستطيع قوله إلا بالصمت.
سيرة:
غارسيا ناصح (مواليد 1961، السليمانية)، فنان تشكيلي وشاعر وكاتب كوردي عراقي مغترب في ألمانيا منذ عام 1992. خريج 1984-1985كلية الفنون الجميلة / الموصل ، يدمج في تجربته بين سطوة الريشة وعمق الكلمة، مؤمناً بأن للرسم والشعر موسيقى واحدة تتناغم في فضاء التعبير. يتخذ من 'غارسيا' اسماً أدبياً يشتغل من خلاله على نصوص شعرية ونثرية مشغولة بالوعي والقضايا الإنسانية، حيث يمتزج التأمل الفكري بالحس الجمالي في محاولة دائمة لملامسة جوهر الإنسان."..
١- جماعة الفانين الدولين.
٢-عضو نقابة و رابطة الفنانين المانيا
٣عضو نقابة الفنانين كوردستان العراق
٤-عضو جمعية الفنانين المانيا.
٥-عضو دائرة موزى للفن والمسرح غوتنغن المانيا.
٥-عضو جماعة الاتلير هاوس غوتغن.
المانيا.
له ١١ معرض شخصي و١٣ معرض مشترك على مستوى العالم.
*كاتبة وإعلامية سورية/ حلب.




كلمات البحث
الاكثر شهرة
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر* لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا سياقات التحول وصراع السلطة د. تمام كيلاني*...
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!! عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...