"أنثى الظل والضوء".. التشكيل النسوي النمساوي بعيون سورية!
"أنثى الظل والضوء".. التشكيل النسوي النمساوي بعيون سورية!
عمر محمد جمعة*
على ركنين أساسيين هما محاولة تقديم مقاربة وتجريب نقدي في التجربة التشكيلية النسوية النمساوية، والسعي إلى إنجاز توثيق بيوغرافي يبني الكاتب والإعلامي طلال مرتضى فصول كتابه "أنثى الظل والضوء" وما بينهما الإجابة وعبر ست عشرة فنانة عن سؤال غياب المرأة الفنانة والمبدعة النمساوية في حقب تاريخية ماضية، مستطرداً: هل يعود هذا الغياب لأسباب دينية أو اجتماعية أو سياسية؟ والأهم: كيف ينظر المجتمع النمساوي للمرأة الفنانة التي لا يمكن إنكار دورها الفاعل في البلاد بعدما أحالتها الحرب يباباً.
يؤكد مرتضى في مقدمة كتابه أن قيامة الفن تبدّت في هيئة الرجل تحديداً، والقراءات والكتب القديمة لم تقدّم أي حضور للمرأة، ومن الحقيقي ألا ننفي بالمطلق السؤال الذي يكمن كل جوابه في تفاصيل كلماته، الدينية والاجتماعية، فهذان المفصلان لا يمكن نفي دورهما في تغييب المرأة المبدعة، وفي كل المجالات وليس في الفن بالتحديد، وتأثيرهما لم يزل لمفعوله سطوة إلى أيامنا هذه.. فالحجج واهية بكل المقاييس، ويمكن نفيها بشكل قطعي، كما قيل وعلى سبيل المثال: "كان غيابها لأن الفن بالفعل كانت بدايته عمرانية، وهو ما يصوّر أن المرأة لا يمكنها القيام بأعمال الرجل، وهو ما أنفيه بشاهد حيّ، ألا وهو مشاركة المرأة النمساوية في إعادة بناء ما دمّرته الحربان العالميتان، حيث أثبتت بأنها قادرة على البناء ونقل ركام الدمار، وإلى عصرنا الحاضر نجدها تشارك في كثير من أعمال البناء أو مما يزاوله الرجال، أما من الناحية الدينية فللحكاية شجواها ونجواها في هذا الصعيد".
يكرّس مرتضى الأغلب الأعم من مقولات كتابه لعدد من التجارب الفنية النسوية في النمسا بأغلب مناطقها، لجذب انتباه القارئ لبعضٍ من الإنجازات الفنية الغنية.. نمساوية وأجنبية، نهلت من معين الثقافة النمساوية، ولرصد تواتر هذه الحركة النسوية وإرهاصاتها، بما أنها حاضرة الآن وبقوة في المشهدية الفنية العالمية بشكل عام والنمسا بشكل خاص، للوصول بالفعل إلى انعطافة تاريخية مهمّة تتبدى بالسؤال: هل يمكن لهذا الحركة الفنية النسوية أن تؤسّس لحضور مستدام أسوة بمن سبقها في مجالات الموسيقى وعلوم النفس؟.
ويرى مرتضى أن لموقع ڤيينا الجغرافي أهمية قصوى، مما جعلها منذ قرونٍ عديدة مطمعاً لِكل القوى.. فكانت عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ثم مئة وخمسين عاماً من الحصار التركي في منتصف القرن السادس عشر.. وإلى عصر النهضة ثم إلى الحصار النازي إبان الحرب العالمية الثانية، ومع كل هذه الحروب والاضطرابات السياسية والاجتماعية، إلا أنها امتازت بهجرة الأدمغة إليها مما أنتج الازدهار الثقافي والتطورات الفنية. مضيفاً: ڤيينا على مفترق الطرق الثقافية عبر العصور، ولا يمكن أن تعرفها إلا وتصبح عاشقاً لها، فهي بحقّ "موسوعة الفنون" ويحق لنا أن نطلق عليها اسم "عاصمة المبدعين"، إذ كيف لمدينة هي قلب أوروبا، يطوق جيدها "الدانوب" الساحر هي منبع الإلهام ومحجة للمبدعين عبر التاريخ، كيف لا تكون بأكملها متحفاً مفتوحاً في الهواء الطلق؟. تتجول بنظراتك فلا تكاد تستقر على موقع أو أثرٍ فني في غاية الإتقان إلاَّ ويخطف بصرك مَعْلم آخر أكثر إبداعاً وإشراقاً، فالناظر إلى الأعلى يخيّل إليه أن عناقيد الجمال تتدلّى عليه من السماء، وكيفما جال بعينيه يرتدّ إليه بصره حاضناً رسومات وزخارف من المعالم البدائية إلى الجريئة إلى الفن الحديث والمعاصر. نعم إنها "ڤيينا" بدءاً من الإرث الباروكي والهندسة المعمارية الغنية، والفريدة المعقدة، وصولاً إلى تحولات المدارس الفنية في مطلع القرن العشرين والتغيير الجذري في الزخرفة الباذخة والالتواءات المعمارية التي كانت سائدة من قبل.
ويشير مرتضى أيضاً إلى أنه فيما لو عدنا إلى الوراء ولو لفترة زمنية ليست بالبعيدة، سنجد واقعاً حقيقياً يشهد بأن نتاج الحركة الفنية النمساوية في هذه المرحلة، ناجم عن تأثرها بالمدارس المحيطة، مثل المدرستين الإيطالية والألمانية، مما جعل الفن النمساوي في ذلك الوقت لا يتّسم بالمحلية لكونه فناً تقليدياً وافداً، أما الخط المغاير أو ما يُطلق عليه بالحقبة "الباروكية" القادمة من إيطاليا، فقد بدأ يتجلّى حضوره على الساحة النمساوية في مطلع القرن السابع عشر ثم تطور ذاتياً ومحلياً.
في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كانت فترة تتسم بالانفتاح الكلي مما أسهم بالتأسيس لفن وطني ذي قيمة عالية. وفيما لو قرأنا وبتمعن عملية تطور الفن النمساوي وصيرورته بإمعان، لا بدّ لنا من الإشارة إلى ارتباطه الوثيق بنهضة الحركة العمرانية الدينية والتي تجلّت بحضور الكنيسة في ذلك الوقت، فشهدنا مرحلة فن عمراني نمساوي خالص اتسم بالمرونة والمهنية، ما فتح الباب للذهاب إلى فن النحت والتصوير (الرسم) الذي لم تزل معالمه حاضرة حتى الآن في الكنائس والقصور ومعالم المدن، في تلك المرحلة لمعت أسماء وأماكن، حجزت للنمسا مقعداً في الصفوف الفنية العالمية، كالشهير المعماري (فيشر فون إرلاخ) الذي نفذ قصر (شفارتسنبرغ) ومجمع (سالسبورغ) و(كنيسة سان شارل بوروميه) في ڤيينا والتي تعدّ من روائع الفن المعماري.
وثمّة شواهد كثيرة لم تزل حاضرة وفي كل المجالات الفنية، جعلت من مدينة فيينا، لوحة فنية خالصة بشكل خاص والمدن النمساوية الأخرى بشكل عام، فقد برع في فن النحت النمساوي (دونَّر) الذي نفذ منحوتات قصر ميرابِل وزخارفه في سالتسبورغ ونافورة السوق الجديد في ڤيينا، وفي براتسلاڤا نفذ منحوتاته في كاتدرائية سان مارتان، وهي مجموعة تمثل القديس سان مارتان ممتطياً فرساً، والذي لم يكن من المنحوتات الرخامية بل بتقنية سكب الرصاص. وكذلك على صعيد التصوير الذي تصدّر قائمة حضوره (پوزو) الذي اشتغل زخارف كنيسة الجامعة وقصر ليختنشتاين والقائمة تطول، لتذهب نحو فن التزيين وكذلك تصوير الوجوه والخزفيات وغيرها.
وفي قراءته لتجربة التشكيلية جيرليندي ماركتل يرى مرتضى أنها ذهبت نحو ستايل جديد وملفت، وهو رسم المدن والشوارع والحضور والحدائق وناطحات السحاب وغيرها. أما الفنانة التشكيلية الهنغارية سوزانا دومونكوس فتجسّد في كثير من الأحيان انعكاس الطبيعة والمباني وقصص الأحلام، كالخرافات والشياطين، في حين برعت سفيستانا ريميج في استخدام الدلالات اللونية وتدرجاتها المتفاوتة، واختارت إرنين هايدينكما الذهاب نحو أمكنة قصيّة خارج حدود بلادها، فحلّقت في صناعة مجسمات أشبه بالمسلات أو الأهرامات ليصادفها العامة على نواصي شوارع المدينة وفي الحدائق وأمام المباني الأثرية والحكومية في مدينتها، فكرست بذلك جماهيرية لفنها. ومثلها التشكيلية ريناتي سوتريش التي استقت فكرة عملها الفني من ثلم أو فلقة صخرة أو من الشقوق والفجوج الأرضية، وكرّست جزءاً كبيراً من تجربتها لرسم الحيوانات التي بدأت تنقرض كالسلاحف والقرود، وذلك للأسباب التي تتعلق بسلوكيات البشر وتهديد الطبيعة.
أما التشكيلية إنكي إنكتومين النمساوية من أصول منغولية فهي تقدّم تجربة فنية متداخلة وعابرة لكل المدارس والمذاهب الفنية، فهي لا تنتمي لمدرسة بعينها، بل أخذت من كل المذاهب والمدارس، تلك التجربة العابرة للمذاهب الفنية اعتمدت على مخزونها التراثي وموضوعات تقترب من الأسطورة، فقصص الملاحم تتجسّد بصور التنين وعمليات صيد الغزلان والحيوانات البرية والخيول والبطولات وغيرها. وكما بريجيت ماير تحاكي الطبيعة من منطلق فِطري عفوي، ولوحاتها تتسم بنفسٍ أنثوي بحت، فإن ندى نادج البوسنية النمساوية لوحتها عنيدة، لا تسلم مفاتيح قيادها لمتلقٍ عادي، فالظلال محيطة بعوالمها والتي تمتد إلى مساحات واسعة في محاولة منها لمحاصرة ينابيع الضوء التي تمّ تعميتها عمداً، وهي امرأة مسكونة بعالم من المتناقضات والهواجس. أما التشكيلية أنجيلا تاتلي الألمانية فلم تكتفِ بالمدارس الفنية المعروفة، بل سعت لابتكار هوية تتناسب وفخامة أسلوبها الخاص رغم أن الدلالة العامة لأعمالها تشير إلى أنها تقترب مما هو معروف بالمدرسة الانطباعية الفنية التي ذاع صيتها في القرن التاسع عشر. ومثلها أيضاً التشكيلية ماريانا فوكوفيتش التي تأثرت بمن سبقها من الفنانين العالميين الذين مالت أهواؤهم نحو المدرسة الانطباعية، فيما يظهر تأثير المكان جليّاً في أعمال التشكيلية ريناتي مينارتس وطبيعته منعكسة في نفسيتها، فهي ابنة طبيعة ندية وارفة الخضرة كثيرة الماء أي (الريف النمساوي). أما تقنية الضوء فقد اشتغلت عليها روتي ديامانتين الفنانة الألمانية النمساوية التي ذهبت بهذا المنحى من خلال الوجوه "البورتريهات" التي قامت برسمها، فيما استطاعت اليزابيث أروكا الوقوف بثبات والظهور بشكل لافت في الساحة الفنية النمساوية عبر الخروج من محورها المكاني لتسجل سابقة فنية نحو فضاء آخر مشمس (الشرق)، حيث دخلت فن "المنمنمات" أو التزويق من بابه العالي، وأبدت براعة في تناوله وتطويره ليناسب محيطها.
وعلى هذا يمكن القول: إن كتاب "أنثى الظل والضوء" يعدّ إضافة مهمّة للمكتبة العربية ومعها العالمية، في مسعاه ونهجه ودأبه لتقريب ثقافات وفنون الأمم والشعوب واستكشاف جمالياتها، وبالتالي توسيع آفاق المعرفة نحو ضفاف وفضاءات إنسانية جديدة.
*كاتب وناقد فلسطيني سوري/ دمشق.
الاكثر شهرة
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر* لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا سياقات التحول وصراع السلطة د. تمام كيلاني*...
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!! عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...