مقاربة قصة الدوامة لعبد الرحمن مساعد ابو جلال!
مقاربة قصة الدوامة لعبد الرحمن مساعد ابو جلال!
بوشتي الجامعي*
النص:
دوّامة
تراكم عليه تعبُ العمل، فنام نومًا عميقًا. كان يفكّر في الذهاب إلى المشفى الحكومي لإحضار أدوية الضغط والسكري وغيرها، وفكّر في الذهاب باكرًا خشية الازدحام والطوابير.
عندما استيقظ من النوم، قال: «لقد تأخرت! الساعة الآن السابعة». خرج من البيت مسرعًا، وقال في نفسه: «عجيب! الساعة السابعة، ولم تشرق الشمس بعد، والأضواء ما زالت مضاءة في الشوارع!».
وتساءل في نفسه: «يا تُرى، هل هذا هو الخسوف الذي يقولون عنه؟ هل يقلب النهار ليلًا؟ أم أن الله يريد أن يُحدث القيامة؟».
ولم تطلع الشمس.
صعد الحافلة، وأخذ يتفحّص وجوه الركاب، لكنهم كانوا عاديين في أحاديثهم وتعبيراتهم؛ لا أحد منهم كان مندهشًا مثله.
سارت الحافلة عدة كيلومترات، ثم نزل أمام المركز الصحي عند الساعة الثامنة. كانت الأضواء ما تزال مضاءة في الشوارع، لكن المركز الصحي كان مغلقًا، والشمس لم تشرق بعد.
تلفّت يمنةً ويسرةً، وتساءل في نفسه: «هل أنا على قيد الحياة أم ميت؟».
مدّ يده إلى جيبه، وأخرج هاتفه الخلوي، وفتحه. قرأ على الشاشة:
اليوم: الجمعة
الساعة: الثامنة مساءً.
التحليل:
هذه القصة القصيرة «دوّامة» لعبد الرحمان مساعد تقوم على مفارقة زمنية بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح على دلالات أعمق تتصل بالوعي، والروتين، والاغتراب، وانقلاب الإدراك.
مقاربة القصة
1. العنوان: «دوّامة»
العنوان مفتاح تأويلي للنص؛ فالدوّامة ليست مجرد اضطراب في الزمن، وإنما حالة من الدوران داخل روتين يومي يبتلع الإنسان حتى يفقد قدرته على التمييز بين ما يعيشه وما يتوهمه. يبدأ البطل بالتعب والنوم، ثم يستيقظ معتقدًا أن الصباح قد حل، بينما الحقيقة أنه استيقظ مساءً. وهكذا يصبح الزمن نفسه جزءًا من الدوّامة.
2. المفارقة السردية
تتأسس القصة على مفارقة مركزية:
«الساعة الآن السابعة»
ثم يكتشف في النهاية:
«الساعة: الثامنة مساءً.»
المفارقة لا تقوم على مجرد خطأ في قراءة الزمن، بل على بناء سردي يجعل القارئ يشارك الشخصية وهمها، فلا يعرف الحقيقة إلا في اللحظة الأخيرة. وهذه تقنية ناجحة في القصة القصيرة لأنها تعيد تفسير التفاصيل السابقة دفعة واحدة.
3. التبئير الداخلي
السرد ملتصق بوعي الشخصية؛ فنحن نرى العالم كما يراه مساعد، لا كما هو في الواقع. لذلك تبدو له الأضواء المستمرة وغياب الشمس أمرًا غريبًا، فيستدعي تفسيرات دينية وكونية:
«هل هذا هو الخسوف؟»
«أم أن الله يريد أن يُحدث القيامة؟»
هنا تتجسد وظيفة التبئير الداخلي: المعلومة السردية محكومة بحدود معرفة الشخصية، ولذلك لا يملك القارئ في البداية معرفة أكثر مما يملكه البطل.
4. الحافلة والآخرون
تكتسب الحافلة وظيفة دلالية مهمة. فالبطل يراقب وجوه الركاب بحثًا عن علامة تؤكد أن شيئًا غير طبيعي يحدث، لكنه يجدهم:
«عاديين في أحاديثهم وتعبيراتهم»
وهذه لحظة اغتراب واضحة: العالم يبدو طبيعيًا للجميع، بينما يبدو مختلًا بالنسبة إلى الشخصية. ومن هنا ينتقل السؤال من «ماذا يحدث للعالم؟» إلى «ماذا يحدث لي أنا؟».
5. سؤال الوجود
تبلغ القصة ذروتها عندما يقول:
«هل أنا على قيد الحياة أم ميت؟»
إنه سؤال يتجاوز الالتباس الزمني. فاختلال الإحساس بالزمن يقود إلى اختلال الإحساس بالوجود ذاته. وفي هذه النقطة تتحول «الدوامة» من دوامة زمنية إلى دوامة وجودية.
6. البعد الاجتماعي
اختيار المركز الصحي الحكومي والأدوية الخاصة بالضغط والسكري ليس تفصيلًا عابرًا. إنه يربط القصة بحياة الإنسان البسيط، وبهمومه اليومية: العمل، المرض، الدواء، الطوابير، والازدحام. لكن المفارقة أن هذا الانشغال اليومي يصبح آليًا إلى درجة أن الشخصية تستمر في أداء طقسها اليومي حتى وهي لا تعرف هل هو صباح أم مساء.
7. النهاية
النهاية القائمة على شاشة الهاتف ذكية من الناحية السردية؛ فالهاتف يؤدي وظيفة الحقيقة الخارجية التي تصحح الوهم الداخلي. غير أن المفارقة لا تنتهي عند اكتشاف أن الوقت هو الثامنة مساءً؛ بل تبدأ هنا أسئلة جديدة: هل كان ما حدث مجرد خطأ بسبب الإرهاق والنوم، أم أن الكاتب يريد الإيحاء بأن الإنسان يعيش أصلًا داخل دوامة من الزمن والعادة والاغتراب؟
خلاصة تأويلية
يمكن قراءة «دوّامة» بوصفها قصة عن اختلال علاقة الإنسان بالزمن حين يتحول العمل والمرض والروتين إلى نمط حياة آلي. وقد نجح الكاتب في تحويل خطأ بسيط في قراءة الساعة إلى مفارقة تكشف هشاشة الإدراك الإنساني: أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يتغير العالم من حوله كي يشعر بالغربة؛ يكفي أن يختل إدراكه للزمن، حتى يبدو العالم كله غريبًا.
واللافت أن «دوّامة» لا تنتهي حين يعرف مساعد الحقيقة، بل حين يدرك القارئ أن الشخصية كانت تدور منذ البداية داخل وهمٍ صنعه الإرهاق والروتين.
*ناقد مغربي
كلمات البحث
الاكثر شهرة
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني* حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...
قصة قصيرة: انتظار
قصة قصيرة: انتظار روعة سنوبر* تحرك الحجر الكبير الذي كان كصخرة عنيدة، وراح الكلب منهمكا ي...
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!! ملاك صالح صالح* قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء.. _نحن نعمل بالممكنات.. _العالم منفتح تجاه سورية.. _ا...