من الحلم القومي إلى الهزيمة التاريخية: مراجعة نقدية لعهد جمال عبد الناصر

من الحلم القومي إلى الهزيمة التاريخية: مراجعة نقدية لعهد جمال عبد الناصر
د. تمام كيلاني

 

من الحلم القومي إلى الهزيمة التاريخية: مراجعة نقدية لعهد جمال عبد الناصر

 

د. تمام كيلاني

 

في الخامس عشر من كانون الثاني/يناير، تحل ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر، الشخصية التي ما تزال تحظى بحضور طاغٍ في الذاكرة السياسية العربية، حضورٌ يتجاوز حدود التقييم التاريخي الهادئ إلى ما يشبه الأسطورة السياسية. غير أن استدعاء هذه الذكرى لا يكتمل من دون مراجعة نقدية جادة لإرثٍ شكّل أحد أكثر المنعطفات تأثيرًا — وسلبية — في تاريخ العالم العربي الحديث.

 

لقد قدّم عبد الناصر نفسه، وجرى تقديمه إعلاميًا، بوصفه زعيم المشروع القومي العربي، وحامل لواء التحرر والاستقلال والعدالة الاجتماعية. إلا أن قراءة الوقائع والنتائج، بعيدًا عن الخطاب الدعائي، تكشف عن تجربة حكم كرّست الاستبداد، وأنتجت هزائم عسكرية كبرى، وألحقت أضرارًا عميقة بالبنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أكثر من دولة عربية.

 

دولة الفرد وإلغاء السياسة

منذ انقلاب تموز/يوليو 1952، اتجه النظام الناصري إلى إلغاء الحياة السياسية المنظمة، فحُلّت الأحزاب، وصودرت الصحافة المستقلة، وجرى إخضاع القضاء، وتحويل الدولة إلى بنية تدور حول الزعيم الفرد. وبذلك انتقل الحكم في مصر من أزمة نظام ملكي  إلى نظام سلطوي مركزي لا يعرف التعدد ولا يقبل المساءلة.

 

هذا النمط من الحكم لم يؤسس لدولة مؤسسات، بل لدولة قرارات فردية، حيث تختزل السياسة في الإرادة الشخصية، وتُدار الشؤون العامة بمنطق التعبئة لا التخطيط. وقد كانت النتيجة الطبيعية لهذا المسار هي تضخم الأجهزة الأمنية، وتراجع الكفاءة الإدارية، وتآكل القدرة على تصحيح الأخطاء.

 

نكسة 1967: الهزيمة التي كشفت الوهم

شكّلت هزيمة حزيران/يونيو 1967 الحدث الفاصل في تقييم تجربة عبد الناصر. فخلال ستة أيام فقط، انهار الخطاب القومي برمّته، وخسرت مصر شبه جزيرة سيناء، وسوريا هضبة الجولان نتيجة تخازل الاسد والأردن الضفة الغربية. لم تكن النكسة هزيمة عسكرية فحسب، بل كانت انهيارًا شاملاً لمنظومة سياسية وإعلامية قامت على التضليل، وتزييف الوعي، والمبالغة في تصوير القوة العسكرية.

 

لقد سبق الهزيمة خطاب تعبوي صاخب عن “الردع” و”التحرير” و”القوة الضاربة”، في وقت كانت فيه الجيوش تُدار بعقلية سياسية، ويُقدَّم الولاء على المهنية، ويُقصى الضباط الكفوؤون لصالح دوائر الثقة.

 

الإعلام الدعائي وصناعة الوهم

تميّز العهد الناصري بسيطرة شبه مطلقة على الإعلام، الذي تحوّل من أداة مساءلة إلى جهاز تعبئة أيديولوجية. أُنتجت صورة متخيلة لدولة قوية، تمتلك صواريخ قادرة على تغيير موازين القوى، بينما كانت هذه “الإنجازات” في معظمها رمزية أو استعراضية، لا تملك أثرًا فعليًا في ميزان الصراع.

هذا الانفصال بين الخطاب والواقع لم يؤدِّ فقط إلى صدمة 1967، بل أسّس لثقافة سياسية ما تزال حاضرة، تقوم على تقديس الزعيم، وتجريم النقد، واعتبار الاعتراف بالفشل خيانة وطنية.

 

الوحدة مع سوريا: تجربة الفشل المبكر

تُعد تجربة الوحدة بين مصر وسوريا (1958–1961) نموذجًا صارخًا لفشل المشروع القومي في صيغته الناصرية. فقد فُرض نموذج مركزي صارم ألغى التعدد السياسي، وهمّش النخب الوطنية السورية، وأدار الدولة بعقلية أمنية لا تشاركية.

انتهت الوحدة سريعًا، لكنها تركت آثارًا بنيوية خطيرة، وأسهمت في إضعاف الحياة السياسية السورية، ومهّدت الطريق أمام عسكرة الدولة وهيمنة حزب البعث  وعصابات الاسد لاحقًا، بما حمله ذلك من كوارث ممتدة حتى يومنا هذا.

 

الاقتصاد المؤمَّم ونتائج السياسات المرتجلة

اقتصاديًا، مثّلت سياسات التأميم والإصلاح الزراعي، رغم شعاراتها الاجتماعية، تجربة غير مدروسة ألحقت أضرارًا بالغة بالاقتصاد الوطني. فقد أدت إلى هروب رؤوس الأموال، وتراجع الإنتاج، وتضخم الجهاز البيروقراطي، وتآكل الطبقة الوسطى، وتحويل الدولة إلى ربّ عمل غير كفوء.

وبدل أن تتحول مصر إلى نموذج تنموي مستقل، أصبحت دولة تعتمد على المساعدات الخارجية، وتعاني من اختلالات اقتصادية ما تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.

 

القمع الداخلي وتدمير المجال العام

لم يكن القمع في عهد عبد الناصر استثناءً، بل كان جزءًا بنيويًا من نظام الحكم. فقد امتلأت السجون بالمعارضين من مختلف الاتجاهات، ومورست سياسات الاعتقال والتعذيب والمحاكمات الاستثنائية باسم حماية الثورة. أدى ذلك إلى تجريف المجال العام، وإقصاء النخب الفكرية والسياسية، وإضعاف المجتمع المدني، ما جعل الدولة أقل قدرة على مواجهة التحديات الخارجية.

 

شهادة المثقفين وعودة الوعي

بعد الهزيمة، بدأت مراجعات فكرية جريئة من داخل النخبة الثقافية نفسها. وقد مثّل كتاب توفيق الحكيم عودة الوعي محطة مفصلية في نقد الذات، حين اعترف الكاتب بأنه عاش سنوات طويلة في حالة من الغيبوبة الفكرية. كما عبّر نجيب محفوظ، بمرارة لافتة، عن نتائج التجربة الناصرية حين قال إن تمثال عبد الناصر “كان الأجدر أن يُقام في تل أبيب لا في القاهرة”، في إشارة رمزية إلى حجم الخسائر التي مُنيت بها الأمة.

 

خاتمة: كسر الحلقة المغلقة

إن مراجعة تجربة جمال عبد الناصر ليست استهدافًا لشخصه، بل ضرورة لفهم أحد أهم أسباب تعثر المشروع العربي الحديث. فقد أثبتت الوقائع أن الشعارات القومية، حين تُدار بلا مؤسسات ولا مساءلة، تتحول إلى أدوات هدم لا بناء، وأن الزعيم الفرد، مهما بلغت شعبيته، لا يصنع نهضة.

 

يبقى السؤال مفتوحًا أمام الأجيال العربية الجديدة:

هل نتعلّم من هذه التجربة، أم نعيد إنتاجها بأسماء جديدة وخطابات متشابهه.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

أخبار عامة

إعادة بناء التعليم بتكلفة أقل وأثر أكبر

إعادة بناء التعليم بتكلفة أقل وأثر أكبر
أخبار عامة

أقصاب في مهبّ الريح: محاولات عبثية لزعزعة استقرار سوريا الجديدة

أقصاب في مهبّ الريح: محاولات عبثية لزعزعة استقرار سوريا الجديدة
أخبار عامة

الخطاب الطائفي… خطر يهدد الوطن والإنسان معًا

الخطاب الطائفي… خطر يهدد الوطن والإنسان معًا
أخبار عامة

التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا

التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
أخبار عامة

"أنوفيا"... مجلة إعلامية رقمية متخصصة في السياحة

"أنوفيا"... مجلة إعلامية رقمية متخصصة في السياحة
أخبار عامة

النظام الفيدرالي رائع: لكن هل نحن جاهزون؟

النظام الفيدرالي رائع: لكن هل نحن جاهزون؟
أخبار عامة

لغة الغربة... حين تصبح الكلمات غريبة عنّا!!..

لغة الغربة... حين تصبح الكلمات غريبة عنّا!!..


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...