إعادة بناء الإنسان: الطريق إلى نهضة أخلاقية وحضارية في الشرق الأوسط!

إعادة بناء الإنسان: الطريق إلى نهضة أخلاقية وحضارية في الشرق الأوسط!
أ. جلال دشان

إعادة بناء الإنسان: الطريق إلى نهضة أخلاقية وحضارية في الشرق الأوسط!

 

أ. جلال دشان*

 

يشكو العالم اليوم من تراجع ملحوظ في منظومة التربية الأخلاقية، ويبدو أن محيط الشرق الأوسط يواجه تحديات خاصة في هذا السياق، حيث تراجع حضور بعض الموروثات الثقافية التي كانت تشكل ركيزة أساسية في بناء الإنسان والمجتمع. إن الاهتمام بإحياء العادات النبيلة والقيم الأصيلة لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة ملحة لحماية المجتمعات التي بدأت تفقد بوصلتها الأخلاقية، خاصة أولئك الذين ظنوا في فترات سابقة أنهم أصحاب نفوذ وقوة، بينما كانت القوة الحقيقية كامنة في منظومة القيم لا في مظاهر السلطة.

 

لقد سعت كثير من البلدان إلى إعادة إحياء عاداتها الثقافية النبيلة، إدراكًا منها أن الحضارة ليست مظهرًا عمرانيًا باذخًا، ولا لباسًا فاخرًا، ولا شعارًا لامعًا، بل هي أثر عميق يعكس بداية صحيحة في بناء الإنسان. فالحضارة الحقيقية تقوم على مجموعة من القيم الإنسانية والأخلاقية التي تسمو بالإنسان، وكلما تطور الإنسان في بنيته الأخلاقية الصحيحة، ارتقى حضاريًا وأصبح قدوة لغيره.

 

إن ما يشهده العالم اليوم من مظاهر انحلال أخلاقي يدفعنا إلى التأكيد بأن نجاة الأمة والمجتمع مرهونة بالقيم المبنية على المحبة، ومساعدة الآخرين، والعودة إلى الفطرة السليمة. غير أن عوامل الدفع نحو الانحلال كثيرة ومتنوعة، بينما تبدو عوامل الجذب نحو التمسك الأخلاقي ضعيفة في كثير من الأحيان. من هنا تتجلى أهمية الإرث الثقافي بوصفه مشروعًا عمليًا لا تنظيريًا، مشروعًا يُبنى على التخطيط، ثم الإشراف، فالتنفيذ بعيد المدى، لصناعة مجتمع ناضج وواعٍ؛ فالوعي في كثير من الأحيان يتفوق على الذكاء، لأنه يرتبط بحسن التقدير وسلامة البوصلة الأخلاقية.

 

لقد أصاب الملل شريحة واسعة من المجتمع نتيجة كثرة الشعارات التي لم تُترجم إلى عمل ملموس يُرى بالعين المجردة. فالتنظير، مهما كان جميلًا، لا يغني عن التطبيق، ولا يمكن أن يثمر دون خطة واضحة وآليات تنفيذ حقيقية. ولا ينبغي أن نخشى أصحاب النقد الدائم، فالنقد جزء من أي مسار إصلاحي، لكن الخطر يكمن في تحويله إلى أداة للتفشيل لا للتقويم. وهنا قد يكون اللجوء إلى إدارة أزمات احترافية، عبر فريق متكاتف، ضرورة لضمان استمرارية العمل وتحقيق أهدافه.

 

إن الموروث الثقافي في منطقتنا غني وعميق، لكنه تعرض في فترات سابقة لسوء فهم وتشويه، خاصة في ظل الفوضى التي عصفت ببعض مجتمعات الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن تاريخنا زاخر بالأدباء والمفكرين والباحثين الذين صاغوا تجاربهم بعبارات راقية وأفكار ناضجة، وقدموا نتائج مشرّفة أفادت أجيالًا متعاقبة. إن العودة إلى ذلك الإرث لا تعني الانغلاق على الماضي، بل تعني استلهام جوهره لبناء حاضر متوازن ومستقبل أكثر وعيًا.

 

إن النجاة من هذا المأزق الحضاري لا تكون إلا بإعادة بناء الإنسان ثقافيًا وأخلاقيًا، لأنه حجر الأساس في أي نهضة حقيقية. فحين يُعاد تشكيل الإنسان على أسس القيم، يصبح قادرًا على مواجهة الفوضى، وتجاوز الأزمات، والخروج من هذا البحر المظلم الذي تتلاطم أمواجه في واقعنا المعاصر.

 

إن الشرق الأوسط لا يحتاج فقط إلى مشاريع عمرانية أو اقتصادية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى مشروع إنساني يعيد الاعتبار للأخلاق، ويؤسس لوعي جمعي يؤمن بأن الحضارة تبدأ من الداخل، من ضمير الإنسان، قبل أن تنعكس في مظهر العمران.

 

*كاتب رأي سوري/ فيينا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

أخبار عامة

عائلة الأسد: سلالة الحكم بالدم وتوريث الإجرام!!

عائلة الأسد: سلالة الحكم بالدم وتوريث الإجرام!!
أخبار عامة

من يملك سجلًا أسودًا يحتاج دائمًا لتشويه غيره ليصبح أقل سوادًا

من يملك سجلًا أسودًا يحتاج دائمًا لتشويه غيره ليصبح أقل سوادًا
أخبار عامة

من الحلم القومي إلى الهزيمة التاريخية: مراجعة نقدية لعهد جمال عبد الناصر

من الحلم القومي إلى الهزيمة التاريخية: مراجعة نقدية لعهد جمال عبد الناصر
أخبار عامة

إعادة بناء التعليم بتكلفة أقل وأثر أكبر

إعادة بناء التعليم بتكلفة أقل وأثر أكبر
أخبار عامة

أقصاب في مهبّ الريح: محاولات عبثية لزعزعة استقرار سوريا الجديدة

أقصاب في مهبّ الريح: محاولات عبثية لزعزعة استقرار سوريا الجديدة
أخبار عامة

الخطاب الطائفي… خطر يهدد الوطن والإنسان معًا

الخطاب الطائفي… خطر يهدد الوطن والإنسان معًا
أخبار عامة

التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا

التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
أخبار عامة

"أنوفيا"... مجلة إعلامية رقمية متخصصة في السياحة

"أنوفيا"... مجلة إعلامية رقمية متخصصة في السياحة
أخبار عامة

النظام الفيدرالي رائع: لكن هل نحن جاهزون؟

النظام الفيدرالي رائع: لكن هل نحن جاهزون؟


الاكثر شهرة
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...