نحن أبناء الصورة التي صنعها الآخرون..!! حسين مطر

٢٠٢٦٠٧٠٥_١٩٠١٢٦.jpg

نحن أبناء الصورة التي صنعها الآخرون..!!

 

حسين مطر*

 

 

منذ اللحظة الأولى التي نبدأ فيها بفهم العالم من حولنا ونحن نتعلم كيف نبدو أمام الآخرين قبل أن نتعلم كيف نكون أمام أنفسنا فالطفل لا يولد وهو يعرف أنه ذكي أو ضعيف أو ناجح أو فاشل لكنه يسمع هذه الكلمات من حوله فتبدأ الكلمات بصناعة صورته عن نفسه وحين يسمع أنت ذكي يبدأ في البحث عن كل ما يثبت ذكاءه وحين يسمع أنت قوي قد يتعلم أن يخفي ضعفه وحين يسمع أنت مختلف قد يقضي سنوات يحاول المحافظة على هذا الاختلاف حتى لو كان في داخله يريد أن يكون عاديًا مثل الجميع وهكذا تبدأ الحكاية فنحن لا نكبر بأجسادنا فقط بل نكبر أيضًا داخل الصور التي يرسمها الآخرون لنا فالأب يرسم صورة لابنه كما يتمنى أن يكون والمدرس يرسم صورة لطالبه كما يراه والأصدقاء يرسمون صورة لصديقهم كما اعتادوا عليه والمجتمع يرسم صورة للإنسان الذي يعتبره ناجحًا ثم يأتي الإنسان فيجد نفسه أمام مجموعة من الصور وكل صورة تحمل دورًا مختلفًا فيحاول في البداية أن يرضي الجميع فيريد أن يكون الابن الذي يفتخر به أهله والصديق الذي لا يخذل أصدقاءه والموظف الذي لا يخطئ والإنسان الذي يبدو قويًا مهما كانت الظروف ثم يكتشف بعد سنوات أن محاولته المستمرة لأن يكون كل شيء للجميع جعلته يبتعد عن الشيء الأهم وهو أن يكون نفسه وهنا تبدأ المأساة الحقيقية لأن الإنسان قد يصبح بارعًا في تمثيل الشخصية التي أحبها الآخرون حتى ينسى ملامح شخصيته الأصلية فيبتسم وهو متعب ويصمت وهو يريد الكلام ويقول نعم وهو يريد أن يقول لا ويظهر القوة وهو يحتاج إلى من يسنده لا لأنه منافق بل لأنه خائف من أن تسقط الصورة التي صنعها الآخرون عنه فبعض الناس لا يخافون من خسارة الأشخاص بقدر خوفهم من خسارة مكانتهم في عيونهم لأنهم اعتادوا أن يكونوا كما يريدهم الآخرون لا كما هم في حقيقتهم ولهذا قد يستمر الإنسان في علاقة لا تشبهه أو وظيفة لا يحبها أو طريق لم يختره بإرادته فقط لأنه يخشى أن يسمع من حوله يقولون لقد تغيرت وقد يظن الناس أن التغيير غرور وأن الاستقلال ابتعاد وأن الصمت ضعف بينما قد يكون كل ذلك مجرد محاولة متأخرة من الإنسان للعودة إلى نفسه فالإنسان ليس صورة ثابتة ولا شخصية مكتملة منذ البداية بل هو رحلة طويلة من التجربة والخطأ والنضج وإعادة الاكتشاف وما كان يناسبه بالأمس قد لا يناسبه اليوم وما كان يؤمن به في مرحلة من حياته قد يعيد النظر فيه عندما تتسع رؤيته وهذا ليس تناقضًا بالضرورة بل قد يكون وعيًا ونضجًا لذلك لا ينبغي أن نجعل صورتنا القديمة سجنًا نحاكم أنفسنا داخله كلما تغيرنا ولا ينبغي أن نسمح للآخرين أن يحتفظوا بنسخة قديمة منا ثم يعاقبونا لأننا لم نعد تلك النسخة فهناك فرق بين الوفاء للمبادئ والوفاء للصورة فالمبادئ قد تبقى ثابتة بينما تتغير طريقة الإنسان في التعبير عنها أما الصورة فهي توقعات الآخرين عنه وحين يصل الإنسان إلى مرحلة من الوعي يبدأ بالتفريق بين ما يريده هو وما يريده الآخرون منه ويبدأ بإعادة ترتيب حياته بعيدًا عن الحاجة الدائمة إلى الإعجاب والتصفيق فيفهم أن قيمته لا تتحدد بعدد من يمدحه وأن نجاحه لا يقاس بمدى إعجاب الناس به وأن احترامه لنفسه لا يحتاج إلى موافقة جماعية وحينها يستطيع أن يقول لا دون أن يشعر بالذنب ويستطيع أن يعترف بخطئه دون أن يشعر أن قيمته انهارت ويستطيع أن يقول لقد تعبت دون أن يعتبر التعب ضعفًا ويستطيع أن يغير رأيه دون أن يخجل من ماضيه ويستطيع أن يختار طريقه دون أن يقدم تقريرًا طويلًا يشرح للآخرين لماذا اختاره وربما يخسر في طريقه بعض الأشخاص وربما تتغير نظرة البعض إليه وربما يسمع كلمات لم يكن معتادًا عليها لكنه في المقابل سيستعيد شيئًا أثمن من كل تلك الصور وهو نفسه فليس المطلوب أن نهدم كل الصور التي صنعها الآخرون عنا بل أن نعرف أيها يشبهنا وأيها فُرض علينا وأيها أصبحنا نحمله فقط لأننا اعتدنا عليه فالحرية الحقيقية ليست أن يفعل الإنسان كل ما يشاء وإنما أن يستطيع أن يعيش بصدق دون أن يكون أسيرًا لحكم الآخرين وأن ينظر إلى المرآة فلا يرى الشخص الذي يريد المجتمع أن يراه بل يرى إنسانًا يعرف نقاط قوته وضعفه ويقبل أخطاءه ويتعلم منها ويعرف ماضيه دون أن يصبح أسيره ويخطط لمستقبله دون أن يسمح لأحد أن يكتبه نيابة عنه وفي النهاية نعم نحن أبناء الصورة التي صنعها الآخرون في بدايات حياتنا لكننا لسنا مضطرين إلى أن نبقى أبناءها إلى الأبد فقد يأتي يوم نكبر فيه بما يكفي لنعيد رسم صورتنا بأيدينا وعندما يحدث ذلك قد يقل التصفيق وقد تبتعد بعض الوجوه وقد يسقط بعض من كانوا يحبون النسخة القديمة منا لكن شيئًا في الداخل سيهدأ لأن الإنسان عندما يتوقف عن العيش لإرضاء الآخرين يبدأ للمرة الأولى في العيش بصدق وعندما تصبح صورتك أمام الناس قريبة من حقيقتك أمام نفسك لن تحتاج إلى أن تكون محبوبًا من الجميع وسيكفيك أن تكون صادقًا مع ذاتك لأن الإنسان قد يقضي نصف عمره يبحث عن مكان في قلوب الآخرين ثم يكتشف في النصف الآخر أن المكان الأهم الذي كان يبحث عنه هو مكانه في داخله فليس أجمل انتصار أن تغيّر صورتك في عيون الناس بل أن تستعيد صورتك الحقيقية في عينيك أنت.

 

* كاتب عراقي.


تعليق

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

عبد الرحمن بوطيب: الشعر لا يجوز أن يقدم المعنى جاهزا!

عبد الرحمن بوطيب: الشعر لا يجوز أن يقدم المعنى جاهزا!
الثقافة والأدب

إبداع شعري جديد لرضوان فلاحة.. لا حاجة لياء النداء..!!سامر خالد منصور

إبداع شعري جديد لرضوان فلاحة.. لا حاجة لياء النداء..!!سامر خالد منصور
الثقافة والأدب

قراءة لقصيدة "ضاعت بلادي "للدكتور مايكل حمدان ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لقصيدة "ضاعت بلادي "للدكتور مايكل حمدان ..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

الفقر ليس عيبًا.. والشهادة ليست مقياسًا للأخلاق!

الفقر ليس عيبًا.. والشهادة ليست مقياسًا للأخلاق!
الثقافة والأدب

قراءة نقدية لقصة" عبور مرحلي" للكاتبة إيناس سيد جعيتم..!! جدوى عبود

قراءة نقدية لقصة" عبور مرحلي" للكاتبة إيناس سيد جعيتم..!! جدوى عبود


الاكثر شهرة
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا

التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن*   دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...

أيها القلبٌ!!

  أيها القلبٌ!! محاسن الجندي*   لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....

سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..

  سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..   _نحن نعمل بالممكنات.. _العالم منفتح تجاه سورية.. _ا...

الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!

  الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!   ملاك صالح صالح*   قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...

تابعونا


جارٍ التحميل...