حين نكبر… ولا يكبر الألم!!
حين نكبر… ولا يكبر الألم!!
ملاك صالح صالح*
لسنا أطفالًا بعد الآن، لكن شيئًا ما في داخلنا ما زال يقف هناك… في زاوية بعيدة من الذاكرة، يحمل نظرة قديمة لم تُفهم، وكلمة قاسية لم تُنسَ، وصمتًا طويلًا لم يجد من يسمعه.
نحن الكبار نتقن التظاهر بالقوة، نذهب إلى أعمالنا، نربي أبناءنا، نبتسم في الصور، ونتحدث بثقة عن الحياة. لكن في أعماقنا أماكن معتمة لا نزورها كثيرًا. أماكن دفنّا فيها ألمًا قديمًا لأن من جرحنا كانوا أيضًا من نحبهم. وهذا هو الجزء الأصعب.
كيف نعترف بأننا تأذينا من أمٍ سهرت علينا؟
كيف نقول إن أبًا اجتهد لأجلنا ترك فينا خوفًا لم نفهمه؟
كيف نشتكي ممن منحونا أسماءنا وملامحنا؟
يتسلل إلينا شعور خفي بالذنب. فنختار الصمت. نقنع أنفسنا أن الماضي انتهى، وأن الحديث عنه قسوة أو عقوق. ندفن الألم احترامًا للحب، ونبتلع الدموع وفاءً للذكريات الجميلة. لكن الألم الذي يُدفن لا يموت… بل يتجذر.
يبقى فينا كتوترٍ دائم، كحساسية مفرطة من النقد، كخوف غير مبرر من الهجر، كحاجة مرهقة لإرضاء الجميع. وأحيانًا يظهر في لحظات لا نتوقعها: نغضب بشدة، أو نقسو فجأة، أو نبالغ في الحماية. فنفاجأ بأننا نتصرف بطرق لا تشبه صورتنا عن أنفسنا.
وهنا، دون أن نشعر، نلتقي بالطفل الذي كنا عليه يومًا ما.
ذلك الطفل الذي لم يجد دائمًا الكلمات ليشرح خوفه.
الذي ظنّ أن المشكلة فيه، لا في الظروف من حوله.
الذي حاول أن يكون "جيدًا بما يكفي" ليستحق الحب.
الإساءة الوالدية ليست دائمًا عنفًا ظاهرًا. أحيانًا تكون تجاهلًا متكررًا، مقارنة جارحة، أو صرامة لا تعرف الحنان. والطفل لا يملك أدوات التحليل؛ هو فقط يشعر. وإذا لم يُحتضَن شعوره، فإنه يكبر معه.
فنصبح بالغين بأجساد كبيرة وقلوب صغيرة ما زالت تبحث عن أمان قديم.
لكن الجمال في الأمر أن الاعتراف لا يعني الاتهام. يمكننا أن نحب أهلنا ونفهم أنهم بشر، وفي الوقت نفسه نعترف بأن بعض أفعالهم آلمتنا. يمكن أن يجتمع الحب والألم في القلب ذاته دون أن يلغي أحدهما الآخر.
التعافي يبدأ حين نسمح لأنفسنا أن نشعر دون خوف من الذنب.
حين ننظر إلى الداخل بلطف لا بمحاكمة.
حين نقرر أن نكون نحن الحضن الذي افتقدناه.
وعندما نختار أن نداوي جراحنا، فإننا لا نُصلح أنفسنا فقط… بل نحمي أبناءنا أيضًا من أن يحملوا الألم نفسه. لأن الطفل الذي يُربّى على وعيٍ ورحمة، لا يحتاج أن يدفن وجعه في صمت.
ربما لا نستطيع تغيير ما مضى، لكننا نستطيع أن نمنع الألم من أن يصبح إرثًا. نستطيع أن نكسر الحلقة، وأن نحول الجرح إلى فهم، والقسوة إلى وعي، والذكرى المؤلمة إلى بداية جديدة.
نحن لا نعود إلى الماضي لنعيش فيه، بل لننير زاويةً فيه… ثم نغادر أخفّ قلبًا، وأصدق حبًا، وأعمق سلامًا.
*كاتبة فلسطينة/ فيينا.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الرواية " سراب" هل استطاعت الخروج من محيطها؟!
سيدة الصالون… أم كاهنة الفساد في عصر الانحطاط؟
السخرية كقناع لإرث الدم – ردًّا على ما كتبه فراس طلاس
“الكتابة صرخة الحرية: من صمت الخوف إلى زلزال الحقيقة”
ناظم القدسي… رئيس الحرية الذي أسقطه الانقلاب وأحياه التاريخ
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...