دكانة أبو مرهف!

دكانة أبو مرهف!

دكانة أبو مرهف!


عبدالكريم العفيدلي*


تتوسط دكانة أبو مرهف شارع القوتلي في الرقة، دكانة صغيرة للمستلزمات الرجالية، تبيع البشوت والشماغات وما يحتاجه الرجل في مناسباته. غير أن الدكانة، مع السنوات، خرجت عن وظيفتها الأولى ،صار لها روادها، وأحاديثها، وحضورها اليومي الذي يتجاوز مساحة واجهتها الصغيرة.
يقول أحد أبناء أبي مرهف: "يفوت علينا سوري، يطلع خليجي".
يقولها ضاحكاً، لكن البشت قادر فعلاً على تغيير هيئة الرجل. لا يغيره هو، وإنما يغير الصورة التي يظهر بها أمام الناس.
وأهل الرقة يعرفون طريق الدكانة. يأتون إليها من جهات المدينة المختلفة، وتلتقي فيها وجوه قد لا يجمعها مكان آخر. يدخل رجل لشراء شماغ، فيلتقي بآخر. يأتي ثالث ليسأل عن بشت، فيسمع خبراً. وهكذا تتجمع في الدكانة أخبار الرقة، من أقصى الشرق إلى أقصى الشمال، ومن الجنوب إلى الغرب.
إذا أردت أن تعرف ما حدث في المدينة، وما يتناقله الناس عنها، فقد تكفيك نصف ساعة فيها قبل الظهر. الأخبار تأتي من كل جهة، ويأخذ كل رجل منها ما يعرفه ويضيف إليه ما سمعه، ثم يمضي بها إلى رجل آخر.
ليست نشرة أخبار، لكنها أحياناً أقرب إلى نبض المدينة.
ولم يكن أبو مرهف يبيع البشوت فقط. فتح دفتراً خاصاً لتأجيرها.
ذات مرة جاءه وفد من محافظة أخرى لأداء واجب عزاء في الرقة. نظر الرجال إلى العباءات، فوجدوا أسعارها مرتفعة بالنسبة إلى مناسبة قصيرة. عرض عليهم أبو مرهف أن يستأجروها لساعتين، يؤدون بها واجبهم ثم يعيدونها.
كان حلاً عملياً، لكنه جعل البشت في تلك الساعات ملكاً للمناسبة أكثر مما هو ملكاً للرجل.
وقد دخل إلى الدكانة ذات يوم شيخ معروف في الرقة، له مكانة اجتماعية كبيرة، وكان بلا عباءة. سأله أبو مرهف عن السبب، فقال:
"ما خليت بيها شيوخ يا أبو مرهف، من قمت تلبسها لحام حيم بطلنا نلبسها".

ضحك من كان حاضراً، ومضت الجملة كأنها طرفة.
لكنها كانت تقول شيئاً واضحاً: حين يصبح الرمز متاحاً للجميع، لا يعود قادراً وحده على التمييز.
وأبو مرهف لم يكن معنيّاً بكل ذلك. كان يتعامل مع البشت ببساطة التاجر: بشت للبيع، وبشت للإيجار، ورجل يحتاج إليه اليوم وقد لا يحتاج إليه غداً.
وفي الظهيرة، تأخذ الدكانة شكلاً آخر.
قد تدخل فتجد أربعة أو خمسة رجال قد افترشوا أرضها وأخذوا قيلولتهم تحت المكيف. بعضهم جاء هرباً من حر البيت، وبعضهم اعتاد أن يقضي ساعته هنا. لا أحد يستغرب الأمر. الدكانة، في هذه الساعات، تصبح مجلساً مفتوحاً.
يتحدث الرجال قليلاً، ثم ينامون.
وقد تدخل "الحنونة"، وهي الصينية التي يرسلها أبو مرهف إلى فرن اللحم بعجين، فتعود مقمّرة وساخنة. عندها يتغير إيقاع المكان؛ يجتمع من كان موجوداً حول الطعام، وتستعيد الدكانة شيئاً من صورة البيوت القديمة: رجال يعرف بعضهم بعضاً، وطعام يأتي من الفرن في منتصف النهار.
البشت موجود في الواجهة، لكن الحياة تجري في الداخل.
رجل جاء ليشتري شماغاً قد يسمع خبراً. وآخر جاء ليستأجر بشتاً قد يقضي الظهيرة. وثالث جاء ليسلم على صاحبه فيجد نفسه جالساً إلى جواره على الأرض.
وهذه التفاصيل هي التي صنعت للدكانة مكانها في ذاكرة أهل الرقة. ليست لأنها تبيع البشوت، وإنما لأن الناس عاشوا فيها شيئاً من أيامهم.
فيها عُرفت الأخبار، ومرّت المناسبات، واستؤجرت العباءات، وجلس الرجال تحت المكيف، وعادت " الحنونة " من الفرن مقمّرة.
وفي اليوم التالي يعود كل شيء إلى مكانه: البشوت على الرفوف، الشماغات في مواضعها، والدكانة تستقبل وجوهاً جديدة وأخباراً جديدة.
أما ما جرى بالأمس، فيبقى في ذاكرة الذين كانوا هناك.
ربما لهذا تبدو دكانة أبو مرهف أقرب إلى جزء من حياة الرقة منها إلى متجر فيها.
مكان صغير، تتجاور فيه الرتبة والخبر والعادة والطعام، ثم تجلس كلها في الظهيرة على أرض واحدة.
وفي تلك الساعات، لا يكون البشت هو ما يجمع الرجال.
الذي يجمعهم هو المكان.

 

*شاعر وكاتب سوري/ الرقة.


كلمات البحث

تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

نحن لانموت لأن قلوبنا تتوقف ..!! عائشة ابراهيم قسوم

نحن لانموت لأن قلوبنا تتوقف ..!! عائشة ابراهيم قسوم
الثقافة والأدب

مسابقة القصة القصيرة.. رابطة الكتاب العرب الأدبية!

مسابقة القصة القصيرة.. رابطة الكتاب العرب الأدبية!
الثقافة والأدب

الإكثار من التبرير في علم النفس..!! أنس بابكر محمد

الإكثار من التبرير في علم النفس..!! أنس بابكر محمد


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...