دمشق تحتفي بسينما المرأة!!
دمشق تحتفي بسينما المرأة!!
عمر سعيد*
ثلاث حكايات من السودان ومصر وسوريا في صالون دمشق السينمائي
في إطار الاحتفاء الثقافي بالسينما ذات البعد الاجتماعي،وبمناسبة يوم المرأة العالمي ، استضاف صالون دمشق السينمائي،. في باب توما، فعالية ثقافية بعنوان “أسبوع أفلام المرأة” بالتعاون مع مبادرة “مساحات _ أفلامنا”، حيث تم عرض ثلاثة أفلام قصيرة من السودان ومصر وسوريا، قدّمت رؤىً مختلفة لحياة النساء في المجتمعات العربية، وطرحت أسئلةً عميقة حول السلطة الاجتماعية، والتقاليد، والحرية الشخصية، والهجرة، والذاكرة.
جاءت هذه العروض ضمن تقليد ثقافي يسعى الصالون من خلاله إلى فتح مساحة للحوار السينمائي والنقاش النقدي، من خلال الفعاليات بعرض الأفلام، وتسعى إلى قراءة الواقع الاجتماعي العربي من خلال لغة السينما.
“الست”: سلطة التقاليد في مواجهة حلم الفتاة
الفيلم السوداني “الست” للمخرجة سوزانا ميرغني، وهو عمل روائي قصير حاز حضوراً لافتاً في المهرجانات الدولية، حيث حصل على عدد كبير من الجوائز السينمائية العالمية.
يتناول الفيلم قصة نفيسة، فتاة سودانية في الخامسة عشرة من عمرها تعيش في قرية تشتهر بزراعة القطن؛ تجد نفيسة نفسها في قلب صراع بين مشاعرها الشخصية ورغبتها في اختيار حياتها، وبين سلطة العائلة والتقاليد التي تفرض عليها زواجاً مرتباً من رجل أعمال يعيش خارج البلاد.
غير أن العنصر الأكثر حضوراً في القصة هو شخصية الجدة، المعروفة بلقب “الست”، والتي تمثل السلطة الاجتماعية والرمزية داخل القرية.
من الناحية الفنية، يعتمد الفيلم على سرد بصري هادئ لكنه مكثف، حيث تبدو القرية السودانية فضاءً رمزياً للصراع بين القديم والجديد. فـ“الست” كشخصية لها حضورها وسطوتها ، هي تمثيل لنظام اجتماعي كامل، يحدد مصير الأفراد ويضبط حدود الحرية الشخصية.
نجح الفيلم في طرح سؤال مركزي: هل تستطيع الفتاة في المجتمعات التقليدية أن تملك قرارها؟ وهو سؤال يتجاوز حدود السودان ليصبح سؤالاً عربياً عاماً.
“حواديت إيكنجي”: الذاكرة البدوية وصوت النساء
الفيلم المصري “حواديت إيكنجي” للمخرجة مروة الشرقاوي، هو عمل ينتمي إلى السينما الإنسانية التي تستعيد ذاكرة المكان والإنسان.
يتناول الفيلم حكايات امرأتين من بدو " كينج مريوط " في مصر، حيث تستعيدان ذكرياتهما عن الحب والحياة والزواج في مجتمع بدوي محافظ.
وعلى الرغم من الطابع البسيط للسرد، فإن الفيلم يحمل بعداً ثقافياً مهماً، فهو يوثق نمط حياة آخذ في التلاشي، ويستعيد عناصر من التراث البدوي مثل الأغاني الشعبية والوشوم التقليدية.
اللافت في الفيلم أنه يمتعنا بسرد قصص شخصية، ويقدم قراءة اجتماعية لتحولات المجتمع البدوي في ظل الحداثة؛ فالنساء في الفيلم يظهرن كحافظات للذاكرة الجماعية، وفي الوقت ذاته كأصوات تحاول إعادة تعريف دور المرأة داخل هذا المجتمع.
ومن الناحية السينمائية، يعتمد الفيلم على أسلوب قريب من السينما الشعرية، حيث تمتزج الحكاية بالصورة والذاكرة، ويصبح المكان نفسه شخصية أساسية في السرد.
“فطام”: الهجرة السورية كجرح عائلي
الفيلم السوري “فطام” للمخرج حسام حمو، عمل درامي مكثف يتناول واحدة من أكثر التجارب الإنسانية تأثيراً في المجتمع السوري المعاصر: " الهجرة " .
يحكي الفيلم قصة أم سورية تعيش صدمة مغادرة ابنها الأكبر للبلاد، في لحظة تبدو أشبه بعملية “فطام” عاطفي مؤلم؛ الفراق هنا يصبح مرآة مقعرة للسفر، واقتلاع لجزء من الروح، كما يصوره الفيلم.
اعتمد المخرج على فضاء مكاني واحد تقريباً، إذ جرى التصوير بالكامل داخل منزل سوري بسيط، في محاولة لخلق حالة واقعية قريبة من تجربة العائلة السورية اليومية. هذا الاختيار البصري جعل المكان يبدو ضيقاً من حيث المساحة، لكنه واسع من حيث المشاعر والذكريات.
كما استخدم الفيلم لوحة “Mother and Children” للفنان فريدريش فون أميرلينغ كمرجع بصري يعكس العلاقة العاطفية بين الأم وابنها، في استعارة فنية تربط بين الفن التشكيلي والسينما.
يتميز “فطام” بقدرته على التعبير عن تجربة الهجرة من زاوية مختلفة: من منظور المسافر، ومن منظور من يبقى خلفه.
سينما أفلام قصيرة _ أسئلة كبيرة
تكشف الأفلام الثلاثة، رغم اختلاف بلدانها وأساليبها، عن خيط موضوعي مشترك:
حياة النساء في مواجهة التحولات الاجتماعية.
في “الست” يظهر الصراع بين التقاليد والاختيار الشخصي، وفي “حواديت إيكنجي” تتجسد ذاكرة المرأة في مجتمع بدوي يتغير، بينما يركز “فطام” على الأم السورية التي تواجه فقدان ابنها بسبب الهجرة.
تؤكد هذه التجارب أن السينما القصيرة قادرة على طرح قضايا إنسانية كبرى بلغة مكثفة وعميقة، وأنها أصبحت مساحة مهمة للتعبير عن التحولات التي يعيشها العالم العربي.
كما تعكس الفعالية الدور الثقافي الذي يمكن أن تلعبه المبادرات السينمائية في دمشق، حيث توفر منصة لعرض أفلام عربية مختلفة، وتفتح باب النقاش حول قضايا المجتمع والهوية والذاكرة.
وكانت الأمسية السينمائية والحضور الجميل من المهتمين، بدت وكأنها رحلة عبر ثلاث جغرافيات عربية مختلفة، لكنها تشترك في سؤال واحد:
كيف تعيش المرأة العربية بين إرث التقاليد وضغط التحولات الحديثة؟.
* مراسل فن ومدن.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الصحراء والطفولة المتأخرة في رواية "التبر" لإبراهيم الكوني!
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...