سعديتو في انتظار..سكالوني!!

سعديتو في انتظار..سكالوني!!

سعديتو في انتظار..سكالوني!!

 

قراءة الأستاذة جدوى عبود  لقصة " سعيديتو " للقاص حسن أجبوه

 

♦️ النص :

 

" سعـــيـــديــتــــو "

 

قصة قصيرة

بقلم ذ. حسن أجبوه 

شاعر وروائي من المغرب 

 

يستفيق على أصوات متفرقة، كل الوجوه الغريبة تشكل داخل قزحيته فسيفاء لوحة سوريالية مبهمة، صداع صاخب يفقده التركيز كأنه انفجار نووي، فيجعل كلماتهم إليه تتلاشى مع هواء أنفاسهم الدسمة.. لا يدري من هو، ولا سبب وجودهم متحملقين حول سريره! 

بصعوبة شاقة يحاول تجميع الصور: رجال بجلاليب بيضاء وعمائم، ونسوة منقبات بلون أسود! أيعقل أن يكون قد وفى بوعده له ؟ هل هو مشهد من الفيلم الذي طالما تشخصنت أحلامه في تجسيده، فأضحت ترافقه ليلا ونهارا، صور الفيلم وأحداثه لا تكاد تفارقه مهما سعى الى كبتها. 

أكيد أنه ليس حلما ورديا من أحلامه الطفولية التي نقلته من طفل منبوذ في الملجأ، لا يعرف له أصل ولا فصل، إلى عالم المشاهير، في تصاعد درامي من الحضيض إلى القمة. يقترب منه طيف شخص تسبقه رائحة قوية، وعينان جاحظتان تنبعث منهما شرارات نارية، ولحية حمراء طويلة مشذبة بعناية فائقة، يطبطب على كتفة بكفه المشعر، فيحس بوخزات خاتمه الأسود كلسعات دبابير هائجة تستبسل للدفاع عن ملكتها. يهمس في أذنه بكلمات لا يستوعب إلا جزءا منها ويلتقط فقط كلمة: أم أولادك!

- أم أولادي؟ أنى لي بالعيال وأنا عقيم؟ 

تزمجر سيدة مكتنزة متلحفة بنقاب أسود ونظارات مقعرة تبرز حاجبيها الأسودين المرسومين بريشة رسام متجول: 

- ويحك يا أبا القعقاع! أتتملص مني ومن عيالك؟ 

يمسك بضمادة رأسه الذي زاد طنين ارتجاجه، محاولا فك طلاسم هذا اللغز الذي يحيره، منتظرا إشارات المخرج بنهاية المشهد! لكن لا شيء من ذلك حدث! 

- دعوه يرتاح قليلا، فوقع الصدمة شديد عليه.. 

يتناهى إلى مسمعه، بعد أن خفت تلاسنات الجمع المحيط به، حوار بين إثنين:

- إن أبا القعقاع زوج ابنتي، وأنا مثل والده، فالحمو كما يقولون والد - متصنعا قهقهة -، لقد ربيته كأحد أبنائي، وانتشلته - حفظكم الله - من عالم الفسق، وزوجته ابنتي الكبرى " أم القعقاع " وآويته في داري، وسلمته مالي يكتسب به حلالا طيبا يطعمه أولاده. فكيف تجزم أنه فاقد للذاكرة! إن هذا لإفك مبين! يقاطعه الصوت الآخر:

- على ما يبدو أنك تتسرع بالحكم، المريض يعاني من مضاعفات بعد الصدمة، وهذا بديهي طبيا لشخص تعرض في حياته لكل هاته الأهوال، وسنه لما يتجاوز العقدين..تتراءى له بوضوح في مخيلته في مخيلته ذكريات طفولته بالميتم وما كان يعانيه من تنمر زملائه وتحرشاتهم، فهو ذلك الصبي الأشقر، الهادئ الذي ينزوي تحت شجرة الصفصاف الطويلة، يحتمي بظلها وتعانق بكاءه. هم ينعتونه بــ "سعيد البوال" من كثرة تبوله في سرواله الوحيد، فتشمئز منه الأنفس، وتعاف الأنوف رائحته المقرفة. 

رب ضرة نافعة، ذلك اليوم الذي زارهم فيه غرباء بكاميرات لم يألفوها، انكفأ الى صفصافته يناجيها، مكتفيا بمشاهدة زملائه يتراقصون ويغنون محاولين إثارة ذلك الزائر صاحب شعر ذيل الفرس والنظارات السوداء.. مكتفيا بابتسامة خادعة على وجوههم، لكنه اقترب منه غير مبال برائحته النتنة، متحدثا إليه بلغة لا يفهمها، استشف منها حنانا افتقده منذ ولادته. 

- يا لك من عفريت محظوظ، أيها " البوال "، ستصبح مشهورا وتظهر بالسينما! ههههه 

- أين أنت يا سكالوني؟ أين وعدك لي؟ 

يتذكر جيدا، ظهوره المقتضب بفيلم عالمي، حصد عشرات الجوائز، وكيف انقلبت حياته من منبوذ إلى نجم تزين صوره الجرائد والمجلات، وتتصارع الجميلات لأخذ صور بجانبه، تكرمه الجمعيات وتخطب وده شركات الإعلانات!! للعيش متنقلا بين أسر ومدارس يستبدلها، كما تستبدل الثعابين جلودها، مستحليا السهرات الماجنة بأطعمتها وشرابها. 

كبرت أمانيه ومعها اشتد إدمانه على المخدرات والشراب.. كأنه يصارع الحرمان والوحدة. شعور موحش ممزوج بالحسرة والندم على جنة أضاعها ولم يحسن استغلالها، فينتبه المتحاوران لصوته المقرون بانهمار دموعه، وهو يتمتم: 

- سكالوني! أنقذني..

- ألم أقل لك إنه لئيم جاحد، أوهمنا بأنه تاب توبة نصوحا، ولن يعود مجددا لذكر اسم ذلك الزنديق الكافر، وها هو يستعيذ بالله لينقذه! ممن؟ منا؟ نحن عائلته وعشيرته..

- كما أسلفت لك سيدي الشيخ، لا تأخذ كلامه على محمل الجد، هذه مجرد هلوسات.. 

- وما ذنبنا في أخطاء الأطباء! زميلك المبتدئ أوهمه أنه عقيم ويستحيل أن ينجب! وكما ترى، فعياله يحتاجونه، لقد سئمت منه، وكل محاولاتي بتقويم انحرافه باءت بالفشل، ما يبقيني محافظا على علاقتي به سوى ابنتي وبطون هؤلاء الصغار!

أصبحت الآن، زاوية الرؤية تتضح شيئا فشيئا. يخرج من كوخه صباحا، هاربا من شخير زوجة هي عبارة عن كومة من اللحم، صحيح أنها تكبره بعشرين سنة، ولها ثلاثة أولاد! لكن جميع رجال الجماعة يحسدونه لاقترانه بأرملة الشهيد، ينتعل صندله بخفة لكي لا يحدث ضوضاء، يجر عربة الخيبات التي زوده بها حموه ليسترزق عليها أمام أبواب مساجد المدينة، ثقيلة هي ثقل مآسيه وخيباته، ينتظر بشغف ولهفة بيع قطع من أعواد الأراك، أو كتابا عن أهوال القبر، دراهم معدودة لا تكفي حتى لشراء لبن لابنه الرضيع؛ ابنه؟ من قال إنه ابنه؟! منذ أن طالبه ذلك الطبيب بعمل تحاليل دم لإنقاذ الصبي الذي ولد بكلية واحدة ضعيفة، فأخبره بأن فصيلة دمهما، غير متطابقة، ومن المستحيل أن يكون والده! كتمها بسره وأخفاها عن الجميع، تغير روتينه، وحن لأيام العربدة، فتحول من شيخ بزغبات متفرقة في لحيته ،خلع عباءة الشيوخ ، وحلق اللحية، وعاد ينفق الدراهم التي يكتسبها من وقوفه اليومي أمام أبواب المساجد، على التهام السجائر المحشوة، وشرب القهوة.. ضاربا عرض الحائط تعهداته لحميه الذي زوجه ابنته ومعها أولادها الثلاثة من " شهيد " قضى نحبه بإحدى الغزوات ببلد بعيد.

يتذكر جيدا ذلك النهار الذي صادف خطبة الجمعة، وانتظاره الحارق خروج المصلين، متأهبا لمطاردة الشرطة، تحت أشعة شمس ملتهبة زادها اشتعالا تدخينه المتواصل، وقلة أكله إلا من حبيبات تمر، فأجهزت على ما تبقى من رجاحة عقله وهزالة جسده النحيل، طال الانتظار وتراءى له شبح رجل أخلف وعده إليه! أتراه حلم أم حقيقة؟ 

- (برونطو سعيديتو!) 

تسارعت ضربات قلبه وتوهج بؤبؤ عينيه، وأقبل محاولا احتضان مخلصه.. إلا أن عصا غليظة نزلت على رأسه، طيرت دماء أحلامه وهشمت عظام توسلاته، فأفقدته الوعي.

✍️ حسن أجبوه

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

♦️ القراءة 

🔵 سعيديتو 

نص بديع

هناك مثل يقول: "من خلق ليزحف لايستطيع الطيران "

في رأي الكاتب "المعلن"

هذا الرجل /آبق/ سِجلّه مليء بالنواقص 

لا أسرة ولا انتماء ، لا قبول له في الطفولة ،ما انعكس سلباً على شخصية هشة جعلته فاقد الثقة بالذات ،باحثاً عن أحد يقبله 

إلى أن جاءت فكرة القفز فوق كل هذا /نحو السينما والتميز والظهور / فرآها فرصة سانحة 

في ذاكرة الكاتب حضر المثل الأعلى للتجربة شخصية سينمائية إيطالية معروفة

وقد انتقل مابذهن الكاتب إلى ذهن بطل النص لكن الفكرة اختفت وكأنها سراب 

فيما بعد تبين أن البطل تمنى الزيادة فوقع في النقصان.

 أساء إلى نفسه بالمخدرات رأيت في تجربة المخدرات الشيء الوحيد الذي قرره بإرادته في حين 

استمر القدر في الجور على الفقير بأن تزوج أرملة لاتحفظ نفسها من الفجور ،فكسر الأمر هيبته ودرجة توازن هشة 

ثم جاءت الشرطة التي تحارب وجود الباعة الجوالين دون أن تؤمن لهم بديلاً يقيتهم أو

(يؤمن قوت) عيالهم ، فكانت ضربة أخرى على الرأس الذي لم يعد يحتمل الضربات من القدر ومن البشر ما أفقده الوعي . ودار حديث بين عمه(حماه) والطبيب الذي يشرف عليه في المشفى 

اقول: نص دائري الأحداث والحبكة ،مقفل من حيث عاد الكاتب إلى البدء بعد تصعيد وتشابك وتعقيد للحدث ؛ما جعل القفلة باقية على شدة وانفعال .

ما أتوقعه أن الآخرين ينظرون بريبة ونفور إلى هذا النوع من البشر، ويتجاوزونهم أما الشخص ذاته فلا يرى في نفسه سوى الضياع .

أية قيود تقسو على هذه الشخصية فتسلبها أنبل مايمكن وهو الأبوة ، وكانت قد حرمتها البنوّة 

وتحرمها اهتمام الزوجة الفاسقة

أيضاً فلا حياة تستحق ، وكأنما يريد الكاتب أن يبرر للرجل المحطم أصلاً ماوصل إليه حاله، ولا يجد تبريراً .

النص من حيث اللغة عال ومتماسك وبديع ومن حيث الفكرة أيضاً ، فهو يناقش الشدة والفقر الذي في داخل الإنسان مايبقيه مطحوناً بين حجري رحاها ، يحتاج أن ينتمي إلى المجموع ويسحقه الرفض، وكأنما يقول: النعم الحقيقية هي الأسرة والانتماء، والقبول الاجتماعي وتحقيق مستوى لائق مادياً واجتماعيا ، ثم الأسرة من جديد لأن سرّ الزواج

/خصوصية الزواج/ مع مايعنيه من الاحتواء والمحبة والعاطفة ضمن الأسرة هو السر الأقدس الذي يحقق التوازن والإستقرار في نفس الإنسان طوال حياته 

وكما تبدو الشجرة ناضرة بأغصانها ومشبعة للنظر والقلب والجسد بثمارها وجمالها وفوائدها 

كذلك الأسرة جذورها الموغلة في سر الزواج و وحل الهموم والضغوط والمشاكل الصغيرة هي ما تصنع النماء والاستقرار في الأجيال والأهل على السواء..

من هنا كان الرفض للزنا والخطيئة والابناء اللقطاء. 

حتى الآن لم تكن دور الإيواء في كل دول العالم حتى الراقية منها تقدم لهؤلاء مايدعم حياتهم ويعطيهم تعويضاً نفسياً وجسدياً كافياً يحقق توازناً في مستقبلهم ، بل بقوا إلى الأبد مهزومين يلحق بهم عار ليسوا سبباً فيه، وشدة نفسية يصعب التحرر منها .

جمل قصيرة مختارة بعناية كلمات دقيقة تكثيف وبناء لم يغفل عن إيضاح عمق الحالة التي في كل شخصية من الشخصيات البطل الزوجة والد الزوجه اللهفة والحاجة أجواء البيع قرب المسجد

بناء درامي لأحداث تشبه الحياة 

أعجبني النص جداً ، وكذلك قوته وبناؤه .

سلمت يمناك أستاذ حسن أجبوه

دمت بهذا الابداع وهذا الألق.

 

* كاتبة وناقدة سورية.


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...