قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ «الساكن الآخر» للقاصِّ المبدعِ "عدنان لفته السماوي"..!! ليلى صليبي
قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ «الساكن الآخر» للقاصِّ المبدعِ "عدنان لفته السماوي"..!!
ليلى صليبي*
تنهضُ قصةُ «الساكن الآخر» على ثنائيةٍ إشكاليةٍ بالغةِ العمقِ: الذاتُ والآخرُ، الوعي واللاوعي، والإنسانُ والوحشُ الكامنُ في أعماقِه. وهي لا تقدّمُ حكايةَ رعبٍ تقليديّةٍ تقومُ على إثارةِ الخوفِ من الخارجِ، بل تؤسّسُ لرعبٍ نفسيٍّ ينبعُ من الدّاخلِ الإنساني، فيغدو الإنسانُ نفسُه موضعَ السؤالِ والريبةِ.
يستهلُّ القاصُّ نصَّه بفضاءٍ مألوفٍ تسودُه الطمأنينةُ والنظامُ؛ منزلٌ هادئٌ، وزوجان يعيشان حياةً اعتياديةً، حتى ليبدوَ المشهدُ أقربَ إلى السكونِ منه إلى الحدثِ. غير أنّ هذا السكونَ لم يكنْ سوى عتبةٍ فنيةٍ أرادَها الكاتبُ ليجعلَ من لحظةِ الانكسارِ أكثرَ إيلامًا وأشدَّ وطأةً. فموتُ القطةِ الأولى لا يمثّلُ حدثًا عرضيًّا في البناءِ السردي، بل هو الشرارةُ الأولى لتصدّعِ اليقينِ وولادةِ الشكِّ.
وقد أحسنَ الكاتبُ توظيفَ المكانِ بوصفِه عنصرًا نفسيًّا فاعلًا، فالمنزلُ الذي يُفترضُ أن يكونَ فضاءً للأمانِ يتحوّلُ تدريجيًّا إلى كيانٍ غامضٍ يراقبُ ساكنيه، حتى يفقدَ دلالتَه المألوفةَ، ويصبحَ مكانًا للخوفِ والمراقبةِ المتبادلةِ. هنا تتجلّى قدرةُ السردِ على تحويلِ الأشياءِ الثابتةِ إلى عناصرَ متحركةٍ نفسيًّا، فالأبوابُ المغلقةُ لم تعدْ دليلًا على الأمانِ، بل أصبحتْ مصدرًا للرعبِ، لأنَّ الخطرَ لم يعدْ قادمًا من الخارجِ، وإنما صار مقيمًا في الداخل.
ولعلَّ من أبرزِ مواطنِ الجمالِ الفني في النصِّ اعتمادُه على تقنيةِ التصعيدِ الدرامي المتدرّجِ؛ إذ لا يكشفُ الكاتبُ أوراقَه دفعةً واحدةً، بل يجعلُ القارئَ شريكًا في الارتيابِ والبحثِ عن الحقيقةِ. فاختفاءُ الزوجِ من فراشهِ وعودتُه إليه، ثمَّ تكرارُ حادثةِ القتلِ، يدفعان المتلقي إلى بناءِ فرضياتٍ متعدّدةٍ، قبلَ أن يقودَه السّردُ إلى منطقةٍ أكثرَ غموضًا وإثارةً.
ومن الناحيةِ النفسيةِ، يلامسُ النصُّ مفهومَ “الآخرَ” كونُه تجسيدًا للجانبِ المظلمِ من الذاتِ الإنسانيةِ، فلا يعودُ “الساكنُ الآخرُ” كائنًا منفصلًا عن سعيدٍ، بل يصبحُ احتمالًا تأويليًّا يضعُ القارئَ أمامَ معضلةٍ فلسفيةٍ: هل الآخرُ جزءٌ من الذاتِ المكبوتةِ؟ أم أنّ الذاتَ ذاتَها ليستْ سوى قناعٍ هشٍّ يخفي وجوهًا أخرى لم تُختبرْ بعد؟
وقد تجلّى ذكاءُ الكاتبِ في إبقاءِ هذه الأسئلةِ معلّقةً حتى النهايةِ، إذ لم يحسمْ طبيعةَ هذا “الآخرِ”، بل تركَ مساحةً واسعةً للتأويلِ بين التفسيرِ النفسي والتفسيرِ الرمزي. فالقرارُ القضائي بإيداعِ سعيد المصحّةَ الجنائيةَ لا يقدّمُ إجابةً نهائيةً، وإنّما يمثّلُ إجابةَ القانونِ، بينما يظلُّ سؤالُ الأدبِ مفتوحًا على احتمالاتٍ لا تنتهي.
أمّا على مستوى الزمنِ السردي، فقد اعتمدَ الكاتبُ تقنيةَ التسريعِ والإبطاءِ بحرفيةٍ واضحةٍ؛ فالأحداثُ تتلاحقُ سريعًا في لحظاتِ الاكتشافِ والرعبِ، ثمَّ تتباطأُ عندَ اللحظاتِ المفصليةِ، ولا سيّما في مشهدِ التحقيقِ، حيثُ يتحوّلُ الحوارُ إلى مساحةٍ للكشفِ التدريجي عن البعد النفسي للشخصيةِ. ويُحسبُ للقاصَّ أنّه لم يجعلِ الحوارَ وسيلةً للإخبارِ، بل أداةً لتعميقِ الغموضِ وإثراءِ البناءِ النفسي للنصِّ.
وتأتي النهايةُ باعتبارِها أكثرَ محطاتِ النصِّ تأثيرًا، إذ لا تكمنُ صدمتُها في جريمةِ القتلِ ذاتِها، وإنّما في السؤالِ الذي يتركُه الكاتبُ معلّقًا: «هل كان سعيدُ يختبئُ داخلَ الوحشِ… أم أنّ الوحشَ هو الذي كانَ ينتظرُ، بصبرٍ، داخلَ سعيد؟».
إنّها خاتمةٌ تتجاوزُ حدودَ الحدثِ لتغدوَ سؤالًا وجوديًّا عن الإنسانِ نفسِه، وعن الحدودِ الفاصلةِ بينَ العقلِ والجنونِ، وبينَ ما نظهرُه للعالمِ وما نخفيه في أعماقِنا.
لقد نجحَ الكاتبُ "عدنان لفته السماوي" في بناءِ نصٍّ يجمعُ بين التشويقِ النفسي والبعدِ الفلسفي، فجعلَ من الرعبِ وسيلةً للكشفِ عن وهنِ اليقينِ الإنساني، ومن “الآخر” مرآةً تعكسُ ما نعجزُ أحيانًا عن رؤيتِه في ذواتِنا. فالقصةُ لا تتحدّثُ عن ساكنٍ آخر يقيمُ في منزلٍ مغلقٍ، بل عن ذلك الساكنِ الذي قد يقيمُ في أعماقِ كلِّ إنسانٍ، منتظرًا لحظةَ انكسارِ الحدودِ بين الوعي والظلِّ.
إنّ «الساكن الآخر» نصٌّ يبرهنُ أنّ الأدبَ الحقيقيَّ لا يكتفي بسردِ الحكاياتِ، بل يوقظُ الأسئلةَ الكبرى، ويجعلُ القارئَ يخرجُ من النصِّ وهو يحملُ معه شيئًا من دهشتِه وقلقِه وتأمّلِه.
دُمتُم مبدعًا ودامَ يراعُكم نابضًا بالألقِ والجمالِ.
- كاتبة وناقدة لبنانية.
الساكن الآخر..!! عدنان لفته السماوي
لم يكن المنزل يختلف عن آلاف المنازل الأخرى أبداً ، أثاث مرتب كل شيء يسير حسب القوانين . ساعات تمر وفق نظام لا يختل، سعيد يؤمن أن لكل مشكلة تفسيراً منطقياً ويقابله قلب زوجته سوزان الذي كان يجد في قطتيهما حياة صغيرة. تمنح المكان دفئاً لا تصنعه الجدران ، ثم جاء الصباح الذي فقد فيه المنطق سلطته واستيقظا على صمت ثقيل، صمت بدا كأنه يسبق كارثة لا يجرؤ أحد على تسميتها، وفي منتصف الصالة كانت إحدى القطتين مسجاة بلا حراك، وقد انتهت حياتها بطريقة لا يمكن أن تصدر عن مصادفة أو حيوان ضال. راجعا الأبواب والنوافذ مراراً فلم يجدا كسراً ولا أثراً لاقتحام. بدا المنزل كما تركاه قبل النوم باستثناء تلك الحقيقة التي لم يكن لها تفسير، صدمت زوجة سعيد صدمة العمر . كان الاتصال بالشرطة هو القرار الطبيعي لكنهما لم يفعلاه وربما خوفاً من الأسئلة، وربما لأن الاعتراف بما حدث كان يعني الاعتراف بأن شيئاً ما استطاع دخول منزلهما والخروج منه دون أن يراه أحد، دفنا الحادثة داخل صمتهما ومنذ تلك اللحظة لم يعد المنزل مكاناً للسكن، بل مكاناً للمراقبة... بدأ كل منهما يراقب الآخر دون قصد والنظرات أصبحت أطول والسكون صار أكثر إزعاجاً من الضجيج، أما الليل فقد تحول إلى خصم ينتظران قدومه كل مساء ..ثم وقع ما حطم آخر ما تبقى من يقين استفاقت الزوجة ذات ليلة فلم تجد زوجها إلى جوارها وكان موضعه بارداً، والظلام يبتلع أرجاء المنزل أخذت تبحث عنه بين الغرف وهي تنادي اسمه بصوت مرتجف، ولم تجد أحداً وحين عادت إلى غرفة النوم كان مستلقياً في مكانه يفتح عينيه مذعوراً على صرختها، حدقت فيه كما لو أنها ترى وجهاً غريباً يرتدي ملامحه سألته أين كان، فأقسم وبدهشة صادقة أنه لم يغادر الفراش قط، بل أخبرها أنه هو من شعر بها وهي تنهض وتخرج من الغرفة، وانتظر عودتها لم يكن أحدهما يكذب ولم يكن أي تفسير قادراً على احتواء الحقيقة، في الليلة التالية تكررت المأساة القطة الثانية لقيت المصير نفسه، داخل المنزل ذاته، المغلق بإحكام كما كان دائماً وبعدها لم يعد النوم ممكناً، جلسا ليالي طويلة يتبادلان الحراسة أكثر مما يتبادلان الحديث كل حركة صغيرة كانت كافية لإيقاظ الرعب، وكل ظل على الجدار بدا وكأنه يخفي شاهداً صامتاً يعرف الحقيقة ويرفض الإفصاح عنها. ثم اختفى كل شيء انقطعت الأخبار عنهما أياماً لم يرهما أحد، ولم يغادر أحد المنزل وعندما عجز الجيران عن تجاهل السكون، حضرت الشرطة وكُسر الباب الرئيسي، وانتشر الضباط في أنحاء المنزل بحذر. لم يكن هناك ما يلفت النظر في البداية؛ الأثاث في مكانه، الأضواء مطفأة، والهواء مشبع برائحة ثقيلة يصعب وصفها ، توقف أول الضباط أمام باب غرفة النوم ونظر إلى الداخل...ثم تجمد لم يقل شيئاً. تراجع خطوة إلى الوراء، بينما وضع آخر يده على فمه واندفع ثالث يطلب الإسعاف والدعم الجنائي بصوت لم ينجح في إخفاء اضطرابه ، أما ما رأوه... فلم سرد كان جنوني .. كل ما بقي واضحاً أن المهندس كان يجلس في زاوية الغرفة، يهتز ببطء وعيناه معلقتان بنقطة لا وجود لها، وكأنه غارق في حوار لا يسمعه سواه. اقتيد مكبل اليدين دون مقاومة... في غرفة التحقيق، بدا الرجل أشبه بإنسان أُفرغ من داخله أجاب عن الأسئلة بصوت خافت، ثم التزم الصمت ساعات طويلة، حتى بدا للطبيب النفسي الشرعي أن الجلسة انتهت قبل أن تبدأ ولكن شيئاً تبدل فجأة.
استقام ظهره. اختفت الحيرة من عينيه. وحل محلها هدوء بارد لا يشبهه. رفع رأسه، وابتسم ابتسامة صغيرة، وقال بنبرة لم تكن للنزيل الجالس أمامهم: _أخيراً... سأل أحدهم الشخص المناسب.
ساد الصمت ولم يكن الطبيب يسمع اعتراف رجل بقدر ما كان يشهد ظهور شخصية أخرى، تتحدث عن المهندس كما لو كان شخصاً ثالثاً وقال إن صاحبه كان ضعيفاً، أسيراً لروتين ممل، عاجزاً حتى عن مواجهة خوفه. أما القطتان... فلم تكونا سوى تمرين مع ابتسامة صفراء ، تجربة أولى لمعرفة إلى أي مدى يستطيع السيطرة على الجسد بينما يغيب صاحبه في النوم. وحين نجحت التجربة... لم يعد هناك سبب للتوقف. تحدث عن الليلة الأخيرة ببرود أقرب إلى وصف تجربة علمية. قال إنه نهض بينما كان صاحب الجسد غارقاً في نوم عميق، وتحرك داخل المنزل بهدوء تام، ثم عاد إلى غرفة النوم. وقف طويلاً يتأمل المرأة النائمة ولم يكن مستعجلاً. كان يريد، كما قال، أن ترى الحقيقة بعينيها لذلك أيقظها، فتحَت عينيها ببطء، ثم نظرت إلى الوجه الذي حفظته سنوات طويلة، لكنها لم تجد زوجها خلف تلك الملامح. رأت شخصاً آخر يسكن الجسد نفسه وشعرت في لحظة خاطفة، أن الخطر الذي كانت تبحث عنه في أرجاء المنزل كان ينام إلى جوارها منذ البداية. صمت الكيان لحظة، ثم قال وهو يبتسم: _ ذلك الإدراك... كان أكثر ما استمتعت به. لم يحتج إلى إضافة شيء آخر.أما المهندس الحقيقي، فقد استعاد وعيه لاحقاً، جالساً في زاوية الغرفة، عاجزاً عن فهم ما حدث، محاطاً بأدلة تشير إليه وحده، بينما كانت ذاكرته تقف عند آخر لحظة أغلق فيها عينيه للنوم. أُغلق الملف لاحقاً بقرار قضائي يقضي بإيداعه مصحة جنائية عالية الحراسة .. بعد أن هشم رأس زوجته بمطرقة حديدية كانت بالقرب منه وهي مغطاة بالدم ..
لكن القضية بقيت تحمل سؤالاً لم يجد أحد له جواباً قاطعاً: هل كان سعيد يختبئ داخل الوحش... أم أن الوحش هو الذي كان ينتظر، بصبر، داخل سعيد؟
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قراءة عميقة للناقد طه عبد الرحمن لنص:*من حكايا النزف* للشاعرة: نجاة رجاح..!!
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...