لماذا لا نلتئم؟

لماذا لا نلتئم؟

 

لماذا لا نلتئم؟


نور الدين المسلمي*

 

يعتقد معظم الناس أن الزمن يشفي الجراح، لكن الزمن لا يفعل ذلك دائمًا. إنه يعلّمنا كيف نمشي بالجرح، وكيف نبتسم رغم وجعه، وكيف نُتقن إخفاءه. أما الالتئام الحقيقي، فله طريق آخر، وأكثر وعورة.
لا نلتئم لأن الالتئام يتطلب ما نخافه أكثر من الألم نفسه وهو الشجاعة في المواجهة والقدرة على الاعتراف.
فالذات المكسورة لا تخشى العودة إلى ذكرياتها لأنها ضعيفة، بل لأنها تتذكر جيدًا ثمن المواجهة. إنها تخشى أن تفتح جرحها فلا تجد من يفهمه، أو أن تروي قصتها فيُقال لها إنها تبالغ، أو أن تعترف بانكسارها فيُفسَّر اعترافها على أنه ضعف. ولذلك تختار الصمت، والصمت يمنح الجرح عمرًا أطول.
الغريب أن الإنسان لا يهرب من الألم دائمًا، بل يهرب من الشعور بأنه تألم وحده. فالخذلان لا يترك أثره لأنه حدث، بل لأنه حدث في لحظة كان الإنسان ينتظر فيها من يحتويه. وكثير من الجروح النفسية ليست جروحًا صنعها الألم، وإنما صنعها غياب الرفيق الذي يقول "أفهم ما مررت به."
كان الطبيب النفسي فيكتور فرانكل يرى أن المعاناة التي لا يُعطى لها معنى تتحول إلى عبء نفسي دائم. لم يكن يقصد أن الألم لذيذ او ممتع ولا أن الإنسان مطالب بالبحث عنه وإنما كان يؤكد أن العقل البشري لا يحتمل التشتت او القلق طويلًا. فالإنسان يستطيع احتمال أقسى الظروف إذا استطاع أن يفهمها أو يضعها في سياق يمنحها قيمة. أما الألم الذي يبقى بلا تفسير، فإنه يظل معلقًا داخل النفس، يعود كلما ظن صاحبه أنه تجاوزه.
ولهذا، فإن الكسر لا يؤلم لأنه وقع، بل لأنه بقي سؤالًا بلا جواب. لماذا حدث لي هذا؟ لماذا خذلني من أحببت؟ لماذا لم يدافع عني أحد؟ ولماذا خرج الجميع من الحكاية بينما بقيت أنا أسكنها وحدي؟
يرى عالم النفس كارل يونغ أن ما نقاوم الاعتراف به لا يختفي، بل يتحول إلى جزء خفي من شخصيتنا، يوجّه قراراتنا دون أن نشعر. فالمشاعر المدفونة لا تموت، وإنما تنتظر فرصة أخرى لتظهر، ربما في صورة قلق، أو غضب مبالغ فيه، أو خوف من علاقة جديدة، أو هروب دائم من كل ما يشبه التجربة الأولى.
ومن هنا نفهم لماذا يعيد بعض الناس الوقوع في الجرح نفسه مرات عديدة. ليس لأنهم لا يتعلمون، بل لأن الجرح الأول لم يُفهم بعد. إن النفس البشرية تميل بطريقة غريبة إلى إعادة المشهد ذاته وكأنها تبحث في كل مرة عن نهاية مختلفة أو عن شخص يمنحها هذه المرة ما حُرمت منه في المرة الأولى!!
ويخبرنا علم النفس الحديث أن التعافي لا يبدأ عندما يتوقف الألم بل عندما يصبح الإنسان قادرًا على رواية قصته دون أن يعيشها من جديد. فالرواية ليست مجرد كلمات بل إعادة تنظيم للفوضى الداخلية. وعندما يجد الإنسان شخصًا يُصغي إليه دون حكم، فإنه لا يغيّر الماضي، لكنه يغيّر علاقته بالماضي، وهذه بداية الشفاء.
ولعل المشكلة أن ثقافتنا تمجّد الصلابة أكثر مما تمجّد الصدق. نعلّم أبناءنا أن يكونوا أقوياء، لكننا لا نعلّمهم كيف يعترفون بضعفهم. نصفق لمن يخفي دموعه، بينما نتردد في احتضان من يسمح لها أن تنهمر. وهكذا ينشأ كثيرون وهم يظنون أن النجاة تعني ألا يشعروا، مع أن النجاة الحقيقية تعني أن يشعروا ثم يتعافوا.
كتب إريك فروم أن الإنسان لا ينمو بالهروب من نفسه، بل بالشجاعة التي تجعله يواجهها. وهذه المواجهة ليست معركة ضد الماضي، وإنما مصالحة معه. فليس المطلوب أن ننسى ما حدث، لأن بعض الذكريات لا تُنسى، وإنما أن نتوقف عن السماح لها بأن تحدد من نكون.
إن الاعتراف لا يعيد إلينا ما فقدناه، لكنه يعيد إلينا أنفسنا. وما إن يستعيد الإنسان ذاته، حتى يكتشف أن الجرح لم يعد سجنه، بل صار جزءًا من قصته، وأن الكسر الذي ظن يومًا أنه نهاية حياته، أصبح بداية فهمه لها.
ربما لهذا السبب لا يكون الالتئام لحظةً واحدة، بل رحلة طويلة من الصدق مع النفس. رحلة تبدأ حين يتوقف الإنسان عن سؤال "كيف أنسى؟" ويبدأ في سؤال أكثر حكمة "كيف أفهم ما حدث لي؟"
فالنسيان يطمس الذاكرة مؤقتًا، أما الفهم فيحررها. وبين النسيان والفهم، يولد الشفاء الحقيقي.

 

*كاتب مصري.


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

تابعونا


جارٍ التحميل...