أشياء لا تُرى… لكنها تحدث..!!حسين مطر

أشياء لا تُرى… لكنها تحدث..!!حسين مطر

أشياء لا تُرى… لكنها تحدث..!!

 

حسين مطر*

 

في الحياة أشياء كثيرة تحدث دون أن تُسمع لها ضجّة ودون أن تلتقطها أعيننا، ودون أن نملك لها شاهدًا سوى أثرها في أرواحنا. هناك أشياء لا تُرى، لكنها تحدث فينا، وربما كانت أشدّ حضورًا من الأشياء التي نراها كل يوم.

نحن نرى الإنسان حين يبتسم، ولا نرى ما الذي اضطرّه إلى الابتسام. نراه صامتًا، ولا نعرف كمّ الكلام الذي يدور في داخله. نراه قويًا، ولا ندري كم مرة انكسر ثم أعاد جمع نفسه بعيدًا عن أعين الآخرين.

ولذلك فإنّ الإنسان ليس مظهرًا يُقرأ من النظرة الأولى، بل عالمٌ تتجاور فيه أشياء كثيرة لا تظهر على سطحه.

قد تمرّ كلمة عابرة في حياتنا، ثم تمضي قائلها في طريقه، بينما تبقى كلمته في داخلنا سنوات. وقد يحدث موقف صغير لا يراه أحد، لكنه يغيّر شيئًا في نظرتنا إلى إنسان أو مكان أو حتى إلى أنفسنا.

وهنا تكمن المفارقة: أكثر ما يغيّر الإنسان قد يكون أقلّ ما يلفت انتباه الآخرين.

فليس كل انقلاب في الحياة يأتي على هيئة حدث كبير. أحيانًا تبدأ التحولات من سؤال بسيط: لماذا حدث هذا؟ أو من خيبة لم نتحدث عنها أو من شخصٍ غاب دون أن نعلن أننا افتقدناه، أو من لحظة اكتشفنا فيها أن بعض الأشياء التي كنا نعتقد أنها ثابتة ليست كذلك.

تتغير أفكارنا بالطريقة نفسها التي يتغير بها الليل إلى فجر لا نستطيع تحديد اللحظة التي انتهى فيها الظلام وبدأ النور، لكننا نستيقظ فجأة فنجد العالم مختلفًا.

وهكذا تنضج الروح.

لا أحد يرى لحظة نضج الإنسان. لا توجد ساعة معلّقة على جدار تخبرنا بأن شخصًا ما أصبح أكثر وعيًا من الأمس. إنما نكتشف ذلك في مواقفه: في الأشياء التي لم يعد يغضب منها، وفي الكلمات التي أصبح يختار الصمت عنها، وفي الأشخاص الذين لم يعد يحتاج إلى إثبات نفسه أمامهم.

قد يكون النضج أحيانًا أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تشرح، ومتى تدرك أن بعض القلوب لن تفهمك مهما أكثرت من الكلام.

ومن الأشياء التي لا تُرى أيضًا: المعارك الداخلية.

كم من إنسان يبدو هادئًا لأنه تعلّم كيف يخفي اضطرابه! وكم من شخصٍ يوزّع الطمأنينة على الآخرين وهو في أشدّ الحاجة إليها! وكم من إنسانٍ اعتاد أن يقول: «أنا بخير»، لا لأنه بخير، بل لأنه تعب من شرح ما يؤلمه.

ولذلك فإن الرحمة ليست دائمًا في تقديم الحلول بل أحيانًا في أن نكون أقلّ قسوة في أحكامنا.

فقد لا تعرف قصة الإنسان الذي أمامك ولا تعرف أيّ طريقٍ قطعه حتى وصل إلى هذه الصورة التي تراها الآن.

حتى العلاقات الإنسانية تحكمها أشياء خفية.

قد لا تكون المحبة في كثرة الكلام، بل في الاهتمام الذي لا يُعلن عن نفسه. وقد لا يكون الاشتياق رسالة طويلة، بل سؤالًا بسيطًا عن الحال. وقد يكون الوفاء أن تتذكر إنسانًا في غيابه كما كنت تذكره في حضوره.

هناك أشخاص لا يتحدثون كثيرًا عن محبتهم، لكنهم يثبتونها في التفاصيل الصغيرة. يتذكرون ما ننساه، ينتبهون لما لا ننتبه إليه، ويقفون إلى جانبنا دون أن يطلبوا مقابلًا.

وهنا ندرك أن بعض المشاعر لا تحتاج إلى إعلان؛ لأنها تظهر في السلوك أكثر مما تظهر في الكلام.

لكن الإنسان كثيرًا ما يخطئ حين يقيس الأشياء بحجمها الظاهر.

يظن أن النجاح هو ما يراه الناس، وأن القوة هي ارتفاع الصوت، وأن السعادة هي كثرة الضحك، وأن المحبة هي كثرة الحديث، وأن الانتصار هو أن تهزم الآخرين.

ثم تمضي السنوات ليكتشف أن الأشياء أعمق من ذلك بكثير.

قد يكون النجاح الحقيقي أن تنجو من نفسك القديمة.

وقد تكون القوة أن تستطيع ضبط غضبك وأنت قادر على الرد.

وقد تكون السعادة أن تنام وقلبك خفيف من الحقد.

وقد يكون الانتصار الحقيقي أن تخرج من معركة كان بإمكانك أن تربحها، لكنك أدركت أنها لا تستحق أن تخسر سلامك من أجلها.

إنّ الحياة تعلّمنا، ببطء، أن القيمة ليست دائمًا في الشيء الذي يلمع، وأن الضجيج ليس دليلًا على الأهمية.

فالشجرة لا تحدث ضجيجًا وهي تكبر والليل لا يعلن عن قدومه، والقلب لا يعلن كل مرة عن وجعه.

هناك أشياء عظيمة تحدث في الخفاء.

أمٌّ تدعو لابنها دون أن يعلم.

إنسانٌ يكافح كي يبدأ من جديد.

شخصٌ يحاول أن يكون أفضل رغم أنه لم يجد من يشجعه.

قلبٌ يتجاوز خيبةً دون أن يحوّلها إلى كراهية.

إنسانٌ يختار التسامح، لا لأنه نسي بل لأنه لم يعد يريد أن يحمل الماضي معه إلى المستقبل.

كل هذه الأشياء لا تُرى لكنها تحدث.

وربما أجمل ما في الحياة أن بعض أعظم التحولات تبدأ في مكان لا يصل إليه أحد.

في داخل الإنسان.

هناك، حيث لا كاميرا ولا جمهور ولا تصفيق.

هناك تتغير الأفكار، وتولد القرارات وتُدفن بعض الأحلام، وتولد أخرى، ويتعلم الإنسان أن يكون صديقًا لنفسه بعد أن أمضى وقتًا طويلًا يبحث عن الأمان في الآخرين.

وفي النهاية ربما لا تكون المشكلة في أننا لا نرى الأشياء بل في أننا اعتدنا أن نصدّق ما تراه العين فقط.

والعين ترى الصورة، لكنها لا ترى القصة.

 

ترى الصمت ولا ترى أسبابه.

ترى الابتسامة ولا ترى ما سبقها.

ترى الإنسان واقفًا، ولا تعرف كم مرة سقط في داخله.

 

لذلك كن لطيفًا في أحكامك، واسعًا في فهمك، وقليلًا في استعجالك على الناس.

 

فكل إنسان يحمل في داخله شيئًا لا تراه.

 

وفي هذا العالم الواسع، ستظل هناك أشياء لا تُرى… لكنها تحدث، وأشياء لا تُقال… لكنها تُشعر، وأشياء لا نعرف قيمتها إلا بعد أن تصبح جزءًا من ذاكرتنا.

وربما كانت أعظم حقيقة نتعلمها مع مرور العمر:

أن ما يغيّر حياتنا ليس دائمًا ما يحدث أمام أعيننا بل ما يحدث في أعماقنا ونحن نظن أن شيئًا لم يتغير

 

* كاتب عراقي.


تعليق

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

"صعوداً نحو الحب".. سردية النور في مواجهة العتمة!

"صعوداً نحو الحب".. سردية النور في مواجهة العتمة!
الثقافة والأدب

هل نحن على موعد مع أجاثا كريستي.. عربية؟ قراءة في رواية " متاهات الوهم" للأديبة السورية معاني سليمان..!! محمد البنا

هل نحن على موعد مع أجاثا كريستي.. عربية؟ قراءة في رواية " متاهات الوهم" للأديبة السورية معاني سليمان..!! محمد البنا
الثقافة والأدب

سلاسة السرد بمواجهة لوعة الفقد!! اسماعيل الرجب

سلاسة السرد بمواجهة لوعة الفقد!! اسماعيل الرجب
الثقافة والأدب

قراءة لقصيدة "أُصرُخ " للشاعر الدكتور محمد سليط ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لقصيدة "أُصرُخ " للشاعر الدكتور محمد سليط ..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

قراءة لمقال " اكسروا خرافة المركز والهامش.. لقد انتهى زمن الوصاية " للدكتورة نور الهدى قرباز ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لمقال " اكسروا خرافة المركز والهامش.. لقد انتهى زمن الوصاية " للدكتورة نور الهدى قرباز ..!! طه عبد الرحمن


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...