حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!! د. تمام كيلاني

حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!! د. تمام كيلاني

حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

من إيميسا القياصرة إلى مدينة ابن الوليد، ومن جند حمص إلى حمص الوطنية، وهاشم الأتاسي والكتلة الوطنية، وصولًا إلى لقب عاصمة الثورة السورية؛ تبدو حمص أكثر من مدينة سورية عريقة.

 

هناك مدن لها تاريخ.

 

وهناك مدن يصبح تاريخها جزءًا من تاريخ المنطقة التي تنتمي إليها.

 

وحين نذكر حمص، فإننا لا نستحضر مدينةً سورية قديمة فحسب، بل نستحضر مدينةً عاشت قرونًا طويلة في قلب التحولات الكبرى التي شهدتها بلاد الشام.

 

عرفت الممالك القديمة، ودخلت العالم الروماني، وارتبط اسم أسرة من أبنائها بعرش القياصرة، ثم دخلت الدولة الإسلامية وأصبحت أحد أجناد الشام، وارتبط اسمها بخالد بن الوليد.

 

وعاشت بعد ذلك العصور الأموية والعباسية والفاطمية والزنكية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، قبل أن تدخل العصر الحديث وتصبح جزءًا من قصة ولادة سورية الحديثة.

 

وفي هذا العصر تحديدًا، لم تكن حمص مجرد مدينة تراقب الأحداث من بعيد، بل أنجبت رجالًا شاركوا في صناعة الدولة السورية الحديثة، وفي مقدمتهم هاشم الأتاسي.

 

لكن قبل الوصول إلى هاشم الأتاسي، علينا أن نعود إلى إيميسا.

 

إيميسا… حمص في قلب العالم القديم

 

عرفت حمص في العصور القديمة باسم إيميسا – Emesa، وكانت مدينة مهمة على نهر العاصي، وموقعها جعلها صلة وصل بين مناطق الداخل والشمال والجنوب والساحل.

 

ارتبطت المدينة بأسرة حاكمة ذات جذور عربية وبمعبد إله الشمس إيلاغابال، لكن شهرتها تجاوزت حدود سورية عندما خرجت منها أسرة وصلت إلى قلب الإمبراطورية الرومانية.

 

ومن أبرز شخصيات هذه الأسرة جوليا دومنا، ابنة إيميسا التي تزوجت الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس، فأصبحت إمبراطورة رومانية، وبرز من أسرتها لاحقًا الإمبراطور إيلاغابال الذي اعتلى عرش روما سنة 218م.

 

وهكذا انتقلت إيميسا من مدينة في وسط سورية إلى جزء من تاريخ الإمبراطورية الرومانية.

 

فمن حمص خرجت أسرة سورية وصلت إلى القصر الإمبراطوري في روما.

 

من روما إلى الإسلام

 

تغير وجه المنطقة مع انقسام الإمبراطورية الرومانية وانتشار المسيحية، ثم أصبحت حمص جزءًا من العالم البيزنطي.

 

وفي القرن السابع الميلادي وصلت جيوش المسلمين إلى بلاد الشام.

 

وكان أبو عبيدة بن الجراح قائد جبهة الشام، وشارك خالد بن الوليد في عمليات الفتح.

 

وبدخول المسلمين بدأت صفحة جديدة من تاريخ المدينة.

 

أصبحت إيميسا حمص، وتحولت إلى أحد المراكز المهمة ضمن أجناد الشام، وارتبط اسمها بخالد بن الوليد الذي أقام فيها وتوفي فيها وفق الرواية التاريخية المشهورة.

 

ومن هنا بقي اسم خالد حاضرًا في هوية المدينة:

 

حمص… مدينة ابن الوليد.

 

ولم تكن أهمية حمص في تلك المرحلة دينية أو رمزية فقط، بل كانت مدينة جند وإدارة وتجارة، بحكم موقعها في وسط بلاد الشام.

 

حمص عبر العصور الإسلامية

 

حافظت حمص على أهميتها في العصر الأموي، حين كانت دمشق عاصمة الدولة، وكان جند حمص أحد الأجناد المهمة في بلاد الشام.

 

ثم جاءت الدولة العباسية، وتراجعت المكانة السياسية لمدن الشام بعد انتقال مركز الخلافة إلى بغداد، لكن موقع حمص وخصوبة أرضها وارتباطها بالطرق الداخلية حافظت على أهميتها.

 

وتعاقبت على المنطقة قوى متعددة، ثم دخلت حمص في العصر الزنكي، فالأيوبي، ثم المملوكي.

 

وفي هذه المراحل بقيت المدينة تؤدي وظيفتها التاريخية نفسها تقريبًا:

 

مدينة الوسط.

 

مدينة تصل بين دمشق وحلب، وبين الداخل والساحل، وتجمع بين الزراعة والتجارة والجند.

 

وفي زمن المواجهة مع المغول، شهدت منطقة حمص معارك مهمة بين المماليك والمغول، وأصبحت المنطقة جزءًا من الصراع الذي أسهم في وقف التوسع المغولي في بلاد الشام.

 

ثم دخلت حمص الدولة العثمانية سنة 1516م، وحافظت على دورها الزراعي والتجاري، وبرزت فيها أسر علمية واجتماعية وسياسية عريقة، من بينها آل الأتاسي والسباعي والجندلي.

 

‎هاشم الأتاسي… ابن حمص ورجل الدولة

 

ومن حمص خرج رجل سيصبح اسمه مرتبطًا بالدستور والاستقلال والحركة الوطنية السورية:

 

هاشم الأتاسي.

 

وُلد الأتاسي في حمص سنة 1873، ونشأ في أسرة عريقة في العلم والمكانة الاجتماعية.

 

‎وهنا برز دور هاشم الأتاسي ورفاقه.

 

الكتلة الوطنية… من النضال إلى العمل السياسي

 

بعد سنوات الثورة السورية الكبرى والمقاومة ضد الانتداب الفرنسي، بدأ عدد من الوطنيين السوريين يتجهون إلى تنظيم العمل السياسي، إلى جانب أشكال النضال الأخرى.

 

ومن هذا المناخ بدأت الكتلة الوطنية تتشكل في أواخر عشرينيات القرن العشرين، لتصبح لاحقًا واحدة من أهم القوى السياسية السورية في مواجهة الانتداب الفرنسي.

 

ولم تكن الكتلة مشروع رجل واحد.

 

كانت تجمعًا لعدد من أبرز رجال الحركة الوطنية السورية، ومن بينهم:

 

هاشم الأتاسي، إبراهيم هنانو، فارس الخوري، سعد الله الجابري، جميل مردم بك، شكري القوتلي، والشيخ عبد القادر الحسني الكيلاني، إلى جانب عدد كبير من الوطنيين السوريين من مختلف المدن والمناطق.

 

وقد أصبحت الكتلة مع الوقت الإطار السياسي الأبرز للنضال الوطني والتفاوض مع الانتداب الفرنسي.

 

وكان لحمص دور خاص في تاريخ الكتلة الوطنية.

 

ففي 4 تشرين الثاني 1932 انعقد مؤتمر الكتلة الوطنية في حمص، ووُضع نظامها الأساسي، وأُقرت بنيتها التنظيمية، وانتُخب هاشم الأتاسي رئيسًا للكتلة.

 

وفي سنة 1936 قاد وفدًا سوريًا إلى باريس للتفاوض مع الحكومة الفرنسية، وشارك إلى جانبه عدد من أبرز رجال الكتلة الوطنيه ،

 

وفي العام نفسه أصبح هاشم الأتاسي رئيسًا للجمهورية السورية، في مرحلة كانت فيها سورية تخطو خطواتها الأولى نحو بناء دولة وطنية ذات مؤسسات.

 

ولهذا ارتبط اسمه في الذاكرة السياسية السورية بلقب أبو الدستور، وبمرحلة تأسيس الجمهورية والحياة النيابية.

 

‎حمص… من إيميسا إلى سورية الحديثة

 

إذا وضعنا تاريخ حمص كله في صورة واحدة، سنجد مدينة تتغير حولها الإمبراطوريات، لكنها تحتفظ بمكانتها.

 

في العصور القديمة كانت إيميسا، ومنها خرجت أسرة وصلت إلى عرش روما.

 

وفي العصر الإسلامي أصبحت حمص أحد أجناد الشام، وارتبط اسمها بخالد بن الوليد.

 

وفي العصور اللاحقة بقيت مدينة للعلم والتجارة والزراعة.

 

ثم جاءت الثورة السورية في القرن الحادي والعشرين.

 

وقد دفعت حمص ثمنًا كبيرًا من الدم والدمار، وبرزت في الاحتجاجات والمقاومة ضد نظام الأسد، حتى أصبح اسمها مرتبطًا بقوة بالثورة السورية، وذاع لقب عاصمة الثورة السورية.

 

وهكذا أضيف فصل جديد إلى تاريخ المدينة.

 

مدينة عرفت القياصرة، ثم عرفت خالد بن الوليد، ثم شاركت في صناعة الحركة الوطنية والدولة السورية، لتجد نفسها مرة أخرى في قلب حدث تاريخي كبير.

 

ربما أجمل ما يمكن أن يقال عن حمص أنها مدينة لم يختصرها عصر.

 

عرفت الرومان والبيزنطيين، ودخلها الإسلام، وعاشت العهود الأموية والعباسية والفاطمية والزنكية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، ثم دخلت عصر الدولة الحديثة.

 

وفي كل مرحلة تركت أثرًا، واحتفظت بشيء من ذاكرتها.

 

من إيميسا إلى حمص.

 

من القياصرة إلى خالد بن الوليد.

 

ومن جند حمص إلى الكتلة الوطنية.

 

ومن هاشم الأتاسي ورفاقه إلى الدولة السورية الحديثة.

 

ثم إلى الثورة السورية.

 

تتغير العصور، وتتغير الدول، وتتغير الأسماء…

 

لكن تبقى المدينة.

 

وإذا كان إيلاغابال قد حمل اسم إله إيميسا إلى عرش روما، فإن هاشم الأتاسي حمل اسم حمص إلى قلب مشروع الدولة السورية الحديثة.

 

الأول دخل التاريخ من بوابة الإمبراطورية.

 

والثاني دخل التاريخ من بوابة الوطن.

 

وبينهما تقف حمص…

 

مدينةً لم يعبرها التاريخ فحسب، بل عبر التاريخ فيها، وتركت هي بدورها بصمتها في كل مرحلة من مراحله.

 

حمص… شاهدة على التاريخ، وحاضرة في صناعته، وعاصمة الثورة السورية في الذاكرة الوطنية.

والثاني دخل التاريخ من بوابة الوطن.

 

وبينهما تقف حمص…

 

مدينةً لم يعبرها التاريخ فحسب، بل عبر التاريخ فيها، وتركت هي بدورها بصمتها في كل مرحلة من مراحله.

 

حمص… شاهدة على التاريخ، وحاضرة في صناعته، وعاصمة الثورة السورية في الذاكرة الوطنية.

 

*رئيس الجمعيةالطبية الأوربية العربية/ فيينا.


تعليق

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!
بوابة دمشق

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!
بوابة دمشق

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي
بوابة دمشق

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...