الصّفعةُ!!
الصّفعةُ!!
ديانا مريم*
طفلةٌ صغيرةٌ بعمر العشرِ سنواتٍ أو أكثرَ بقليلٍ أرخوا على عاتقِها ما لا يستطع حملُه الكبارُ، أوكلوا لها بمهمّةً شاقة، ألا وهي حماية البيت..
كنّا ما بينَ الصّيفِ الواسعِ والشّتاءِ الضّيقِ نتنقلُ بين ضيعتِنا والمدينةِ، صيفاً للراحةِ والاستجمامِ وشتاءً من أجلِ الدراسة، وقتها صرت
الحارسَ الأمينَ لبيتٍ ما زالَ يحتفظ فيه بعضُ قطع الأثاثِ التي صارت أمانةٌ في عنقي..
لم أكن لاغادر المكان خوفا على تلك الأمانة، لهذا كنت أكتفي وصديقاتي بالتواجد أمام بابه طوال الوقتِ، حيث كنا نتبادل أحاديث غالبا ما ترهق أرواحنا، لأنها أكبرُ من عمرنا قياساً للزّمن الذي كنا نعيشُه، ومراتٍ تُسمعُ ضحكاتِنا تملأ السّماءَ لِتصرفٍ من مارٍّ أمامَنا، إنه عمرُ المراهقةِ!
جدّتي الوصية علي بحكم صغرِ سني، كنت أستسمحُها بالسّهر مع صديقاتي رغمَ تعبي من الانتظار وعدم النومِ كما يفعلُ الناسُ في أمانِ القيلولة.
طفلةٌ خائفةٌ تحسبُ لكلّ كلمةٍ أو موقفٍ ألفَ حسابٍ.
كانت جدتي توافقني مرةً ومراتٍ تصحبني معها لأحدِ بيوتِ الجيرانِ الذين يمتلكونَ التلفازَ كي لا تضيع حلقةً من (مسلسلِ أسعدَ الورّاق).
كنت أرافقها عنوةً وأجلسُ بجانبها خجولةً.
لم أعتدْ أن أجلسَ مع الكبار. فقط كانت للصباحاتِ رائحةُ الحريةِ..
حيث أعودُ لمنزلي.. وأنتظرُ وصولَ والدي من الضيعةِ القريبةِ في زيارةٍ قصيرةٍ جداً ليطمئنَ أنني في البيت.
في هذا اليومِ الحارِ ما من أحدَ يؤنسُ غربتي، فالبيتُ خالٍ إلا من طنينٍ لا أعرفْ ماهيتَه، استسلمت لهذا الهدوء المفرط الذي جرني إلى سكون الغفوة التي رافقتها حتى حلول المساء، حيث الظلام أسدل ستارته وهو ما زاد خوفي كثيرا من حصار العتم الذي خنق صوتي المبتورَ أصلاً..
وأنا أكابد هذا الفزع بقلب بريء، كانت أصواتٌ تتعالى عن بعد، وهو ما جعل جرسُ البيتِ يستفق هو الاخر من منامه الذي طال، في تواترِ وعلى غير انقطاع لدقاته الصاخبة،
لفرط مخافتي، عجزت رجلي من حملي للوصول إلى الباب الذي تبدى بمكان بعيدا توارى وراء حفيف الأشجار..
بصراحة لا أعرف كيف وصلت إليه وفتحته في محاولة لإخماد وكتم هذا الرنين المرعب، ما أن فتحت الباب حتى وجدتني في حضرة الجدة التي بدت على ملامحها علامات الحنق ومنذ سؤالها الأول:
_ ألم تسمعي.. أين كنت وماذا كنت تفعلين؟
- لقد أخذتني الغفوة ولم أغادر مكاني!!
رغم أنني من فتح لها الباب، بقيت مصرة على سؤال، أين كنت؟
توروم عيوني وملامح وجهي بسبب النوم الطويل لم تشفع لي ولم تفلح بإيقاف تهديداتها ووعيدها، حيث مر الليل بتثاقل وبطئ شديد..
أتذكرُ أنّ والدي وصلَ في اليومَ الثاني ظهراً بعد أن زار جدتي، ولما رآني انهال علي بأسئلته، وكأني به يكمل من حيث توقفت الجدة في المساء المنصرم، ذابت الأجوبة خوفا في لعاب فمي فاستحالت صمتا زاده حدة وصراخا انتهى بصفعة مدوية على وجهي، في تلك اللحظات، حز في نفسي غياب أمي، الحصن الحامي!
لا أدري كيف دارتْ بي الأرضُ دورتها وكيف ضاق بي الفضاءُ اختناقا!
سمعت صوت أاااهي بإذني قبل أن يهتز كل شيء بداخلي وتتناثر مشاعري الطفولية.
لماذا.. وما الذي حصل؟
لا شيء.. أنه سوء الفهم فقط الذي أنجلى بعد حين عن حقيقة نسبوا إليها الثناء بجملة بائسة:
"نعمَ التربيةُ"!
يدٌ تمسحُ على رأسٍ شبه غائبٍ قد تندثر ملامح الصفعة عنه، لكن من ذا الذي سيجبر كسر زجاج القلب الذي تصدع!
*كاتبة سورية/ دمشق.
كلمات البحث
الاكثر شهرة
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
لا تنتقم!
لا تنتقم! عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ* لا تنتقم .. ترى التجاهل له انيابتنهش غروره بدون...
لا تعَوِّد
«لا تعَوِّد» عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخالرياض لا تعَوِّد .. جَمْرَنَا رَمَّدْ و لا يْدَفّْي...
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!! فن ومدن* في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...