علي عزت بيغوفيتش… المفكر الذي قاد أمة في زمن المحنة..!! د. تمام كيلاني

علي عزت بيغوفيتش… المفكر الذي قاد أمة في زمن المحنة..!! د. تمام كيلاني

 

 

علي عزت بيغوفيتش… المفكر الذي قاد أمة في زمن المحنة..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

حين يجتمع الفكر الصادق مع القيادة الحكيمة، ويقترن الإيمان بالعمل، يولد رجال يصنعون التاريخ ولا تقتصر أدوارهم على معايشة أحداثه. ومن هؤلاء الرئيس البوسني والمفكر الإسلامي علي عزت بيغوفيتش، الذي لم يكن رجل سياسة فحسب، بل كان صاحب مشروع فكري وإنساني، حمل الإسلام بوصفه رسالة حضارية، ودافع عنه بالكلمة كما دافع عنه بالموقف.

 

وُلد علي عزت بيغوفيتش عام 1925 في مدينة بوسانسكي شاماتس، ونشأ في أسرة مسلمة محافظة، في مرحلة كانت منطقة البلقان تعيش فيها تحولات سياسية وفكرية عاصفة. ومنذ شبابه المبكر شغلته قضية الإنسان المسلم في العصر الحديث، وسعى إلى الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يحافظ المسلم على هويته الدينية، ويشارك في الوقت نفسه في بناء الحضارة الحديثة؟

 

لم تكن أفكاره موضع ترحيب لدى النظام الشيوعي في يوغوسلافيا، فتعرض للملاحقة والاعتقال، وقضى سنوات طويلة في السجن بسبب دفاعه عن حق المسلمين في الحفاظ على عقيدتهم وهويتهم الثقافية. غير أن سنوات السجن لم تُضعف عزيمته، بل زادته يقينًا بأن الأفكار الحرة لا تُقهر بالقوة، وأن الكلمة الصادقة قد تُؤجل، لكنها لا تموت.

 

ويُعد كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب» من أهم المؤلفات الفكرية الإسلامية في القرن العشرين، إذ قدم فيه رؤية عميقة للإسلام باعتباره منهجًا يوازن بين الروح والمادة، والعقل والوحي، ويرفض الثنائية المصطنعة بين الدين والتقدم. كما ترك كتاب «هروبي إلى الحرية» شاهدًا على تجربته الإنسانية في السجن، بينما وثق في «مذكراتي» جانبًا مهمًا من تجربته السياسية والقيادية خلال حرب البوسنة.

 

وعندما تعرضت البوسنة والهرسك للحرب بين عامي 1992 و1995، وجد بيغوفيتش نفسه أمام مسؤولية تاريخية. فقاد شعبه في واحدة من أكثر المآسي قسوة في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، محافظًا على ثباته وإيمانه، ومؤكدًا أن الدفاع عن الوطن لا ينفصل عن الدفاع عن الكرامة والعدالة. ورغم قسوة الحرب، ظل يدعو إلى السلام والتعايش، ورفض أن يتحول الظلم الذي وقع على شعبه إلى مبرر للانتقام أو التخلي عن المبادئ.

 

ولم يكن تواضعه أقل عظمة من شجاعته. فقد كان، وهو رئيس للبوسنة والهرسك، يحرص على الحضور إلى صلاة الجمعة مبكرًا، ويجلس في الصف الأول مع عامة المصلين، من غير مظاهر تميز أو استعلاء. ويُروى أنه تأخر مرة عن الصلاة، فلما دخل المسجد جلس في المكان الذي انتهى إليه المجلس، لكن المصلين أفسحوا له الطريق وأصروا على أن يتقدم إلى الصف الأول لأنه رئيس الدولة. فالتفت إليهم وقال بما معناه: “أنتم الذين تصنعون من الحاكم إلهًا، أو ترفعونه فوق منزلته.” ثم بقي في مكانه، مؤكدًا أن المنصب لا يمنح صاحبه فضلًا على الناس، وأن قيمة الإنسان فيما يحمله من أخلاق ومبادئ، لا فيما يشغله من مناصب.

 

لقد كان علي عزت بيغوفيتش نموذجًا نادرًا للمفكر الذي عاش أفكاره، وللسياسي الذي لم يفصل بين السلطة والأخلاق، ولا بين الحرية والمسؤولية. ولهذا بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة المسلمين وغير المسلمين، بوصفه قائدًا حافظ على إنسانيته في زمن القسوة، وفيلسوفًا حمل همَّ أمته دون أن يفقد انفتاحه على الإنسانية كلها.

 

إن استذكار تجربة علي عزت بيغوفيتش ليس مجرد استحضار لسيرة رئيس أو مفكر، بل هو دعوة إلى الإيمان بأن نهضة الأمم تبدأ بالفكرة، وتحيا بالمبدأ، ويصنعها رجال يثبتون في الشدائد قبل الرخاء.

 

رحم الله علي عزت بيغوفيتش، الذي أثبت أن قوة الأمم لا تُقاس بما تملكه من سلاح فحسب، وإنما بما تملكه من قيم، ومن رجال يترجمون تلك القيم إلى واقع.

 

والله من وراء القصد.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

 

 

 


تعليق

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!
بوابة دمشق

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!
بوابة دمشق

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي
بوابة دمشق

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...