ليس كل ما نملكه يُهدى… فبعض الأشياء اسم وطن..!! د. تمام كيلاني
ليس كل ما نملكه يُهدى… فبعض الأشياء اسم وطن..!!
د. تمام كيلاني*
ليس كل ما نملكه يُهدى… فبعض الأشياء اسم وطن
د. تمام كيلاني
تتناقل الألسن قصةً طريفةً من أواخر القرن التاسع عشر، تقول الإمبراطور الألماني غليوم الثاني وزوجته الإمبراطورة الألمانية، خلال زيارتها دمشق عام 1898,أُعجبت بحمارٍ أبيض يملكه أحد وجهاء المدينة، وطلبت أن تأخذه معها إلى برلين. وحين حاول الوالي إقناع صاحبه بالتخلي عنه، رفض الرجل، ثم برّر موقفه بكلماتٍ تجاوزت قيمة الحمار نفسه، فقال:
“إذا عادت الإمبراطورة إلى بلادها بهذا الحمار، وسألها الناس: من أين لك هذا؟ قالت: من دمشق. وعندها سيقولون: زارت دمشق، ولم يعجبها فيها إلا حمار! وأنا لا أقبل أن يكون هذا هو الانطباع الذي يبقى عن مدينتي.”
سواء صحت هذه الرواية أم بقيت في دائرة الحكايات الشعبية، فإنها تحمل معنىً يستحق التأمل.
فليست الوطنية أن نرفع الشعارات حين تكون الكاميرات حاضرة، بل أن نحرس صورة أوطاننا حتى في التفاصيل الصغيرة. فهناك من يرى الأشياء بعين المصلحة، وهناك من يراها بعين المسؤولية.
لقد فهم ذلك الدمشقي - إن صحت الرواية - حقيقةً يغفل عنها كثيرون؛ أن الأمم لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالصورة الذهنية التي يحملها الآخرون عنها. والصورة قد يصنعها كتاب، أو عالم، أو لوحة، أو موقف، وربما يصنعها حمار.
الفلسفة تعلمنا أن الأشياء لا تكتسب قيمتها من ذاتها، بل من المعاني التي يخلعها الإنسان عليها. فالحمار لم يكن عند ذلك الرجل مجرد دابة، بل أصبح رمزًا يمكن أن يختزل مدينةً عريقة عمرها آلاف السنين. وهنا انتصر الرمز على المادة، وانتصر الوعي على المنفعة.
ولعل أخطر ما تعيشه بعض مجتمعاتنا اليوم أننا أصبحنا نفرط في الرموز قبل أن نفرط في الممتلكات. نفرط في اللغة، وفي التاريخ، وفي الأخلاق، وفي صورة الإنسان، ثم نتساءل لماذا فقدنا احترام العالم.
الوطن ليس فندقًا نقيم فيه مؤقتًا، ولا قطعة أرض نعيش فوقها فحسب. الوطن فكرة، وذاكرة، ورسالة، وسمعة. ومن يحب وطنه حقًا لا يسأل فقط: ماذا أعطاني الوطن؟ بل يسأل نفسه كل صباح: ماذا سأضيف إلى اسمه اليوم؟
كم نحن بحاجة إلى هذا النوع من الوعي؛ وعيٍ يجعل الإنسان سفيرًا لوطنه في كل كلمة يقولها، وفي كل موقف يتخذه، وفي كل تعامل مع الآخرين. فربما لا تُقاس قيمة الأمم بعدد جيوشها، بل بعدد أبنائها الذين يشعرون أن كرامة الوطن جزء من كرامتهم الشخصية.
إن الأوطان العظيمة لا يصنعها السياسيون وحدهم، وإنما يصنعها المواطن البسيط الذي يدرك أن كل تصرف يقوم به، مهما بدا صغيرًا، قد يكتب سطرًا جديدًا في تاريخ بلاده.
وهذا هو الذكاء الحقيقي… أن تدرك أن بعض الأشياء ليست للبيع، لأنها لم تعد ملكًا لأصحابها، بل أصبحت جزءًا من هوية وطن.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
فريتيوف شوان.. الفيلسوف السويسري الذي رأى في الإسلام حكمة خالدة للإنسانية..!! د تمام كيلاني
علي عزت بيغوفيتش… المفكر الذي قاد أمة في زمن المحنة..!! د. تمام كيلاني
مالك بن نبي.. المفكر الذي قرأ أزمة الحضارة من قلب أوروبا..!! د. تمام كيلاني
مارتن لينغز.. الإنجليزي الذي كتب السيرة النبوية بعيون المحب..!! د. تمام كيلاني
بين الذاكرة والمدينة.. تفرد معاني سليمان أوراق "نهاية الرحلة!! كوثر جعفر
قراءة أديبة لثلاثية القصة القصيرة جداً (حفاة المدن، قوس قزح، صمت المحراب) للقاصة إلهام عيسى!
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...