العالم كما يُراد لك أن تراه: حين تتحوّل الكاميرا إلى مدفع صامت

العالم كما يُراد لك أن تراه: حين تتحوّل الكاميرا إلى مدفع صامت
د. تمام كيلاني

 

العالم كما يُراد لك أن تراه: حين تتحوّل الكاميرا إلى مدفع صامت

 

د. تمام كيلاني*

لم نعد نعيش في زمن الخبر، بل في زمن الرواية. لم تعد الحقيقة تُلتقط، بل تُركّب. لم تعد الكاميرا تنقل الواقع، بل تُنتجه. وبين شاشة وأخرى، تسقط الحقيقة وتتبدد في ضجيجٍ إعلامي لا يترك لك سوى بقايا مشاعر، وآثار قناعات، وركام وعي مشوّه.

اليوم، لم تعد المعركة بين الدول تُخاض بالسلاح فقط، بل بالأخبار. ولم تعد الجبهات عسكرية فحسب، بل بصرية وإدراكية ونفسية. أنت، كمشاهد، لم تعد مجرد متلقٍّ… بل أصبحت ساحة حرب.

أولًا: تعددية الأصوات… أم تشظّي الحقيقة؟

قد يخدعك تنوّع القنوات وتعدد الاتجاهات لتظن أننا في عصر تعددية إعلامية. لكن الحقيقة أن ما يُقدَّم لك ليس تعددًا في الحقائق، بل في الزوايا. أنت لا ترى العالم، بل ترى ما تريده كل جهة أن تراه. مشهد مُنتقى، بزاوية محددة، في لحظة محسوبة.

فتح قناة واحدة يجعلك ترى “النصر المؤزَّر”، وفتح قناة أخرى يجعلك ترى “الهزيمة المُذلَّة”. وبين هذا وذاك، تختفي الوقائع لحساب الروايات.

ثانيًا: لم تعد تسأل “ماذا حدث؟” بل “من الذي يحكي؟”

في عالم يُصاغ بالروايات، أصبح السؤال المركزي ليس عن الحدث، بل عن من صاغه. من يملك المايكروفون يملك القدرة على اختراع حدث، أو دفنه، أو قلبه رأسًا على عقب.

ليس كل صمت بريء، ولا كل ضجيج صادق. فالحدث لا يكفي ليوجَد، بل يجب أن يُروى. وإذا تجاهله الإعلام، مات في وعي الناس… وإن غطّاه بتحيّز، تشوّه إلى الأبد.

ثالثًا: الإعلام لم يعد يشرح لك العالم، بل يعيد تشكيلك

المسألة اليوم ليست في تقديم المعلومة، بل في صناعة الإدراك. ليس الهدف أن تعرف، بل أن تفهم كما يُراد لك أن تفهم. هنا، يتحوّل الإعلام إلى أداة لإعادة برمجة وعيك، لترى العدو حيث يُراد، وتتغاضى عن الجريمة حيث يُخطط.

حين تخاف بدل أن تسأل، وتُصفق بدل أن تفكر، اعلم أنك أصبحت منتجًا إعلاميًا… لا مواطنًا.

رابعًا: ضجيج مقصود… وإرهاق ممنهج

هل لاحظت كيف تتراكم الأخبار فوق بعضها؟ أخبار عاجلة، تقارير متضاربة، فيديوهات مؤثرة، تحليلات متناقضة. إنها ليست مصادفة، بل سياسة. فكلما زاد الضجيج، تراجع العقل، وتقدّمت الغرائز. الإرهاق المعرفي المقصود يجعلك تُدمن على المتابعة… دون أن تفهم شيئًا.

ثم، بعد كل هذا، تصل إلى خلاصة مريحة:

كلهم كاذبون… لا فائدة من شيء.

وهنا تكون قد وصلت إلى نقطة اللاعودة: الحياد القاتل.

خامسًا: الحياد في الظلم ليس موضوعية… بل خيانة

هناك قضايا لا يجوز أن تقف أمامها صامتًا. لا يمكنك أن تكون محايدًا في وجه القصف، أو التعذيب، أو القتل او تخريب المشافي وقتل العملين في المجال الصحي او الفساد، أو التطبيع. الحياد في هذه اللحظات هو سلاح يستخدمه الظالم، ليطيل من عمر استبداده. أما أنت، فتُمنَح “مساحة آمنة” من الوهم… كي لا تتورط في الحقيقة.

سادسًا: السردية… هي المعركة الجديدة

القصف يُكذّبه الإعلام، لكن الكاميرا تُخيف أكثر من المدفع. مشهد طفل يُنتشل من تحت الأنقاض قد يهزم رواية جيش بأكمله. لهذا أصبحت المعركة اليوم على الصورة، على الصوت، على المعنى.

كل طرف يحشد روايته، ويُسلّحها بالمشاهد، ويُطلقها على الوعي العام.

ولأن الرواية القوية تهزم أحيانًا الحقيقة نفسها، أصبح امتلاك السردية أهم من امتلاك الوقائع.

سابعًا: من المستفيد؟

  • الأنظمة العفنه تروّج لفكرة “الخطر الخارجي” لتقمع الداخل.
  • الممولون: يموّلون روايتهم، ويشترون ذمم الشاشات.
  • النخب: تعيش من الجهل، وتُغذّي الخوف.
  • المنصات الكبرى: تسوّق لكل هذا تحت شعار: “حرية التعبير.”

لكنك لست مضطرًا لأن تكون ضحية.

ثامنًا: كيف تحصّن وعيك؟

الوعي اليوم لم يعد رفاهية، بل ضرورة. وإذا كنت لا تملك صوتًا إعلاميًا، فاملك على الأقل عقلًا لا يُشترى.

افعل الآتي:

      راقب الخبر، لكن افحص من نقله.

      لا تثق بالمشاهد القوية، قبل أن تفهم سياقها.

      اسأل دائمًا: “ماذا لم يُقَل؟”

  • وافهم أن الحقيقة لا تُعرض دائمًا… بل يجب أن تُنتزع.

خاتمة: في زمن الأكاذيب الناعمة… الوعي مقاومة

لا تصدق أن الكاميرا والفيديو أنهما بريئان ولكن سلاح ناعم، أخطر من الرصاصة، لأنها لا تقتل الجسد… بل تقتل الفهم. وفي عالم تسكنه الصور، وتموت فيه المعاني، يصبح السؤال الحقيقي:

“كيف أُبقي على عقلي حيًا، وسط كل هذا الضجيج؟”

نعم، لا تملك قناة، ولا جيشًا، ولا منصة. لكنك تملك عقلًا، ولسانًا، وقلبًا… فإذا صمت العقل، وسكت اللسان، وخاف القلب، فاعلم أنك لست حرًا، حتى لو لم تكن في سجن

وهنا يقف الإنسان الشريف ليردد قول الشاعر العربي

اجهر برأيك لايأخذك ترويع

لاينفع الصوت إلى وهو مسموع

وهنا علينا ان نقول

اصدع بكلمة الحق ولاتتردد.

 

*رئيس اتحاد الأطباء والصيادلة العرب بالنمسا


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة فيينا

سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي! د. تمام كيلاني

سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي! د. تمام كيلاني
بوابة فيينا

عيد الفطر السعيد في فيينا.. تظاهرة دينية واجتماعية

عيد الفطر السعيد في فيينا.. تظاهرة دينية واجتماعية
بوابة فيينا

الثورة السورية: من جدلية القمع إلى انتصار الإرادة التاريخية

الثورة السورية: من جدلية القمع إلى انتصار الإرادة التاريخية
بوابة فيينا

حاكم مصرف سورية المركزي بضيافة اتحاد الاطباء العرب في فيينا!!

حاكم مصرف سورية المركزي بضيافة اتحاد الاطباء العرب في فيينا!!
بوابة فيينا

أتاك الدور يا دكتور: من صرخة أطفال درعا إلى سقوط الخوف!

أتاك الدور يا دكتور: من صرخة أطفال درعا إلى سقوط الخوف!
بوابة فيينا

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

تابعونا


جارٍ التحميل...