العراق لا يباع!!
العراق لا يباع!!
ماجدة شريف*
في إحدى ليالي بغداد، كان انقطاع الكهرباء قد أصبح جزءًا من الحياة اليومية. جلس علي فوق سطح منزله المتواضع، ينظر إلى أضواء المنطقة التي تختفي وتعود كأنها تذكر الناس بأن الأمل نفسه أصبح متقطعًا.
تنهّد وقال لوالده: "أبي... كيف يكون العراق من أغنى الدول بالنفط، ونحن لا نجد عملاً ولا خدمات تليق بهذا البلد؟"
ابتسم الأب ابتسامةً حزينة، وقال: "يا ولدي... العراق فقير فقط في الأمانة، أما خيره فما زال يكفي الجميع."
في صباح اليوم التالي، خرج علي يبحث عن عمل. مرَّ بشوارع مزدحمة، وشاهد شبابًا يحملون شهاداتهم الجامعية لكنهم يقفون على الأرصفة بانتظار فرصة لا تأتي. ورأى أطفالًا يبيعون المناديل تحت حرارة الشمس، بينما كانت السيارات الفاخرة تمر أمامهم بسرعة.
سأل نفسه: "أين تذهب كل هذه الأموال؟"
وفي المساء، جلس مع جده، الذي عاش عقودًا طويلة وشهد تغيرات كثيرة في البلاد.
قال الجد: "يا بني، لقد مر العراق بحروب وحصار وأزمات، لكنه بقي واقفًا. ما يؤلم الناس ليس فقط الفقر، بل عندما يشعرون أن ثروات وطنهم لا تعود بالنفع عليهم، وأن الفساد يسرق أحلام الأجيال."
ظل كلام الجد يدور في ذهن علي. فقرر أن يبدأ من نفسه. جمع مجموعة من الشباب، وبدأوا ينظمون حملات تطوعية لتنظيف الأحياء، ومساعدة الفقراء، ونشر الوعي بأهمية حماية المال العام، والمطالبة بالشفافية والمساءلة بالوسائل السلمية والقانونية.
قال أحد أصدقائه: "وهل تعتقد أن هذا سيغيّر شيئًا؟"
ابتسم علي وقال: "كل تغيير كبير يبدأ بخطوة صغيرة، وبشعب لا يفقد إيمانه بوطنه."
مرت السنوات، وكبر عدد المؤمنين بأن العراق يستحق الأفضل. كانوا يرددون دائمًا:
"لسنا نريد المستحيل، نريد وطنًا تُحفظ فيه الأمانة، ويُحاسب فيه الفاسد، ويعيش فيه المواطن بكرامة."
وفي إحدى الأمسيات، عاد علي إلى ضفة دجلة. وقف يتأمل الماء وهو يجري، وقال:
"قد يستطيع البعض سرقة المال، لكنهم لن يستطيعوا سرقة حبنا للعراق. وسيأتي يوم تُصان فيه ثروات الوطن، وتُصرف من أجل المدارس والمستشفيات والطرق وفرص العمل، لا من أجل المصالح الضيقة."
رفع رأسه نحو السماء، وابتسم.
كان يؤمن أن العراق، رغم كل ما مر به، سيبقى وطنًا قادرًا على النهوض، وأن مستقبل البلاد سيصنعه أبناؤها المخلصون، بالعمل، والوعي، والنزاهة، والإصرار على بناء دولة يسودها العدل ويحفظ فيها المال العام.
فالأوطان لا تبنى بالشعارات، بل بالأمانة والعدالة، ولا تستعيد قوتها إلا عندما يصبح الوطن فوق كل مصلحة، ويكون القانون فوق الجميع.
*كاتبة عراقية/ فيينا.
الاكثر شهرة
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
لا تنتقم!
لا تنتقم! عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ* لا تنتقم .. ترى التجاهل له انيابتنهش غروره بدون...
لا تعَوِّد
«لا تعَوِّد» عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخالرياض لا تعَوِّد .. جَمْرَنَا رَمَّدْ و لا يْدَفّْي...
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!! فن ومدن* في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...