العراق يُنبت العباقرة… فلماذا يحصد العالم ثمار عقول أبنائه؟
العراق يُنبت العباقرة… فلماذا يحصد العالم ثمار عقول أبنائه؟
ماجدة شريف*
ليس غريبًا على العراق، أرض الحضارات ومنارة العلم والمعرفة عبر التاريخ، أن يُنبت عقولًا لامعة وكفاءات استثنائية تحمل في فكرها وإبداعها وإصرارها ملامح وطن عريق، وتشُق طريقها نحو النجاح في مختلف ميادين الحياة. فالعراق الذي علّم العالم أبجديات الكتابة، واحتضن العلماء والمفكرين، لا يزال قادرًا على تقديم طاقات مبدعة للإنسانية، حتى وإن وجدت هذه الطاقات طريقها إلى التألق خارج حدود الوطن.
غير أن نجاح العراقيين في الخارج يطرح سؤالًا ملحًّا: لماذا يقطف الآخرون ثمارًا ناضجة من شجرة عراقية الجذور؟ لا يهدف السؤال إلى التقليل من قيمة البلدان التي احتضنت هذه الكفاءات، ولا إلى إنكار حق الإنسان في اختيار المكان الذي يحقق فيه طموحه، بل إلى فهم أسباب هجرة العقول، والبحث عن سبل تجعل العراق بيئة حاضنة للعلم والإبداع.
أمثلة موثقة على نجاح الكفاءات العراقية
حين نتأمل أسماءً مثل عمر الراوي، وسايا أحمد، وباسل كيرسكي، وغيرهم من أبناء العراق الذين تركوا بصماتهم في مجالات متعددة، ندرك أن الكفاءات العراقية ليست حالات استثنائية عابرة، بل ثروة بشرية حقيقية، صنعتها حضارة ضاربة في عمق التاريخ، وغذّتها ثقافة تقدّر المعرفة وتؤمن بقيمة العلم والعمل.
إنها حكاية عقول عراقية حملت معها ذاكرة الوطن، وانطلقت إلى بلدان أخرى لتثبت أن الإبداع لا تحدّه الجغرافيا، وأن الموهبة قادرة على فرض حضورها متى توافرت لها الفرصة المناسبة. فمن الثقافة والفنون والعمارة، إلى الطب والبحث العلمي والتكنولوجيا، استطاع عراقيون أن يسهموا في نهضة المجتمعات التي احتضنتهم، وأن يضيفوا إلى رصيدها العلمي والثقافي والإنساني.
وتستحق هذه التجارب أن تُوثَّق بصورة أكثر انتظامًا، عبر جمع المعلومات عن أصحابها، ومجالات إنجازهم، والمؤسسات التي يعملون فيها، وأثرهم في مجتمعاتهم. فتوثيق قصص النجاح العراقية في الخارج لا يكرّم أصحابها فحسب، بل يقدّم نماذج ملهمة للأجيال الجديدة، ويكشف حجم الطاقات التي يمكن أن تسهم في تنمية العراق إذا أُتيح لها المجال.
فكم من طبيب عراقي كان يمكن أن يسهم في تطوير المؤسسات الصحية، وكم من مهندس ومعماري كان قادرًا على المشاركة في إعادة بناء المدن وتحديثها، وكم من باحث وعالم كان بإمكانه أن يضيف إلى الجامعات ومراكز الأبحاث إنجازات تليق بتاريخ العراق وإمكاناته، لو توافرت البيئة الداعمة والمناخ المناسب للعمل والإبداع.
أسباب هجرة الكفاءات
فالعقول لا تغادر أوطانها بحثًا عن المال وحده؛ قد تغادر طلبًا للاستقرار، أو التقدير، أو المختبر المجهّز، أو المؤسسة التي تحترم المعرفة، أو المساحة التي يستطيع فيها المبدع العمل دون أن تصطدم طموحاته بالعقبات. وعندما تتوافر هذه المقومات في بلد دون آخر، يصبح انتقال الكفاءات أمرًا مفهومًا، لكنه يظل خسارة تستدعي المراجعة.
وتتصل هجرة الكفاءات بجملة من العوامل، من أبرزها ضعف فرص العمل المتخصصة، ومحدودية التمويل الموجّه إلى البحث العلمي، وغياب المختبرات والبنى التحتية الحديثة، فضلًا عن البيروقراطية، وتراجع معايير الكفاءة، وعدم تكافؤ الفرص. كما أن غياب الاستقرار المهني والاجتماعي، وضعف الصلة بين الجامعات ومؤسسات الإنتاج، يحدّان من قدرة أصحاب الأفكار على تحويل مشاريعهم إلى إنجازات ملموسة.
ولا يمكن تجاهل أثر المناخ العام في قرار الرحيل؛ فالمبدع يحتاج إلى بيئة تحمي حرية البحث والتعبير، وتقدّر الجهد، وتكافئ الإنجاز، وتمنحه شعورًا بأن مستقبله المهني لا يتوقف على العلاقات أو الظروف العابرة. وحين لا يجد هذه المقومات في وطنه، يصبح البحث عن بيئة بديلة خيارًا منطقيًا، حتى لو ظل ارتباطه بالعراق عاطفيًا وثقافيًا عميقًا.
العراق لا تنقصه المواهب، ولا يفتقر إلى الإرث الذي يؤهله للحضور بقوة في ميادين المعرفة الحديثة. ما يحتاج إليه هو تحويل إمكاناته إلى منظومة متكاملة تحتضن الإنسان، وتستثمر في قدراته، وتفتح أمامه أبواب البحث والابتكار، وتمنحه الثقة بأن النجاح في وطنه ليس حلمًا بعيد المنال.
حلول عملية لاستعادة الكفاءات ورعاية المواهب
إن استعادة الكفاءات العراقية لا تتحقق بالشعارات وحدها، ولا بمطالبة المغتربين بالعودة دون تغيير الظروف التي دفعتهم إلى الرحيل. إنها تبدأ ببناء بيئة جاذبة تقوم على الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص، وتوفر الاستقرار المهني، وتحمي حرية البحث والإبداع، وتربط الجامعات بمؤسسات الإنتاج، وتمنح الشباب مساحة حقيقية للمشاركة في صناعة المستقبل.
ويتطلب ذلك وضع سياسات واضحة لدعم البحث العلمي، وتخصيص تمويل مستدام للمختبرات والمشاريع الابتكارية، وتحديث المناهج التعليمية، وتطوير البنية الرقمية، وإنشاء حاضنات أعمال ومراكز بحثية قادرة على تحويل الأفكار إلى منتجات وخدمات. كما ينبغي اعتماد معايير شفافة في التعيين والترقية، وربط التقدم المهني بالكفاءة والإنجاز لا بالولاءات الشخصية.
ولا ينبغي أن يقتصر الاستثمار في الكفاءات على استعادة من غادروا، بل يجب أن يبدأ من الداخل، برعاية المواهب الشابة قبل أن تضطر إلى الرحيل، وتزويدها بالأدوات التي تمكّنها من المنافسة والتميز، وتوفر لها فرصًا عادلة لتحويل طموحاتها إلى إنجازات.
ومن المهم أيضًا إنشاء برامج وطنية للتواصل مع الكفاءات العراقية في الخارج، تتضمن منحًا بحثية مشتركة، وزيارات علمية، ومشاريع تعاون بين الجامعات العراقية والمؤسسات الدولية، ومنصات لتبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا. فليس المهم دائمًا أين يقيم المبدع، بل كيف يمكن أن تصل ثمار إبداعه إلى وطنه الأم، وكيف يستطيع العراق الاستفادة من أبنائه أينما كانوا.
كما يمكن للقطاع الخاص، والمؤسسات الثقافية، والمنظمات المهنية، أن تؤدي دورًا فاعلًا في تمويل المبادرات، وتوفير التدريب، واحتضان المشاريع الناشئة، وربط الشباب العراقي بشبكات الخبرة العالمية. وبهذا تتحول علاقة العراق بكفاءاته في الخارج من علاقة حنين وانتظار إلى شراكة عملية مستمرة.
فليس من العدل أن نكتفي بالفخر بأبنائنا حين ينجحون في بلدان الآخرين، ثم نغفل عن السؤال الأهم: كيف نصنع في العراق الظروف التي تساعدهم، وتساعد الأجيال القادمة، على تحقيق النجاح نفسه في وطنهم؟
العراق ليس مجرد أرض شهدت ولادة حضارات عظيمة، بل وطن يمتلك القدرة على صناعة حضارة متجددة، إذا وضع الإنسان في قلب أولوياته، وجعل العلم أساس نهضته، والكفاءة معيار تقدمه، والإبداع طريقه إلى المستقبل.
ولعل الرسالة الأهم التي تحملها هذه الحكايات ليست أن نأسف على من غادروا، بل أن نعمل كي لا يضطر المبدعون القادمون إلى المغادرة بحثًا عن فرصة، وأن نجعل من نجاح العراقيين في الخارج حافزًا لبناء واقع أفضل في الداخل، يستفيد من خبرات أبنائه ويمنحهم أسباب العطاء والانتماء.
فالعراق الذي أنجب الحضارات قادر على أن ينهض من جديد، والعقول التي رفعت اسمه في الخارج يمكن أن تكون جزءًا من مستقبله في الداخل، متى توافرت الإرادة والفرصة والبيئة التي تستحقها.
فليس غريبًا على العراق أن يُنبت الكفاءات؛ الغريب حقًا أن تبقى أرضه في انتظار حصاد تزرعه عقول أبنائها، بينما تجني ثماره بلدان أخرى.
*إعلامية عراقية/ فيينا.
الاكثر شهرة
دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني
دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني* حوار في الحرية... وشها...
ظل!! روعة سنوبر
ظل!! روعة سنوبر* حزينٌ هو، ولا يدري حجمَ بوحِه المسجونِ. أتراه مطرٌ أُغدقَ من عينين ش...
عودة!! نعمت الحاموش
عودة!! نعمت الحاموش* دائما تعود.. كشتاء عاصف تعود.. كقمر أيلول. عابسا تعود.. دائما تع...
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!! فن ومدن* في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...