نرجسية العصر الرقمي: حين تصبح الصورة أهم من الإنسان..!! د. تمام كيلاني
نرجسية العصر الرقمي: حين تصبح الصورة أهم من الإنسان..!!
د. تمام كيلاني*
من أسطورة نرسيس إلى سجون الخوارزميات… هل نعيش حياتنا حقاً، أم نعيش لإقناع الآخرين بأننا نعيشها؟
قبل أكثر من ألفي عام، حكى الإغريق أسطورة نرسيس، الشاب الذي وقع في حب انعكاس صورته في الماء، حتى أصبح عاجزاً عن مغادرتها. وإلى جانبه كانت إيكو، الحورية التي فقدت صوتها المستقل، فلم تعد قادرة إلا على ترديد الكلمات التي تسمعها من الآخرين.
لم يكن لدى نرسيس هاتف ذكي، ولم تعرف إيكو منصات التواصل الاجتماعي، لكنهما يبدوان اليوم وكأنهما خرجا من قلب عصرنا الرقمي.
نرسيس هو الإنسان الذي يريد أن يُرى، وإيكو هي الجماعة التي تردد ما تسمعه. وبين الصورة والصدى، يعيش إنسان العصر الحديث مفارقة عجيبة: يريد أن يكون مختلفاً، لكنه يخشى أن يختلف؛ يبحث عن صوته الخاص، ثم يقيس قيمته بمقدار ما يصفق له الآخرون.
لقد تغيرت الوسائل، لكن الطبيعة البشرية بقيت هي نفسها. وما فعلته التكنولوجيا أنها منحت رغباتنا القديمة مرايا لا تنتهي، وجعلت كل إنسان قادراً على تحويل حياته إلى عرض مفتوح أمام جمهور لا يغادر.
وهنا يبدأ السؤال: هل أصبحت وسائل التواصل مرآة نرى فيها أنفسنا، أم سجناً لا نستطيع مغادرته لأننا نخشى أن يتوقف الآخرون عن رؤيتنا؟
النرجسية: من حب الذات إلى عبوديتها
في الطب النفسي، لا تعني النرجسية مجرد الإعجاب بالنفس أو الاهتمام بالمظهر؛ فاضطراب الشخصية النرجسية حالة سريرية لها معايير محددة، ولا يجوز تشخيص الإنسان بها لمجرد أنه ينشر صوره أو يبحث عن الإعجابات.
لكن ثمة فرقاً بين الاضطراب النفسي والسلوكيات التي قد تشجعها البيئة الرقمية.
لقد أصبحت جوانب من حياتنا قابلة للقياس بالأرقام: عدد المتابعين، والإعجابات، والمشاهدات والتعليقات. وكأن قيمة الإنسان باتت تحتاج إلى شهادة يومية تصدرها الشاشة.
لم يعد السؤال دائماً: هل أنا سعيد؟ بل أصبح: هل أبدو سعيداً؟
ولم يعد السؤال: هل أنجزت شيئاً يستحق الفخر؟ بل: كم شخصاً شاهد إنجازي؟
وهنا تحدث المفارقة؛ إذ ينتقل الإنسان من عيش حياته إلى مراقبة صورته، ومن البحث عن الرضا الداخلي إلى انتظار التصفيق الخارجي.
قد يبتسم أمام الكاميرا بينما يعاني الوحدة، ويعرض نجاحه بينما يخفي خوفه، ويقدم حياة مثالية لا تشبه بالضرورة حياته الحقيقية.
إنه يعيش حياتين متوازيتين: حياة يشعر بها بكل ما فيها من تعب وتناقضات، وصورة يصنعها بعناية كي يراها الآخرون.
وكلما اتسعت المسافة بين الحياتين، ازدادت حاجته إلى حماية الصورة، حتى لو كان الثمن راحته النفسية وصدقه مع نفسه.
المأساة ليست أن يحب الإنسان صورته، بل أن يفقد القدرة على حب نفسه عندما لا تعجب صورته الآخرين.
الدماغ أمام شاشة المكافآت
لماذا نفتح هواتفنا عشرات المرات يومياً، حتى عندما لا نحتاج إليها؟
يلعب الدوبامين دوراً مهماً في التحفيز والتعلم وتوقع المكافآت. وبعض خصائص المنصات الرقمية، بما توفره من محتوى متجدد وتفاعلات غير متوقعة، قد تشجعنا على العودة المتكررة إليها بحثاً عن رسالة أو إعجاب أو تعليق جديد.
لكن المسألة ليست كيميائية فحسب؛ إنها نفسية وفلسفية أيضاً.
فنحن لا نبحث دائماً عن المعلومة، بل قد نبحث عن الطمأنينة. ولا ننتظر التعليق فقط، بل ننتظر دليلاً على أننا مهمون في نظر الآخرين.
وهكذا يتحول الهاتف، لدى بعض المستخدمين، من وسيلة للتواصل إلى مرآة يراجع الإنسان أمامها قيمته كل يوم.
والأخطر أن تصبح استجابات الآخرين معياراً للحكم على الذات: يرتفع مزاجنا حين تزداد الإعجابات، وينخفض حين لا يلتفت إلينا أحد.
فهل أصبحنا نملك أدوات التواصل، أم أصبحت حاجتنا إلى التواصل الرقمي هي التي تملكنا؟
إيكو الرقمية: حين يصبح الصدى أعلى من صوت العقل
إذا كان نرسيس يمثل الانشغال بالذات، فإن إيكو تمثل فقدان الصوت المستقل.
قد يكتب شخص تعليقاً غاضباً، ثم يعيد آلاف الأشخاص نشره. وقد تتحول معلومة غير موثقة إلى حقيقة في أذهان الناس، لمجرد تكرارها وانتشارها. وقد يجد الإنسان نفسه غاضباً من قضية لم يفهم تفاصيلها، لكنه يشعر أن عليه أن يغضب لأن الجميع غاضبون.
ليس كل رأي شائع خاطئاً، وليس كل غضب غير مبرر. لكن الخطر يبدأ عندما تحل سرعة الاستجابة محل التحقق، ويصبح الانتماء إلى الجماعة أهم من البحث عن الحقيقة.
هنا لا يعود السؤال: ماذا أعتقد أنا؟ بل: ماذا يعتقد الجميع، وكيف أستطيع أن أكون جزءاً منهم؟
إن وسائل التواصل لا تنقل أفكارنا ومشاعرنا فحسب؛ بل قد تضخمها، وتمنحها سرعة انتشار تجعل الغضب أحياناً أسرع من العقل، والشائعة أسرع من الحقيقة، والحكم أسرع من الفهم.
والمجتمع الذي يفقد القدرة على التفكير المستقل لا يفقد اختلاف الآراء فقط، بل يفقد أيضاً قدرته على مراجعة أخطائه.
فليس كل ما يتكرر حقيقة، وليس كل ما يحظى بالتصفيق يستحق الإعجاب، وليس كل ما يثير الغضب يستحق أن نمنحه عقولنا قبل أن نمنحه أصواتنا.
حين تصبح حماية الصورة أهم من حماية الإنسان
ربما تكمن مأساة نرسيس الحقيقية في أنه لم يعد يرى العالم خارج انعكاسه.
وفي عصرنا، قد يضحي الإنسان براحته كي يبدو سعيداً، ويخفي ألمه كي لا يبدو ضعيفاً، ويواصل علاقة تؤذيه كي لا يظهر فاشلاً، وينشغل بتصوير لحظة جميلة أكثر من انشغاله بعيشها.
لم نعد نكتفي أحياناً بأن نكون سعداء؛ نريد أن يرانا الآخرون سعداء.
ولم نعد نكتفي بالنجاح؛ نريد أن نثبت نجاحنا أمام جمهور لا ينتهي.
قد نجلس حول مائدة واحدة، لكن كل واحد منا ينظر إلى شاشة مختلفة. وقد نلتقي بعد غياب طويل، فنقضي جزءاً من اللقاء في توثيق سعادتنا بالاجتماع، بدلاً من أن نمنح الاجتماع نفسه كامل حضورنا.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة: نصور اللحظة كي نتذكرها، ثم ننشغل بالصورة حتى لا نعيشها كما ينبغي.
ليس كل ما يستحق أن يُعاش يحتاج إلى أن يُعرض، وليس كل ما لا يراه الآخرون بلا قيمة.
بعض اللحظات جميلة لأنها خاصة، وبعض المشاعر صادقة لأنها لا تحتاج إلى جمهور، وبعض النجاحات عظيمة حتى لو لم يعرف بها أحد.
وفي هذا المعنى، نستحضر قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
فالآية تذكرنا بألا تستحوذ زينة الحياة الدنيا على نظرتنا، وأن المظاهر لا ينبغي أن تصبح المعيار الذي نزن به الإنسان وقيمته.
ليست المشكلة في جمال الصورة، بل في أن تحجب عنا ما هو أجمل وأعمق منها: صدق الإنسان، وسلامه الداخلي، ورحمته بالآخرين، وقدرته على أن يعيش دون أن يحتاج في كل لحظة إلى إثبات شيء لأحد.
ذاكرة لا تنسى… وإنسان يتغير
هناك مأساة أخرى لم تعرفها أسطورة نرسيس: أن الإنسان قد يموت، بينما تبقى صوره ورسائله وتعليقاته محفوظة في فضاء رقمي لا نعرف متى يتوقف عن استعادتها.
قد يعود تعليق كتبناه في لحظة غضب بعد سنوات، حين نكون قد نضجنا وتغيرت أفكارنا. وقد تبقى صورة قديمة شاهدة علينا، بينما لم تعد تمثل من أصبحنا عليه.
فالإنسان ليس صورة ثابتة، بل حكاية تتطور، وأخطاء يتعلم منها، وتجارب تعيد تشكيله.
والذاكرة الرقمية، مهما بلغت قدرتها على حفظ التفاصيل، لا تستطيع وحدها أن تفهم الإنسان في سياقه الكامل، أو أن تدرك مقدار ما تغير فيه.
لكن ثمة حقيقة أكثر أهمية: بقاء البيانات لا يعني بالضرورة بقاء الأثر الإنساني.
قد تترك آلاف الصور، لكنها لا تخبر وحدها كيف عاملت الآخرين. وقد ينسى الناس ملامحك، لكنهم يتذكرون أنك وقفت إلى جانبهم حين احتاجوا إليك.
طبيب قد لا يملك آلاف المتابعين، لكنه يخفف ألماً أو ينقذ بصراً. ومعلم قد لا يظهر على أي منصة، لكنه يغير حياة طالب إلى الأبد. وأم قد لا تنشر صور عطائها، لكنها تترك في أبنائها أثراً يتجاوز عمرها.
هؤلاء لا يحتاجون إلى خوارزمية كي تمنح أعمالهم قيمتها.
من الصورة إلى الجوهر: ماذا يرى الله في الإنسان؟
في زمن أصبحت فيه المظاهر قابلة للعرض، والمكانة قابلة للقياس، والقبول الاجتماعي قابلاً للعد، يأتي الحديث النبوي الشريف ليعيد ترتيب معايير القيمة الإنسانية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
إنها نقلة من المظهر إلى الجوهر، ومن الصورة التي نعرضها على الناس إلى الحقيقة التي تتجلى في قلوبنا وأعمالنا.
فالإنسان لا يصبح عظيماً لأن صورته جميلة، ولا ناجحاً لأن آلاف الأشخاص يتابعونه، ولا نبيلاً لأن كلماته تحصد الإعجابات.
قيمته الحقيقية تظهر في صدقه حين يستطيع أن يكذب، وفي تواضعه حين يستطيع أن يتكبر، وفي رحمته حين يستطيع أن يقسو، وفي عطائه حين لا ينتظر مقابلاً أو تصفيقاً.
وهنا يلتقي المعنى الروحي مع التأمل النفسي والفلسفي: إن التحرر من عبودية الصورة يبدأ عندما نتوقف عن جعل نظرة الآخرين المصدر الوحيد لقيمتنا.
لسنا بحاجة إلى رفض التكنولوجيا، ولا إلى اعتبار كل مستخدم لوسائل التواصل نرجسياً. نحن بحاجة إلى أن نستعيد التوازن: أن نستخدم الصورة دون أن نصبح أسرى لها، وأن نستمع إلى الآخرين دون أن نفقد صوتنا، وأن نتواصل مع العالم دون أن نفقد الاتصال بأنفسنا.
الخاتمة: كم بقي فينا من صورنا؟
في أسطورة نرسيس، كانت البركة مرآته الأخيرة. أما نحن، فقد أصبحت شاشاتنا بركاً لا تنتهي، نستطيع أن ننظر فيها إلى أنفسنا في كل لحظة، وأن نعيد تشكيل صورتنا مرات لا تحصى.
لكن الخطر ليس أن ننظر إلى انعكاسنا، بل أن ننسى أن هناك عالماً كاملاً خارج البركة.
قد نترك آلاف الصور، وملايين المشاهدات، وآثاراً رقمية لا تنتهي، لكن حين تنطفئ الشاشات وتتوقف الإعجابات ويصمت العالم من حولنا، لن يبقى السؤال كم شخصاً رأى صورتنا، بل كم إنساناً شعر بوجودنا.
هل تركنا في حياة الآخرين أثراً طيباً؟ هل خففنا ألماً؟ هل قلنا كلمة صادقة؟ هل ساعدنا إنساناً؟ هل جعلنا العالم، ولو قليلاً، مكاناً أفضل؟
ربما أصبحنا بارعين في حفظ ما يبدو عنا، وأقل انتباهاً إلى ما نصبح عليه بالفعل.
ولعل المأساة الحقيقية في عصرنا ليست أننا نحب صورنا أكثر مما ينبغي، بل أننا قد ننسى الإنسان الذي يقف خلفها.
لا تجعل صورتك أكبر من حياتك، ولا تجعل صدى الآخرين أعلى من صوت ضميرك.
فإذا كان نرسيس قد انشغل بصورته حتى فقد العالم، وإذا كانت إيكو قد فقدت صوتها حتى لم تعد تملك سوى التكرار، فإن مهمتنا اليوم أن نستعيد ما فقده الاثنان: القدرة على رؤية الآخر، والقدرة على أن نكون أنفسنا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن يواجهه كل واحد منا:
إذا بقيت صورنا بعد رحيلنا، فهل ستخبر العالم كيف كنا نبدو، أم ستترك له سبباً يتذكر به ما كنا نعنيه؟
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
الاكثر شهرة
عودة!! نعمت الحاموش
عودة!! نعمت الحاموش* دائما تعود.. كشتاء عاصف تعود.. كقمر أيلول. عابسا تعود.. دائما تع...
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...
لا تنتقم!
لا تنتقم! عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ* لا تنتقم .. ترى التجاهل له انيابتنهش غروره بدون...
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!! عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...