الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!
غلاف
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!
عبدالكريم العفيدلي*
تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية فيفيان الصائغ حضوراً لافتاً ضمن التعبيرية المعاصرة في الفن السوري، حيث لا تُعامل اللوحة بوصفها تمثيلاً مباشراً للواقع، بل كمساحة داخلية تعيد صياغة أثره في الوعي الإنساني. لذلك يبدو الاهتمام في أعمالها موجهاً نحو الحالة الشعورية أكثر من المشهد الخارجي، ونحو الذاكرة والانفعال أكثر من التوثيق البصري.
يبرز الوجه الإنساني في معظم الأعمال بوصفه محوراً بصرياً أساسياً، لكنه لا يُقدَّم كبورتريه تقليدي قائم على التشابه أو التوثيق، بل كحالة شعورية مفتوحة. تتكثف الملامح لتعبّر عن الداخل النفسي أكثر مما تعبّر عن الهوية الفردية، وتبدو العيون، حين تحضر، جزءاً من شحنة انفعالية تختصر التوتر الداخلي دون أن تتحول إلى سرد مباشر. بهذا المعنى يتحول الوجه إلى بنية شعورية أكثر منه صورة لشخص بعينه، وإلى أثر نفسي يتجاوز الفرد نحو التجربة الإنسانية العامة.
في مستوى اللون، لا يظهر الاشتغال عليه بوصفه محاولة لمحاكاة الطبيعة أو بناء انسجام زخرفي، بل بوصفه امتداداً للحالة الداخلية. تهيمن التدرجات الداكنة في كثير من الأعمال لتشكّل فضاءً بصرياً كثيفاً، في مقابل حضور الأبيض كلحظة ضوء أو انكشاف أو انقطاع يقطع العتمة. وهكذا لا يعمل اللون كعنصر تزييني، بل كطاقة شعورية تتغير وفق توتر التجربة الداخلية، لا وفق منطق المشهد الخارجي.
أما التكوين، فيقوم غالباً على مركزية العنصر الإنساني، مع تقليص واضح في التفاصيل الخلفية. تتحول الخلفية إلى فضاء غير محدد، أقرب إلى امتداد نفسي منه إلى مكان واقعي، ما يعزز حضور الكتلة الإنسانية بوصفها مركز الثقل البصري، ويجعل العلاقة بين الشكل والخلفية قائمة على شدّ وتوتر مستمر أكثر من كونها علاقة توازن تقليدي.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الفراغ بوصفه مساحة محايدة أو صامتة، بل بوصفه جزءاً من البنية الشعورية للعمل. فهو يتداخل مع الكتل اللونية ويشارك في تكوين الإحساس العام، سواء كان توتراً أو تأملاً أو صمتاً مشحوناً. ومع ذلك، لا يظهر الفراغ كمفهوم نظري مقصود بقدر ما يظهر كنتيجة لطريقة بناء اللوحة، ما يمنحه طابعاً وظيفياً وانفعالياً في آن واحد.
كما أن حضور المرأة في عدد من الأعمال يأتي امتداداً لهذه الرؤية التي تضع الإنسان في مركز التجربة، لكنها لا تقدمه كموضوع اجتماعي مباشر أو خطاب أيديولوجي، بل كحالة وجودية تتقاطع فيها الذاكرة مع الصمت والانفعال، ضمن قراءة أوسع للإنسان في هشاشته وقدرته على الاحتمال في الوقت نفسه.
ورغم وضوح الهوية البصرية للتجربة، إلا أنها تميل إلى التركيز على ثيمة مركزية شبه ثابتة هي الوجه بوصفه حاملًا للحالة الشعورية، وهو ما يمنح الأعمال وحدة أسلوبية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يفتح سؤالاً حول إمكان توسيع المجال التشكيلي نحو موضوعات أكثر تنوعاً على مستوى المشهد والبنية والتجريب، بحيث لا يبقى التعبير محصوراً داخل إطار واحد مهما كان غنياً.
كما أن كثافة التعبير الانفعالي قد تجعل بعض الأعمال قريبة بصرياً من بعضها، بحيث تصبح الفروق بينها مرتبطة بالتفاصيل أكثر من اختلاف البنية العامة أو التكوين.
ومع ذلك، تكمن قيمة تجربة فيفيان الصائغ في هذا التحول المستمر للوحة من كونها تمثيلاً بصرياً إلى كونها خطاباً شعورياً، حيث يصبح اللون امتداداً للانفعال، والوجه مرآة للذاكرة، والتكوين إطاراً لتجربة إنسانية قابلة للتأويل. وبهذا المعنى تنتمي هذه التجربة إلى مسار التعبيرية المعاصرة في الفن السوري، باعتبارها محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين الصورة والداخل الإنساني، وبين المرئي وما يتجاوز حدود الرؤية المباشرة، في اتجاه يجعل من اللوحة مساحة تفكير بصري أكثر من كونها مجرد إنتاج جمالي.
*كاتب وشاعر سوري/ الرقة.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قيامة أنثوية في عوالم مليئة بالمتناقضات..!! ريم محمد
هل يمكن تعليم الإحساس؟ .. الفن والغناء في مواجهة مقولة فولتير..!! أسامة حجاج
محمد أحمد الطاهر: الأدب العربي يسير على ساق واحدة... والذكاء الاصطناعي لا يصنع مبدعاً!
إذا حارب الرجلُ العالم فراهنوا على العالم. "فرانزكافكا"..!! بلال محمد عيد الكسواني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...