قراءة أدبية للقصة القصيرة جدا"محاسن" ماجد القيسي
قراءة أدبية للقصة القصيرة جدا"محاسن" للقاص المغربي حسن لختام
ماجد القيسي*
محاسن
امتلأتْ روحها محبةً، فتحَتْ قلبها للعطشى. حين طلبَ منها أحدُ العابرين أن يشربَ من نبيذها ...منحتهُ الكأس ، ومضتْ فارغةً!
حَسن لختام.مراكش.المغرب.8.6.26
تتجسد قصة "محاسن" للكاتب حسن لختام كنموذج إبداعي ينتمي بامتياز لجنس القصة القصيرة جداً، حيث يمارس الكاتب تقنية "الانفجار الدلالي" متجاوزاً السرد التقليدي نحو التكثيف الرمزي الذي يصطاد لحظة إنسانية فارقة. يبرز العنوان "محاسن" بوصفه عتبة تأويلية مركزية لا تشير فقط إلى اسم الشخصية، بل تمتد لتكون "وصفاً" لطبيعتها الوجودية، حيث تحيل إلى الأخلاق الحميدة التي تتحول في النص إلى قدرٍ مأساوي أو تضحية وجودية، رابطةً بين مسمى البطلة وبين الفعل الذي أقدمت عليه، مما يجعل من العنوان مفتاحاً لفهم القفلة التي تلي. وعلى صعيد البناء اللغوي، يظهر جلياً "الاقتصاد اللغوي" الصارم، حيث لم تُهدر كلمة واحدة في التمهيد؛ فالحكاية تبدأ مباشرة من ذروة الامتلاء الروحي، وتستخدم بلاغة الحذف بذكاء، إذ لم يصف الكاتب العابر ولا تفاصيل الكأس، مكتفياً برسم مسار العطاء من الامتلاء إلى الفراغ، تاركاً للقارئ مهمة ملء الفراغات حول ماهية "النبيذ" الذي قد يرمز للمعرفة، للحب، أو للروح ذاتها، مما يمنح النص بُعداً فلسفياً يتجاوز ظاهر الحدث. أما المحرك الفني فيتمثل في المفارقة الحادة التي تبدأ من الرغبة في الإرواء وتنتهي بالاستنزاف؛ فالقفلة لم تكن مجرد نهاية سردية، بل كانت "انقلاباً" دلالياً أعاد تفسير البداية، حيث تحولت "المحاسن" من صفة غنى وامتلاء إلى سبب لـ "الفراغ" الوجودي، مما يفتح أفقاً تأويلياً حول جدوى العطاء المطلق في عالم لا يكتفي بالشرب بل يستهلك المانح. إن نجاح النص يكمن في قدرته على خلق "رنين" ذهني؛ فالقارئ يخرج بتساؤل أخلاقي وقلق وجودي حول حدود التضحية، حيث نجح الكاتب في تحويل لقطة مجهرية إلى تجربة كيميائية دقيقة العناصر، محترماً ضوابط القصة القصيرة جداً في تجنب الحشو الوجداني، ومكتفياً بنواة سردية صلبة جعلت من الكلمات جسراً لعبور القارئ نحو فضاءات التأويل المفتوحة.
* ناقد عراقي.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قراءة نقدية في ثلاثية العطش للكاتبة معاني سليمان ..!! ليلى صليبي
حكايةُ المَشْحُوف..!! قاسم عبد العزيز الدوسري
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...